بات التوجه السياسي إلى إنتاج الوقود الحيوي يثير مخاوف وتساؤلات جوهرية بشأن آثاره السلبية على الأمن الغذائي العالمي، لاسيما مع ارتفاع بعض أنواع المحاصيل الزراعية إلى أكثر من 40 في المئة.

أولت البلدان المستهلكة الرئيسية للبترول موضوع استخدام الوقود الحيوي في وسائل النقل كبديل مستقبلي للوقود الأحفوري اهتماما وتشجيعا متزايدين، لاسيما منذ مطلع القرن الجاري، وأصبح هذا الأمر يثير جدلا علميا واسعا بين مؤيد ومرتاب في حقيقته وجدواه الاقتصادية وأبعاده الجيوسياسية، وغدا مادة رئيسية في المؤتمرات العلمية ووسائل الإعلام.

Ad

وقالت منظمة الدول العربية المصدرة للنفط (أوابك) في افتتاحية نشرتها الأخيرة: غالبا ما يتم تضخيم حملات الوقود الحيوي، لاعتبارات سياسية أو انتخابية، على اعتبار انه يساهم في تعزيز أمن الطاقة العالمي، والتخفيف من آثار ظاهرة تغير المناخ، وتعزيز التنمية في المناطق الريفية، ومصدر طاقة متجدد. وينقسم الوقود الحيوي إلى جيلين: الجيل الأول وهو البيوإيثانول (الإيثانول الحيوي) والبيوديزل (الديزل الحيوي)، والجيل الثاني الطاقة المستمدة من قصب السكر والأعشاب وجذوع الأشجار والطحالب السيليلوزية.

وقد أعلنت الدول الصناعية الرئيسية خططا وسياسات لتطوير منظومة إنتاج أنواع الوقود الحيوي المختلفة للوصول إلى المستويات المستهدفة، حيث تهدف بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى زيادة حصة الوقود الحيوي في قطاع النقل من 1.5 في المئة في عام 2008، إلى 8 في المئة في عام 2020، وتسعى الصين والهند إلى رفع تلك النسبة إلى 6 في المئة.

ارتفاع قياسي لمحاصيل زراعية

لكن ينبغي ألا يحجب عن الرؤية، تأثير توجيه جزء معتبر من الكتلة الحيوية إلى أغراض إنتاج الوقود الحيوي على الحاجات الغذائية لسكان الأرض، وخاصة في البلدان النامية، فخلال الفترة ما بين عامي 2002 و2007 وتزامنا مع تزايد إنتاج الجيل الأول من الوقود الحيوي، شهدت أسعار بعض أنواع المحاصيل الزراعية ارتفاعا قياسيا بلغ نسبة 140 في المئة، حيث ارتفعت في مايو 2009 لوحده بنسبة 24 في المئة مقارنة بمايو 2006، ويعود ذلك الارتفاع إلى عدة عوامل، لعل من أهمها التوجه نحو استخدام بعض أنواع المحاصيل كالذرة وقصب السكر والحبوب والمحاصيل ذات البذور الزيتية لإنتاج الوقود الحيوي، مما نجم عنه آثار اقتصادية وخيمة على البلدان الفقيرة والأشد فقرا.

وانطلاقا من هذا الواقع، فقد بات التوجه السياسي إلى إنتاج الوقود الحيوي، يثير مخاوف وتساؤلات جوهرية بشأن آثاره السلبية على الأمن الغذائي العالمي، في ظل ما تعانيه بعض بلدان العالم الفقيرة من تحديات بيئية حقيقية من جراء نقص المياه وجفاف الأنهار وشح الأمطار، وانعكاسه بصورة مباشرة على الأمن الغذائي.

