كاثرين (جوليان مور) طبيبة ناجحة وجميلة تعيش في حي راقٍ مع زوجها البروفسور ديفيد (ليام نيسن) وابنها المراهق الوسيم مايكل (ماكس ثيريوت). تبدو هذه العائلة في الظاهر أنها تملك مقومات الحياة السعيدة كافة. فمايكل بارع في الألعاب الرياضية ويتقن العزف على البيانو. وتملك كاثرين حياة مهنية ناجحة، وتبدو زوجة وأماً ممتازة. (من دون أن تبذل مجهوداً يُذكر وهي ترتدي الكعب العالي). أما ديفيد فهو خطيب مشهور يُضطر غالباً إلى السفر بحكم عمله.

يتّصل ديفيد من نيويورك بكاثرين، التي تعد له حفلة عيد ميلاد مفاجئة في منزلهما المرتّب والفخم، ليخبرها بأنه فوّت الطائرة الوحيدة المتّجهة إلى تورنتو. فتشعر بخيبة أمل كبيرة وتثير هذه الحادثة شكوكها. عند هذه النقطة بالذات يتمكّن المخرج الكندي أتوم إيغويان من شدّ المشاهد إلى شبكة معقّدة من سوء التفاهم والخداع والحيرة. أضف إلى ذلك المظهر الجذاب والخطير لفتاة هوى تُدعى كلوي (أماندا سايفريد التي تؤدي بجرأة دوراً لا يتماشى مع نمطها المعتاد) لتصبح الخطوط التي يرسمها إيغويان ملائمة تماماً لانهيار صرح «العائلة المثالية» القديم.

Ad

بما أن فيلم Chloe يركّز على دور البطلة المتعدّدة الأوجه الذي قلما نراه في الأفلام المعاصرة الناطقة بالإنكليزية، فلا عجب أن تؤديه مور. فقد أصبحت اليوم إحدى أكثر الممثلات المعاصرات إبداعاً، متحدّية ثانيةً المواقف التقليدية والمتحفّظة من الجنس. فبابتكارها شخصيات لا تُنسى تعيش حياة مثيرة فريدة في أفلام مميزة، مثل Boogie Nights وThe End of the Affair وSavage Grace، حفرت مور لنفسها مكانة بارزة في صناعة الأفلام، وبعملها مع كتّاب مثل روبرت التمان (Cookie’s Fortune وShort Cuts) وتود هاينز (Far From Heaven، I’m Not There، وSafe) ولويس مول (Vanya on 42nd Street) كسبت مور شهرة بصفتها الممثلة الأنسب لتجسيد الصراع بين الأم وابنتها، تحدّي طبيعة المرأة الجنسية وغيرهما من التعقيدات العاطفية الجامحة.

تشكّل العلاقات العائلية موضوعاً يتكرّر باستمرار في أفلام إيغويان أيضاً، ولعلّ أبرزها Exotica

وThe Sweet Hereafter (الذي حصل بفضله على ترشيح لجائزة أوسكار أفضل مخرج) وFelicia’s Journey. يعمل إيغويان عادة بطريقة دقيقة وخارجة عن المألوف على تشريح الخطر والمتضرّر من الأنسجة التي توحّد العائلات، سواء كانت طبيعية أو مختارة. مع Chloe، يعكس تقديرُ هذا المخرج لأفلام هوليوود الكلاسيكية (خصوصاً ميلودراما دوغلاس سيرك واضطراب ألفرد هيتشكوك النفسي المشوّق) نظرةَ كاتب السيناريو إرين كريسيدا ولسون الخام إلى مشاعر واضطرابات امرأة تواجه التقدّم في السن، الخيانة، الوحدة، ورغبات جنسية جديدة. بذلك نجح إيغويان في تقديم مراجعة عميقة وواضحة للزواج، النجاح، الخداع، والعلاقات العائلية التي أتاحت لمور فرصة مؤاتية لتبرع في الدور الرئيس، وقد أبدعت فعلاً.

