قبل أيام، أعلنت {الشحرورة} صباح عن بضعة تفاصيل سيتناولها المسلسل الذي يروي قصة حياتها، ومن بينها أسباب تخليها عن الجنسية المصرية التي منحها إياها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

قالت صباح: {منحني جمال عبد الناصر الجنسية المصرية ولم يسحبها مني كما تردد، بل أنا من تخليت عنها، لأنني كلما أردت السفر لزيارة لبنان للغناء، كان عليّ الانتظار طويلاً للحصول على إذن السفر، وفي إحدى المرات بعدما حصلت عليه، وكنت في الطائرة متوجهة إلى لبنان للمشاركة في {مهرجان بعلبك}، تم إنزالي من الطائرة، وإخباري بأنه عليّ التوجه أولا لإحياء حفلة في الجزائر}. واستكملت القصة قائلة: {اتصلت بالموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب بعدما نزلت من الطائرة وأنا أبكي، وحكيت له ما حدث، وبعدها بدقائق اتصل بي الوزير عبد القادر حاتم وأبلغني بأن المشكلة حلّت وأن بإمكاني التوجه إلى الطائرة للسفر إلى لبنان}. ما قالته صباح كان جزءاً من مشكلة طويلة في علاقة السلطة الناصرية بالنجمات العربيات.

Ad

وإذ حرصت أسمهان على أن تبقى في إطار الصورة الأرستقراطية المترفعة التي رسمتها لنفسها، نجحت في دمج النساء في عالمها. في المقابل، يقول محمد التابعي إنها كانت تكره الغناء أمام السيدات، فهي تعتبر أنها أرفع منهن حسباً ونسباً فلماذا تقف أمامهن موقف {الأرتيست} الأجيرة؟ أما صباح فيبدو أنها مغمّسة في عالم الرجال وتحتاج رجلاً يقف الى جانبها دائماً، هذا ما تقوله في حواراتها، حتى إذا احتاجت من يدلّك قدمها تطلب ذلك من أحد الرجال ولا تقترب من امرأة.

يرسم التابعي صورة أخرى لأسمهان قائلاً إنها كانت تسرف في الشراب على نحو لم يعهده في امرأة سواها، وقد لخصت نفسها بالقول {إنها لا تستطيع أن ترى الكأس مليئة ولا تستطيع أن تراها فارغة}. يضيف: {كان القدح لا يكاد يوضع أمامها ملآناً حتى تحتسيه وتفرغه إلى آخر قطرة}، أما صوتها ففيه حزن يستعصي على الوصف وإن استراحت له الأذن. ويصف المطربة التي قيل إن شابين في سورية والعراق انتحرا حين ماتت، بأنها {كانت جذابة لكنها لم تكن جميلة}.

حياة أسمهان {لم تكن مفروشة بالورد} بحسب الشاعر شوقي بزيع، فهي {امرأة لا تزال تخيف} بحسب عباس بيضون، والأسمهانات المخنوقات بحسب الشاعر أنسي الحاج يملأن القصور والأكواخ والمدارس والجامعات في العالم العربي، وإن لم يتمتّعن بموهبة أسمهان الصوتيّة فبحسنها وأكثر، وإن لم يتمتّعن بهذه ولا بذاك فبحقّهن في السيادة على أنفسهنّ من دون قمع ولا مصادرة ولا ختان، سواء كان عضوياً أو نفسيّاً أو اجتماعيّاً. إذا لا بد من امتحان للكائن فهو قد يُقْبَل، مبدئيّاً، شرط أن يحصل بعد انسراح الكائن في ممارسته لحرّيته من دون وصاية.

صباح هي من سلالة أسمهان، أو هما من سلالة اللواتي لجأن إلى مصر بحثاً عن الفن والشهرة، فإذا كانت السيدة أم كلثوم هي بلا منازع مطربة مصر الأولى على مدار القرن العشرين، فإن مصر عرفت، وفي زمن أم كلثوم بالذات، مطربات كثيرات وإن كنّ أقل حضوراً منها، إلا أنهن حققن مكانة رفيعة لدى الجمهور وفي تاريخ الغناء العربي في آن. من هؤلاء ليلى مراد وأسمهان ونور الهدى وصباح. الغريب أنّهن جميعاً غير مصريات، فليلى يهودية مغربية الأصل، وأسمهان من جبل الدروز في سورية، أما نور (إسمها الحقيقي ألكسندرا بدران) وصباح فلبنانيينن.

