تُعتبر حدود لبنان الجنوبية مع إسرائيل الحدود الأكثر اضطراباً في الشرق الأوسط اليوم، ويمكن بسهولة أن تتدهور الأوضاع في هذه المناطق الحدودية وتخرج عن السيطرة، فخلال اجتماع في البيت الأبيض في الأسبوع الماضي، طلب الرئيس باراك أوباما من الرئيس اللبناني ميشال سليمان وقف تدفق الأسلحة المهربة إلى جنوب لبنان.لكن أوباما يعرف أن القوة العسكرية الأقوى في لبنان لا تخضع للرئيس أو لأي سياسي لبناني آخر، فحركة المقاومة الشيعية هذه تخضع لراعيها الأساسي، إيران، أكثر منه لأي كيان لبناني داخلي، وبهذه الطريقة يجد لبنان نفسه، وهو دولة صغيرة تقع بين سورية وإسرائيل والبحر المتوسط، مرة أخرى تحت رحمة حروب خارج أرضه.
في نوفمبر، بعد 5 أشهر من الجدلات السياسية، وافق سعد الحريري، رئيس الوزراء الجديد المدعوم من الولايات المتحدة، على تقاسم السلطة مع «حزب الله» وحلفائه، لكن حكومة الحريري لن تملك أي سلطة على «حزب الله» وحشده السلاح على الحدود، وطالما أن الجيش اللبناني ضعيف، يستطيع الحزب أن يحاجج قائلاً بألا غنى عن مقاتليه للدفاع عن لبنان ضد إسرائيل.عندما انتهت سنوات الحرب الأهلية اللبنانية الـ15 عام 1990، سلمت كل الميليشيات في البلاد سلاحها، لكن الحكومة سمحت لـ»حزب الله» بالاحتفاظ بسلاحه باعتبار أنه «مقاومة وطنية» ضد الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، الذي استمر حتى شهر مايو من عام 2000، لكن بعد أن انسحب الإسرائيليون، تساءل الكثير من اللبنانيين لمَ لم تسلم هذه المجموعة سلاحها وتتحول إلى حركة سياسية بحتة. فأصر «حزب الله» على أن مهمته التي تتمثل في المقاومة لم تنتهِ لأن إسرائيل مازالت تحتل جزءًا من الأرض، يُسمى مزارع شبعا، نقطة تقاطع غامضة على الحدود بين إسرائيل وسورية ولبنان. (قررت الأمم المتحدة في وقت لاحق أن هذه المنطقة هي ضمن الأراضي السورية وليس اللبنانية). ثم في شهر يوليو من عام 2006، اختطف «حزب الله» جنديين إسرائيليين في غارة عبر الحدود، وهذا ما أشعل فتيل حرب استمرت 34 يوماً وشلّت البنية التحتية في لبنان، هجّرت مليون شخص، وأودت بحياة أكثر من 1200 لبناني، معظمهم من المدنيين، ومنذ انتهاء ذلك النزاع، كان الطرفان يستعدان لجولة جديدة.يتبجح قادة «حزب الله» بأن هذه المجموعة تتمتع الآن بمخزون صواريخ أكبر وأكثر قدرة مما كانت تملكه قبل 3 سنوات. أما المسؤولون الإسرائيليون الذين يصعّدون أيضاً خطابهم الحربي، فيقدّرون أن ترسانة «حزب الله» تتراوح بين 40 ألفاً و80 ألف صاروخ.في 3 نوفمبر، اعترضت البحرية الإسرائيلية سفينة في البحر المتوسط كانت تحمل 500 طن من الصواريخ وقذائف الهاون وغيرها من الذخائر. ادعت إسرائيل أنها كانت شحنة أسلحة إيرانية كان يُفترض أن تصل إلى «حزب الله» عبر سورية، وهذا ما أفضى إلى جولة جديدة من التهديدات من الجانبين.كانت الأوضاع على الحدود تتفاقم في الأشهر الأخيرة، فقد وقع انفجاران غامضان في ما يُشتبه أنهما مستودعان سريان للأسلحة تابعان لـ»حزب الله»، وأُلقيت مسؤولية إطلاق مجموعتين من الصواريخ إلى داخل إسرائيل من جنوب لبنان على مجموعات مرتبطة بتنظيم القاعدة. بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي أنهى حرب عام 2006، يُفترض بقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة أن تعترض أي شحنات أسلحة غير شرعية وتداهم مواقع التخزين جنوبي نهر الليطاني، لكنها نادراً ما فعلت ذلك، في حين يتابع «حزب الله» تسلحه، انتهكت إسرائيل أيضاً قرار الأمم المتحدة بتحليقها المستمر في الأجواء اللبنانية وزرعها أجهزة مراقبة في الأراضي اللبنانية.