تحدث إيغويان في نيويورك عن العمل مع مور وكريسيدا ولسون لابتكار هذه الشخصية الديناميكية، ذلك الكيان المتمرّد الدائم التبدّل الذي يُعرف بالنقد السينمائي، والسبب الذي يدفعه إلى القول إن تاريخ السينما لا يقتصر على «حرب النجوم».

لطالما حوت أفلامك شخصيات نسائية قوية وكثيرة المفاجآت. ما أهمية ذلك بالنسبة إليك؟

عندما قرأت هذا النص بالتحديد، شعرت بأنه قصة مذهلة. ففي القصص المشابهة الأخرى التي يختبر فيها أحد الزوجين إخلاص الآخر، الزوج هو عادة مَن يشك في أمانة زوجته. نرى ذلك من Cymbeline لشكسبير

وCosi fan tutte إلى Don Quixote لسيرفانتيس. هذه حبكة مألوفة، لكن الرجال هم غالباً مَن يختبرون إخلاص حبيباتهم. لذلك يبدو لي امتحان امرأة أمانة زوجها أمراً غير اعتيادي. ومن الغريب أيضاً أن يتمحور الفيلم حول امرأتين قويتين معقدتين تراود كل منهما تخيلات متناقضة بشأن هوية الأخرى. ومن ثم نرى الزوج يؤدي دور «الزوجة» التقليدي في الفيلم. وهذا برأيي مختلف جداً.

ما هي برأيك أكبر الأخطاء التي قد يرتكبها المخرج خلال تصويره العلاقات الجنسية على الشاشة؟

أن ينسى أن الجنس حاضر دوماً في الذهن، وخصوصاً إذا كان الثنائي شخصين تمرّ في ذهنهما شتى الأفكار. يشكّل الجنس جزءاً أساسياً من تركيبتنا. لا يمكننا تصنيفه خارج حياتنا اليومية، فهو حاضر معنا طوال الوقت. كذلك يُعتبر جزءاً من إدراكنا لنفسنا. يسأل الناس عن هذه المشاهد في الفيلم وينظرون إليها على أنها مشاهد قوية ومؤثرة. لكنْ ثمة ترابط بين المواد الأخرى وهذه المشاهد. ويشعر الممثلون بهذا الترابط، تماماً كما يلزم أن نكون نحن جميعنا متّصلين بذاتنا الجنسية، حسبما أعتقد. فهي ليست كياناً منفصلاً عنا.

ما المذهل في العمل مع ممثلة على غرار جوليان مور؟

تفاجأت حقاً بقدرتها على تجسيد أعمق المعاني التي قد تخطر ببالك وأكثرها غموضاً. فوجهها معبّر ومليء بالمفاجآت في آن. قد تبدو لك في الوقت نفسه سهلة الفهم وغامضة. وهذا من دون شك مزيج ممتاز. تؤدي مور دور شخصية تبدأ بالقول: «هزة الجماع سلسلة من الانقباضات العضلية لا تعقيد فيها ولا غموض». على رغم ذلك، تشعر بالتعاطف معها. هذا غريب حقاً. لكنها بارعة في ذلك. من المضحك أنني، عندما رأيتها للمرة الأولى في Vanya on 42nd Street، فكرت في هذه القدرة المميزة، قدرة أن يتمكّن الممثل من التحلّي بالبرودة وحمل المشاهدين على التعاطف معه. كذلك تتمتع مور بحضور قوي. فهي في آن واضحة، معقدة، ومليئة بالغموض.

علّمت في جامعة تورنتو، حتى أنك أنشأت منحة لطلاب دراسات السينما.

