عُرف الأديب د. سليمان الشطي كاتباً قصصياً بين أواخر الستينات والثمانينات، إذ أصدر خلال هذه الفترة ثلاث مجموعات قصصية، وقدّم أبحاثاً ودراسات نقدية، انطلاقاً من عمله أستاذاً للأدب العربي في جامعة الكويت.

يتحدث الشطي إلى {الجريدة} في هذا الحوار عن روايته الصادرة أخيراً بعنوان {صمت يتمدد}، وهي عمله الروائي الأول، مؤكداً ألا علاقة بين حياة المؤلف الشخصية وأبطال الرواية، وأن العمل الفني بعيد عن الوعظ الأخلاقي، ويصعب تحديد نهاية مناسبة له قبل الخوض في مجريات الأحداث.

Ad

يبدو بطـل روايتك الأخيرة {صمت يتمدد} صالح متعاطفاً مع عبد الناصر في قضية العدوان الثلاثي على مصر. هل تحكي الرواية قصة أبناء جيلك؟

صالح أبعد ما يكون عن السياسة وقد تجنبها، وإن جاورها بحكم الصداقة والعمل في السلك الدبلوماسي؛ لكن تعاطفه مع عبد الناصر في مرحلة معينة جاء ليعكس مزاجاً عاماً لأن حادثة العدوان الثلاثي شكّلت وحدة موقف قل نظيرها في تاريخ الأمة، وقد تفاعل مع صالح حتى الأفراد العاديين. وأي رواية تنظر إلى الشارع في تلك الفترة لا يمكن أن تقفز على هذا الحدث الذي يفرض نفسه على أحداث الرواية.

أما بالنسبة إلى أن الرواية تحكي قصة جيلي، فإن كل عمل يتشكل لدى الكاتب إنما يكون مشبعاً بمعطيات عصره، مع إضافة مهمة وهي أن لأحداث هذه الرواية امتداداً يتجاوز الجيل الواحد.

تتصدى الرواية في بعض حواراتها لمظاهر الفساد في حياة الزعماء والملوك. هل تميل إلى إعطاء رسالة سياسية محددة؟

ليس في الرواية حديث موسع عن أي زعيم أو ملك، لكنها تتناول شخصيات لها أنشطة عامة تتصل خيوطها بمناطق القمة ومراكز القرار، وتتأثر سلباً وإيجاباً بهذا الجانب السياسي، علماً أن هذه الشخصيات تطل من خلال علاقتها بالشخصية الرئيسة. فالبعد السياسي أحد الأنشطة التي تتصل بهذه الشخصيات ولا تمثل هدفاً وحيداً أو أساسياً لها.

كذلك تتحدث الرواية عن بعض مظاهر الانحراف الاجتماعي، لكن من دون تعمق في المسألة كـ{تيمة} رئيسة، ما رأيك؟

الانحراف الاجتماعي حالة متحققة في المجتمعات كافة، وهو سلوك فردي يعكسه بعض الشخصيات، يبرز على السطح باعتباره سلوكاً وممارسة، ثم لا مجال للقول عن التعمق وخلافه، فالرواية ليست بحثاً علمياً، بل تكشف عن حالة من خلال سلوك أو إشارة أو شخصية. ويترك الأمر للقارئ لمتابعة النظر في الأمور...

تنتهي الحال بيحيى، أحد أبطالك، السياسي الثائر لأن يصبح معلماً لمادة التاريخ، لماذا هذه النهاية؟

حتى لو انتهى به الأمر ليصبح إنساناً آخر، صحفياً أو تاجراً أو حلاقاً، فهذه نهاية تفسرها الأحداث المتصلة به... أما اختيار التاريخ فمتصل بثقافة الشخصية وتعليمها واهتماماتها الحزبية، علماً أن هذه الشخصية عادت تتحدث عن فكر الزعيم عبر الكتابة في الصحف، وتلك إشارة أخرى تجب متابعتها.

لماذ رصدت الزمن المتقدم (حقبة الخمسينات) على رغم أن روائيين كثيرين سجلوا أحداث هذه الحقبة؟

ليس هذا القول دقيقاً، فالرواية لم تقتصر على حقبة الخمسينات، بل امتدت أحداثها لتتناول حقباً متصلة من أواخر الأربعينات حتى منتصف الثمانينات، ولم تكن مهمتي تسجيلية كي تُقارن بما كتبه الآخرون. إضافة إلى أن كل حقبة زمنية كتبت فيها روايات كثيرة. الإطار الزمني الخارجي في الرواية يحدد المسار، وليس مجال بحث، وكل رواية تختار حقبة زمنية تصنع فيها الأحداث وتسعى إلى تشكيل إيهام الواقع وليس الواقع الفعلي. هل يمكن أن تقول إن رواية {الحرب والسلام} تتحدث فحسب عن الحرب النابليونية على روسيا، وهل تستطيع أن تجمد رواية {يولسيس} لجيمس جويس في حدود يوم 6 يونيو 1904 الذي دارت فيه أحداث الرواية؟ هذا التصور لا يمثل نظرة دقيقة أو مدخلاً مناسباً وحيداً لفهم أي عمل فني.

