لم يتطلّب تشكيل كائن مميز فكرة لامعة من فريق طلاب من جامعة فيرجينيا. لكنه تطلب دلاءً من الثلج، قوارير من البكتيريا وخدمة تسليم شركة FedEx. أجزاء من الحمض النووي الريبي، طُلبت عبر الإنترنت وصلت في طرد إلى مختبر يعجّ بالقوارير وأنابيب القياس pipettes، والتجهيزات القديمة المتّصلة بأجزاء من الشريط الأحمر، وضع الطلاب قوارير بكتيريا القولون المعوية E. coli bacteria في الدلاء المليئة بالثلج. ثم سخنوا القوارير وتركوها لتبرد مجدداً.
خلال هذه العملية، تشقّقت الخلايا البكتيرية الدقيقة وانفتحت بما يكفي للسماح للحمض النووي الريبي بالدخول، وتشكّل كائن حي جديد: جيش من أجهزة الامتصاص الدقيقة المصنوعة من الزرنيخ، تقدم إمكان تنقية المياه الملوّثة بأساليب أسهل وأقل كلفة.يعلق دان تارجان، اختصاصي في علم الأحياء فيما هو عائد إلى المختبر في صبيحة أحد أيام الأسبوع الماضي، وهو يتناول قطعة كرواسان: {نحن في صدد إعداد آلة جديدة}.في ما مضى كانت مهمة تشكيل مخلوقات دقيقة من خلال تركيبات جينية تقع على عاتق الأشخاص الذين يملكون خيالاً علمياً خصباً، ومنذ جيل فقط، كانت حكراً على أكثر المختبرات تطوراً في العالم. لكن مع أجهزة كمبيوتر أكثر قدرة وتجهيزات أقل كلفة، أصبح ذلك ضمن إمكانات الطلاب في الكليات والجامعات، ويتنافس مئات منهم هذا العام لابتكار أظرف مخلوق جديد في العالم.في هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن {مسابقة الآلة المهندسة وراثياً الدولية} التي أقيمت في عطلة أسبوع هالوين في معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا MIT، تستند إلى نظرية أن الحياة قد تفكّك لتشكّل مستودعاً من الأجزاء الجاهزة القابلة للتبادل ويعاد تجميعها للحصول على كائنات لم تكن موجودة يوماً.يتنافس ابتكار جامعة فيرجينيا، الذي سماه الطلاب {إسفنجة الزرنيخ}، للحصول على الجائزة الكبرى – حجر ليغو ضخم مصنوع من الفضة – إلى جانب ابتكارات من 102 فريق آخر، بما في ذلك بطارية تعمل على البكتيريا (المدينة الجامعية في سان فرانسيسكو) وعقار مضاد للحساسية مصنوع من جينة موجودة في لعاب حشرة تمتص دم الحيوانات وفي البكتيريا التي تعيش في أنوف الناس (جامعة براون).يسمي المؤيدون هذا العلم بعلم الأحياء المصنّعة، أما النقاد فيصفونه بالمخيف.علم الأحياء المصنّعة يشبه الهندسة الوراثية التي كانت تتصدر العناوين لسنوات، فكِّروا في طماطم تسمّى فليفر سيفر Flavr Savr tomatoes المهندسة لتبقى مدة أطول في منصة البيع.لكنْ ثمة فارقان بين الإثنين: ليس من الضروري أن تأتي تركيبات الحمض النووي الريبي من الطبيعة؛ يمكن تصميمها وتشكيلها في مختبر، وهي عملية تصبح أقل كلفة وأكثر سرعة. وثمة أيضاً فكرة أن الحياة، كما السيارات أو أجهزة الكمبيوتر، قد تُهندس وتُبنى من خلال أجزاء عادية تتصرّف بشكل يمكن توقّعه.تركيبات بيولوجيةفي جوهر المنافسة، ثمة سجل MIT للأجزاء البيولوجية المعيارية الذي شكِّل عام 2003 كمخزن مادي وكاتالوج متوافر عبر الإنترنت لأجزاء الحمض النووي الريبي التي حدِّدت وظائفها وسلوكها. BioBricks، هي التركيبات البيولوجية التقليدية التي يستعملها الطلاب والشبيهة بالليغو، لتشكيل مخلوقات جديدة.يصمّم الطلاب باستمرار تركيبات بيولوجية تقليدية جديدة كالحمض النووي الريبي الذي وصل إلى مختبر جامعة فيرجينيا في الشهر الماضي، نسخة معدلة لجينة موجودة في النباتات بشكل طبيعي. يُذكر أن تشكيل هذه التركيبات هو أحد المعايير التي تُقيَّم الفِرق بالنظر إليها. في العام الماضي، أضافت الفرق 1300 جزء، وبذلك أصبح عدد التركيبات البيولوجية القليدية 3350 تقريباً.