نعم، درّست مادة محددة تُدعى «التعديات» (Transgressions) هدفها العثور على روابط بين عوامل مختلف أشكال الفن الثابتة، مثل الفنون البصرية والموسيقى والمسرح والسينما. تثير هذه المادة اهتمام طلاب الدراسات العليا الذين يطمحون حقاً إلى إقامة هذه الروابط. أعشق الأوبرا وقد أخرجت بعض الأعمال الأوبرالية. فركّزت على قدرة الأوبرا على الارتباط بمختلف أنواع الفن. كان ذلك ممتعاً. لا شك في أن التعليم صعب، وخصوصاً إذا كنت تحاول في الوقت نفسه بناء مسيرة مهنية. علّمت في جامعة تورنتو، التي تخرّجت فيها وسرّتني العودة إليها. كان القيّمون عليها يستعدون لافتتاح قسم دراسات عليا في مجال السينما، لذلك أعددت منحة لهؤلاء الطلاب.

برأيك، ما هي أهمية الاستمرار في تعليم المواد السينمائية؟

لا داعي للقول إن السينما فن بالغ الأهمية في عصرنا. ولكن من المخيف أن نرى أن تاريخ الأفلام يبدأ في مخيّلة البعض مع «حرب النجوم»، أو ربما لاحقاً. أما الجيل المقبل، فسيظنّ أنه بدأ على الأرجح مع Lord of the Rings. تتمتع السينما بتاريخ غني لا يفهمه الناس أو لا يملكون وسيلة للاطلاع عليه. لذلك من المهم الحفاظ على مستوى من التعليم يتيح إبقاء لغة هذه الأفلام الباكرة حية وحاضرة. ففيما تشهد هذه الصناعة ثورات كبرى، علينا أن نفهم أهمية السينما الصامتة والتجارب الأولى مع الأفلام الناطقة. علينا أن نطلع على مختلف المراحل التي مرت بها السينما كشكل من أشكال الفن وأن نبقيها موضوع درس جدياً، شأنها شأن الموسيقى والرسم وغيرهما من الفنون.

في Chloe، تقول أماندا: «أكره الإنترنت». أودّ معرفة رأيك بالنقد السينمائي اليوم بعد أن بدّلته الإنترنت جذرياً؟

من المذهل أن يحظى الناس بفرصة مناقشة فيلم قدر ما يشاؤون والتعبير عن وجهة نظر فيلم من دون أن يقيّدهم عدد الكلمات. لكن المشكلة تكمن في أننا فقدنا إحساسنا بسلطة مركزية. قد يكون هذا التطوّر جيداً، إلا أنه محزن لأننا ما عدنا ننتظر شخصاً محدداً ليحلّل لنا الفيلم. فقد أصبح النقد مسألة رأي تُجمع عليه الغالبية. صحيح أن هذا يضفي طابعاً ديمقراطياً على هذه العملية، غير أنه يصعّب على الأعمال الهامشية إيجاد مَن يقرأها، خصوصاً أن ما من راعٍ يتولّى مهمة إيصالها إلى الجمهور. والمضحك أنني انتهيت لتوّي من قراءة كتاب عن مراحل هوليوود الباكرة ودور بعض النقاد أمثال جيمس آيجي وماني فاربر وبولين كايل. كان هؤلاء أناساً تمكنوا من تقديم الأفلام بطريقة استطاعت كلّ الأمة تقريباً قراءتها. أعتقد بأننا بدأنا نفقد ذلك الزمن، وهذا محزن.

أيّ أفلام تنصح محبي السينما بمشاهدتها؟

من أبرز الأفلام في رأيي Vertigo The Godfather، و8 ½ لفيليني. يمتاز بعض الأفلام الأخرى بطابعه المظلم. أظن أن فيلم Citizen Kane استحق شهرته.

تماشياً مع خط هوليوود التقليدي اخترت على الأرجح جوليان مور، التي تذكّر بفيلم Far From Heaven. لكن المنزل الذي اعتمدته في Chloe بدا أشبه بنسخة معاصرة من تصاميم المخرج دوغلاس سيرك...