وتفصيلا لتلك المخاوف، يجدر الانتباه إلى ما أوردته دراسة حديثة صادرة عن صندوق أوبك للتنمية (أوفيد)، تفيد بأنه إذا ما تمكنت البلدان الصناعية والنامية من تحقيق أهدافها في عام 2020 في تطوير الوقود الحيوي، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 30 إلى 50 في المئة، وإلى زيادة أخطار المجاعة لحوالي 140 مليون نسمة، إضافة إلى فقدان نحو 30 إلى 45 مليون هكتار من الأراضي الزراعية المخصصة لإنتاج الغذاء البشري، وفقدان الكثير من الغابات التي تسهم في لجم آثار التغير المناخي، وتؤكد الدراسة أن تطوير الجيل الأول من الوقود الحيوي، كما هو مخطط له من البلدان المعنية، يتناقض مع أهداف الأمن الغذائي، إذ سيؤدي إلى زيادات متواضعة للقيمة الزراعية المضافة في البلدان النامية، ولا يساعد بيئياً قبل 2030، وسيزيد أخطار تقليص حجم الغابات والتنوع البيولوجي، فهل العالم على استعداد لتحمل تلك الكلفة الباهظة للوقود الحيوي؟

مزيد من الضمانات

ولمناقشة هذه الحقائق، تدور على الصعيد العالمي، نقاشات وتساؤلات بشأن الآثار الاجتماعية والاقتصادية لاستخدام الوقود الحيوي، ومن ذلك مثلا أن الأمين العام للأمم المتحدة، يرى أن العالم في حاجة إلى مزيد من الضمانات بأن تكون سياسات تشجيع الوقود الحيوي متسقة مع الحفاظ على الأمن الغذائي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وهي مسألة يصعب تحقيقها على المدى القصير، أما على صعيد بلدان الاتحاد الأوروبي فقد أشار تقرير صادر عن منظمة OCED في شهر يوليو 2008 إلى أن سياسات تشجيع الوقود الحيوي غير فاعلة وذات تأثير محدود على تخفيض الغازات الدفيئة وتحسين أمن الطاقة، ولها تأثير على ارتفاع أسعار المحاصيل في العالم، وتوقع التقرير أن ترتفع التكلفة المالية لتلك السياسات المعتمدة على التمويل العام من حكومات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا، من حوالي 11 مليار دولار في عام 2006، إلى حوالي 25 مليار دولار سنويا بحلول عام 2015، وقدر التقرير أن تكاليف دعم الوقود الحيوي بين 960 - 1700 دولار للطن الواحد من الغازات الدفيئة (مكافئ ثاني أكسيد الكربون)، وتتضمن سياسات دعم الوقود الحيوي التدابير المتعلقة بالميزانية، والامتيازات الضريبية، والدعم المالي المباشر لمنتجي وتجار تجزئته ومستخدميه. وعبرت من جهة أخرى بعض الأطراف السياسية والاقتصادية المؤثرة في الاتحاد الأوروبي عن شكوكها بشأن قدرة الوقود الحيوي على الوصول إلى نسبة 8 في المئة من احتياجات الوقود إلى قطاع النقل الأوروبي بحلول عام 2020.

وأمام كل هذه التحديات المدعمة بالوقائع والأرقام الدامغة فإن الأمانة العامة لمنظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول (أوابك)، وهي تتابع هذه التطورات، لتؤكد أن السعي إلى البحث عن مصادر طاقة تسهم في تأمين الطلب العالمي المستقبلي، أمر مرحب به من قبل البلدان المنتجة للبترول، لكنه ينبغي لتلك السياسات الموصوفة بـ «الصديقة للبيئة» ألا تعود بالضرر على جهود التنمية المستدامة في البلدان النامية والبلدان الفقيرة على وجه الخصوص، كما تدعو الأطراف المعنية من دول ومنظمات دولية إلى إجراء تقييم شامل من النواحي الاجتماعية والبيئية والاقتصادية، لتأثيرات وتطبيقات إنتاج الوقود الحيوي، خاصة الجيل الأول منه، ومدى مساهمته في حماية الغلاف الجوي من التلوثات البيئية، وعلاقته بارتفاع أسعار المحاصيل الزراعية، والأمن الغذائي، وتغير استخدام الأراضي الزراعية، وتنمية زراعة المحاصيل الغذائية.

(افتتاحية نشرة «أوابك»)