كل رواية مشروع سيرة ذاتية، إلى أي حد تصدق هذه المقولة على {صمت يتمدد}؟

لا علاقة لسيرتي الشخصية بهذه الرواية، فلست عيسى الذي خنق أخته وشيد إمبراطورية مالية، ولا أنا صالح المتردد المتأزم، ولا يحيى الحزبي الملتزم، ولا الشامر الغني {المغازلجي}... هل تجدني في واحد من هؤلاء؟ أين تجدني في هؤلاء كي تكون القصة جزءاً من سيرتي الشخصية؟

شخصية {عيسى} الفاسق غير المتزن، ألا تجد من الغرابة أن تصل إلى هذه الدرجة من الثراء، كما هو واضح في الرواية؟

لست واعظاً أخلاقياً، ولا أميل كثيراً إلى ما سمي في النقد القديم بالعدالة الشعرية حيث ينتصر الخير ويندحر الشر. الواقع شيء مختلف، وأنا أتعامل مع معطيات الحياة لا الأفكار المجردة المثالية. فعيسى إنسان تعامل مع الحياة بطريقته، نجح وعاش حياته كما أراد واختار، وفي سن متقدمة جاءه مرض مثل الناس كلهم، وعذبه كما عذب غيره، فوهنت قوته وتألم، وأراد أن يلجأ إلى أمه في حالة ضعفه. إنه مشهد إنساني طالما نراه، فما الغريب في هذا؟

يكشف ختام الرواية عن حادثة {قتل شرف} ووفاة عيسى بمرض السرطان، هل تقصد أنه {صمت الموت الذي يتمدد}...

ما أقصده لا أستطيع تحديده، هكذا رُسمت الأحداث، ولم أضع هدفاً محدداً وحيداً، من ثم تُترك لكل قارئ رؤية ما يراه؛ فأنا لا أميل إلى الكاتب الذي يفسر أعماله ويلبس مسوح النقـاد. لنترك الأمر للناظرين ليروا فيها ما يروه طبقاً لإمكاناتهم ونظرتهم إلى معطيات النص...

عرفك جمهور القراء في حقبة السبعينات كاتباً قصصياً، ثم ناقداً أكاديمياً، وأنت اليوم تخوض غمار الرواية، ألا تشعر بالتشتت إزاء هذه الزوايا من الكتابة؟

أنت شاعر وصحافي وكاتب مقالات ومدرّس، فيما أعلم فهل تشاركني هذا التشتت؟ لكن مع ذلك دعني أجيبك عن هذا التساؤل: أولاً، بدأت كاتب قصة قصيرة، لأن الظروف والحاجة الأدبية تستدعي هذا، ولم أتوقف عن ذلك؛ فمن الواضح أنك سهوت أو لم تتابع إنتاجي القصصي، فقد كتبت القصة القصيرة في الستينات وأصدرت أول مجموعة في نهايتها. واستمرت كتابتي في السبعينات والثمانينات وأصدرت مجموعتي {رجال من الرف العالي} في نهايتها، ثم أصدرت المجموعة الثالثة {أنا... الآخر} في منتصف التسعينيات. وكتبت قصصاً أخرى نشرتها في آخر التسعينات. إذاً إنتاجي مستمر لم، لكنه يتجنب الإسهال غير المطلوب. فلوبير لم يكتب سوى أربعة أعمال، وجيمس جويس لم يكتب في 40 عاماً سوى أربعة أعمال روائية ومسرحية وقل مثل هذا عن الطيب صالح...

إذاً أنا لم أتوقف عن كتابة القصة وجاءت الرواية استمراراً لهذا الخط. وهذا الاتجاه هو هوايتي الخاصة التي أحبها.

لست ناقداً؛ لكنني باحث أكاديمي يقدم دراسات وبحوث هي من متطلبات العمل الأكاديمي باعتبارها مهنة أعتاش منها وأمارسها بإخلاص. ومن فضل الله علـيّ أن هذا المجال قريب من هوايتي فهو بحث في الأدب بفنونه المختلفة، من ثم فأنا غارق في الأعمال الأدبية وهذا لا يمثل تشتتاً. وأنت تعلم أن الأدباء العرب كلهم موظفون، فالأدب لدى الأمم المتقدمة يرفع الكاتب إلى درجة الأغنياء أو الميسورين أما في بلادنا فمن تدركه {حرفة الأدب} ويعتمد على عائدها فحجارة الرصيف أفضل مخدة يحصل عليها ليضع رأسه وينام.

يبدو بطل الرواية صالح خجولاً وقلقا ومحاطا بالهواجس على النقيض من {يحيى}

و{عيسى}، كيف توصلت إلى شخصياتك المتناقضة؟

تشكلت هذه الشخصية خلال سنوات التفكير والملاحظة التي تجمع عادة معطيات بعضها ملاحظ في سلوك بعض الشخصيات البشرية ومواقفه، يضاف إليها التركيب الذي يلجأ إليه الخيال الأدبي، خصوصاً عند الكتابة، ففي لحظتها تتشكل لدى الكاتب مشاهد وخطوط تساعده في أن يمضي مع الفكرة التي ابتدأ بها. وإذا كان منطلق صالح في هذه الرواية ذلك الحدث البشع الذي دفع إليه دفعاً مخاطبة لرجولته فيكون مثيراً للسؤال الحيوي: ما أثر هذا الحدث وآثاره المحيطة به عليه؟

هذا السؤال يدفع الكاتب إلى التفكير، ثم تتشكل الشخصية، والجزئية تقود إلى أخرى... هكذا تسير الأمور.