يندرج هذا الفيلم في خانة الميلودراما، ما يميّزه عن سائر أفلامي. تقوم الميلودراما على تصوير المشاعر كاملة من دون أي تجميل، ولكي تنجح، يلزم أن يكون أداء الممثلين ممتازاً. من الواضح أنني أعشق أعمال تود هاينز، إلا أنه لم يكن فيلماً من هذا النوع. بدا لي أن الممثلين الثلاثة قادرون على أداء ما أضحى يُعرف اليوم بالميلودراما الكلاسيكية. وصدف أن فزت خلال مهرجان هامبورع السينمائي السنة الماضية بجائزة دوغلاس سيرك. تأثرت جداً لحظة تسلّمها وفكرت: «تخوّلني هذه تصوير فيلمي الأقرب إلى نمط سيرك...».

بشأن تقنية التصوير، أعجبتني وجهة النظر التي تبنيتها عندما تتلقى كاثرين الاتصال الهاتفي الحاسم من ديفيد في بداية الفيلم، الاتصال الذي يُطلق القصة. هل يمكنك إخبارنا لمَ اخترت هذه الزاوية؟

إحدى الخصائص التي تميّز هذا المنزل احتواؤه على زوايا تسمح للشخصيات بمراقبة إحداها الأخرى من خلال الزجاج، وهي تعي أنها مراقبة. يبدو المنزل مصمماً بطريقة غريبة، كما لو أنه منصة تراقب منها كاثرين عائلتها. ويشاء القدر أن تنقلب الأدوار بينما يروح الجميع في الحفلة يراقبون كاثرين فجأة. هكذا، يعكس هذا المشهد ما تعانيه، إذ تشعر بأن حياتها تضيع.

شعرت أن خطاب كاثرين عن التقدّم في السن في Chloe قوي جداً. فما أهمية السن في هذه القصة؟

التقدّم في السن بالغ الأهمية. يتمحور الفيلم حول امرأة تشعر بأنها تختفي بعد أن كانت تبدو أكثر جاذبية في نظر زوجها. حتى أنها تقول إنها ما عادت موجودة. ولا شك في أن هذا مرعب. أضف إلى ذلك الصورة التي كوّنتها عن زوجها الذي يزداد جاذبية مع التقدّم في السن والمحاط بكثير من الطالبات. لذلك، تفترض كاثرين مسبقاً أنه لا يحتاج إلى سماع الثناء منها. وهذا أيضاً تطوّر مهم.

تثير الاهتمام الأفكار التي قدّمتها عن الثقة في Chloe. ربما لم تتناول الثقة بقدر ما صورت الخيانة العظمى. كيف يستطيع المرء برأيك إعادة الغموض والجاذبية إلى العلاقة من دون الحاجة إلى اللجوء للسرية والكتمان؟

إذا كنت مضطراً إلى الإجابة... أعتقد بأن العلاقات تجدد نفسها عندما لا تتوقع ذلك. لا أحد يدري متى. وهذا هو الأمر الأكثر غموضاً. ففي مرحلة ما في العلاقات الطويلة، عليك الإقرار بأنك تبدلت عما كنت عليه عندما التقيتما. فقد تغيّرت حاجاتك الجنسية والعاطفية. فضلاً عن ذلك، شهد موقف أحدكما من الآخر تغييرات جذرية بسبب ما اكتسبتماه من خبرة. لذلك تشعران أن بإمكانكما التخلّي عن هذه العلاقة. وأعتقد بأن هذا ما يفعله كثير من الأزواج. وهنا ينشأ السؤال: «ماذا تفعل أنت؟».

تكثر الحلول وتختلف. أعتقد بأن الأمور كافة مباحة في الزواج. يمكنك اعتماد الحل الذي تراه مناسباً مهما كان، شرط ألا يتأذى أيّ من الطرفين. لا أظن أن بإمكانك التصنيف والقول: «هذا خطأ». فما تراه أنت خطأ قد يكون الحل الأنسب ليصلح الزوجان علاقتهما وينقذا زواجهما. إذاً، ما من جواب سهل. ولكن عليك البقاء متيقظاً وفهم الإشارات ومعرفة متى لا تسير الأمور على خير ما يُرام.