فيما تخوض إدارة أوباما في غمار السياسات الطائفية اللبنانية المزعجة، تحتاج إلى تطوير سياسة أكثر دقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بـ»حزب الله». لن يعني خطاب الرئيس أوباما التصعيدي الكثير إذا اعتبر العالم العربي أن إدارته تفضّل إسرائيل. فبعد لقائه بالرئيس اللبناني، بدا أوباما أكثر قلقاً حيال أمن إسرائيل منه حيال شكاوى لبنان، وقال أوباما: «عبّر الرئيس سليمان عن مخاوفه المرتبطة بإسرائيل، وشددت أنا على مخاوفنا المرتبطة بالكميات الهائلة من الأسلحة التي تُهرَّب إلى لبنان والتي ربما تمثل تهديداً لإسرائيل».وعد أوباما بالاستمرار في دعم الجيش اللبناني والقوى الأمنية كي تتمكن في نهاية المطاف من حماية الحدود اللبنانية، ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة إلى لبنان مساعدات عسكرية بقيمة 410 ملايين دولار، تضمنت ذخائر، ومدافع، وقوارب صغيرة، ومركبات همفي، وشاحنات، وقاذفات قنابل، وبنادق وغيرها من الأسلحة الخفيفة. غير أن واشنطن ترددت في تأمين أسلحة أكثر تطوراً على غرار الصواريخ المضادة للدبابات، والمروحيات الهجومية، ونظام دفاع جوي، وطائرة استطلاعية من دون طيار. فالمسؤولون الإسرائيليون قلقون من أن أسلحة مماثلة قد تستعمل يوماً ما ضدهم، وهم يضغطون على واشنطن في سبيل إبطاء عملية نقل الأسلحة. بيد أن الجيش اللبناني يحتاج إلى هذه الأسلحة الثقيلة ليثبت أنه قادر على أن يحل محل «حزب الله».ما عاد بالإمكان ضبط الوضع الراهن: فـ»حزب الله» يضع استراتيجيته العسكرية الخاصة ويتخذ قرارات تؤدي إلى الحرب من دون أن يشرك الدولة اللبنانية في هذه القرارات، وقد هدد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن يحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية الأعمال التي تقترفها هذه الميليشيا، ويضع هذا الحريري وسليمان في وضع يستحيل فيه تحقيق أي تقدم، ويجعلهما يعتمدان على أوباما لقمع إسرائيل.تستطيع الإدارة تفادي نشوب صراع جديد من خلال إبقاء تركيزها منصباً على لبنان، واستمرارها في دعم حكومة الحريري، وتقديمها المساعدة لتعزيز مؤسسات الدولة كالجيش اللبناني. لكن على المسؤولين الأميركيين في نهاية المطاف أن يتواصلوا مع «حزب الله»، الذي تصنفه وزارة الخارجية بأنه مجموعة إرهابية. تستطيع واشنطن أن تبدأ بحوار غير مباشر عبر فرنسا ودول غربية أخرى على تواصل مع «حزب الله»، وكذلك على الإدارة أن تضغط على إسرائيل لئلا تبالغ في ردها على حوادث مستقبلية على الحدود اللبنانية، مما قد يؤدي إلى الحرب. هذا إلى أن المسؤولين الأميركيين يستطيعون أن يزيدوا نفوذهم لدى دولة أخرى بارزة تدعم «حزب الله»، سورية، التي تسعى إلى تحسين علاقاتها مع واشنطن.ما من مصلحة مباشرة لإسرائيل أو لـ»حزب الله» في شن حرب، فإسرائيل أكثر اهتماماً الآن بإيران (على الرغم من أنه إذا شنت إسرائيل هجوماً على المنشآت النووية الإيرانية، فقد تشارك هذه الميليشيا الشيعية في الانتقام الإيراني). وبصفته جزءًا من الحكومة اللبنانية الجديدة، لا يستطيع «حزب الله» أن يتحمل كلفة التسبب في حرب أخرى مع إسرائيل، لكن الخطورة في الخطابات التصعيدية والاحتشاد العسكري تتمثل في أن أي حوادث صغيرة على الحدود يمكن أن تفاقم الأوضاع وتخرجها عن السيطرة.صحيح أن «حزب الله» أظهر استعداداً نسبياً للتكيف والتقدم على الصعيد السياسي، ومن المرجح ألا تتخلى هذه المجموعة عن سلاحها (ومفهوم المقاومة المستمرة) من دون التوصل إلى تسوية سياسية بين الغرب وإيران.لسوء الحظ، يبدو هذا النوع من الصفقات الاقليمية بعيد المنال في الوقت الراهن. ومن دون دولة مركزية قوية تستطيع الدفاع عن نفسها، سيبقى لبنان مصدراً محتملاً للاضطرابات في الشرق الأوسط.
مقالات - Oped
منع «حزب الله» وإسرائيل من شن حرب
01-01-2010
ما عاد بالإمكان ضبط الوضع الراهن: فـ"حزب الله" يضع استراتيجيته العسكرية الخاصة ويتخذ قرارات تؤدي إلى الحرب من دون أن يشرك الدولة اللبنانية في هذه القرارات، وقد هدد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن يحمل الحكومة اللبنانية مسؤولية الأعمال التي تقترفها هذه الميليشيا.