عندما يسير كل شيء على ما يرام، تعمل المخلوقات الجديدة كما يريد منها مبتكروها أن تفعل. عام 2006، ابتكر طلاب من أدنبورغ، اسكتلندا نوعاً من البكتيريا تمكّن سكان بنغلادش من استعماله لاختبار صلاحية المياه للشرب. بوجود الزرنيخ الذي يسمّم ربع الينابيع هناك تقريباً، يتحوّل لون البكتيريا إلى أحمر. كذلك توصل في العام الماضي، فريق من سلوفانيا إلى لقاح لبكتيريا المعدة الحلزونية Helicobacter pylori المسبّبة للتقرّح والتي تصيب نصف سكان العالم.بيد أن الأمور لا تسير دائماً على ما يرام، ففي صبيحة ذلك اليوم لم يكن من الواضح ما إذا كانت اسفنجة الزرنيخ التي ابتكرها فريق فيرجينيا ستمتص أي شيء آخر. بين كل قضمة وأخرى من الكرواسان، ملأ تارجان دلواً من الثلج لتبريد مجموعة أخرى من بكتيريا القولون المعوية، وقال: {أود أن أنشئ شركة تقوم بذلك}.على رغم وعوده، يثبط علم الأحياء المصنّعة عزيمة أولئك الذين يشكّون في أن العلماء يستطيعون احتجاز ابتكاراتهم في المختبرات ومنعها من أن تفسد وتدمّر، وأولئك الذين يتساءلون ما إذا كان المشرعون يستطيعون الإبقاء على قدرة هذا العلم الكبيرة خارج أيدي الإرهابيين.من جهته يرى جيم طوماس، باحث في مجموعة ETC Group ومقرّها في أوتاوا، وهي مجموعة لا تبتغي الربح وتعارض الهندسة الوراثية في مجال الزراعة، أن {مسابقة الآلة المهندسة وراثياً الدولية محاولة فاعلة لبناء قوة عاملة لقطاع فوضوي إلى حد كبير}.يضيف طوماس: {المشكلة الوحيدة في هذا الإطار هي أن الأولاد يُلقنون أن الحمض النووي الريبي هو رمز كمبيوتر، وأن المرء يستطيع برمجة مخلوقات بيولوجية بالطريقة نفسها التي يستطيع من خلالها برمجة الكمبيوتر. أعتقد أنه مع الوقت سيثبت خطأ هذا التشبيه}.يشير راندي ريتبيرغ، مدير مسابقة الآلة المهندسة وراثياً الدولية، إلى أنه يتفهم قلق الناس من ابتكار أولادهم مخلوقات جديدة قبل أن يصبحوا ناضجين بما يكفي. لكن عموماً يستعمل الطلاب أنواعاً غير ضارة إطلاقاً. هم مقيدون بقوانين السلامة المطبقة في مختبرات مدارسهم، وفي خلال المسابقة، يقيّمون جزئياً بالنظر إلى طريقة تعاملهم مع المخاطر}.يضيف ريتبيرغ: {هم قلقون على مستقبلهم، لكننا لم نصل إلى هذا الحد بعد. وإلى أن نبلغ تلك المرحلة، سنكون قد قمنا بالكثير لتحسين عملنا}.ثمة أيضاً مسائل شائكة ترتبط بحقوق الملكية الفكرية، هذا من دون ذكر المسائل الأخلاقية المرتبطة بالتلاعب بالطبيعة على مستوى عميق إلى هذه الدرجة.يعلق ريتبيرغ: {السؤال عن هذه الأمور التي صنعها الله، وبالتالي عن طريقة تعاملنا معها، مسألة ليست من اختصاصي}.كريس فون دولن، طالب في جامعة جونز هوبكنز، حيث يشارك فريق مسابقة الآلة المهندسة وراثياً الدولية في مشروع طويل الأمد تقوم به الجامعة في سبيل إعادة تصميم التركيبة الجينية للخميرة، يشير في هذا الإطار إلى أن المخاوف المرتبطة بالسلامة لا تقلقه. فالخميرة في كل مكان بحسب قوله.يضيف فون دولن: {أحب التلاعب بالجينات وبالجينوم، مدخلاً عناصر جديداً وملغياً عناصر أخرى. سبق وتحكّمنا بأشياء كثيرة أخرى في الطبيعة، حتى أنها لم تعد طبيعة. بالنسبة إلي الآلة المهندسة وراثياً خطوة أخرى في المسيرة نفسها}.
توابل - EXTRA
طلاب فرجينيا يبتكرون العجائب
11-11-2009