وقد تكون ليلى، من بين المطربات الثلاث، الوحيدة التي تمصّرت تمصّراً تاماً، أما أسمهان فظّلت تحمل الجنسية السورية طوال حياتها ولم تحصل يوماً على الجنسية المصرية. تشير الباحثة شريفة زهور إلى أن أسمهان عانت من مشكلة الهوية، لم تعرف إلى من تنتمي، إلى سورية وجبل الدروز أو إلى مصر حيث نشأت وترعرعت. تزوجت مرتين كي لا تطرد من مصر وكانت، حسب الإشاعات، منافسة الملكة نازلي على قلب أحمد حسنين باشا رجل البلاط المتنفذ، فسعت الأخيرة إلى إبعادها.

حاولت صباح كثيراً البقاء في مصر، لكن الزمن الناصري ساهم في إبعاد اللبنانيين والمصريين معاً وجعل الفن في خدمته، فما إن مضت سنوات قليلة على اندلاع ثورة 23 يوليو، حتى عادت نور الهدى وصباح إلى بيروت. مع أن ليلى تشبّثت، كأي مصري، بأرض الكنانة، بصرف النظر عن النظام السياسي فيها، إلا أنها سرعان ما أعلنت اعتزالها الفن عام 1955 على رغم أنّها كانت عند اعتزالها مطربة كبيرة وممثلة ممتازة شاركت في عشرات الأفلام الناجحة، وعلى رغم، أيضاً، عروض كثيرة انهالت عليها بعد اعتزالها، ولا شك في أن من مدلولات هذا الاعتزال شعورها بأن {زمن الفن الجميل} قد ولى، وأنّ {الأيام الحلوة} أصبحت أثراً بعد عين.

طي الصفحة المصرية

من بين المطربات الأربع اللواتي تحدثنا عنهن، ليلى مراد وأسمهان ونور الهدى وصباح، رسخت ليلى في الذاكرة المصرية أكثر مما رسخت المتبقيات، فأسمهان تثير الشجن والحسرة بمأساة حياتها وموتها، لكنها في هذه الذاكرة، شامية في مصر. أما نور الهدى فلا نعتقد أنّ إسمها ورد في أيّ صحيفة فنية مصرية منذ 40 عاماً إلى اليوم. وإذا كان في شخصية صباح وفي سيرتها الفنية، ما يتمرّد على البلى والنسيان، في الذاكرة العربية عموماً، فإن صفحتها المصرية قد طويت تماماً إلى غير رجعة، واستقرّ في الذهن المصري أنّها لبنانية أولاً وأخيراً، حتى عندما كانت تمثل في الأفلام المصرية أو تغني باللهجة المصرية كانت تنطقها بلكنة لبنانية.

في المقابل، تمصّرت ليلى مراد بما فيه الكفاية وفقدت مع الوقت جذورها المغربية واليهودية. لم تندمج في الغناء المصري وفي السينما المصرية وحدهما، بل أيضاً في الحياة الاجتماعية المصرية كبقية المصريين. أما صباح فعلى رغم أنّها تجذرت في مصر المجتمع والبيئة والفن والغناء والسينما أكثر مما تجذرت نور الهدى، إلا أنها ظلت لبنانية في أعماقها.

الغريب أن نجم المطربات الأربع لمع في وقت واحد تقريباً وانطفأ في الآن نفسه في مصر تحديداً. ليلى مراد المولودة في 17 فبراير (شباط) عام 1918 اعتزلت الغناء عام 1955، وهي في السابعة والثلاثين، فلم يتجاوز عمرها الفني العشرين عاماً. الأمر نفسه بالنسبة إلى عمر نور الهدى وصباح الفني في مصر، إذ عاشتا فيها خلال الأربعينات وحتى منتصف الخمسينات من القرن الماضي، في فترة الغناء والسينما الذهبية التي سبقت {ثورة} يوليو عام 1952، واللافت أنّ هذه الثورة مهدت لأفول نجمهن، أو أنّ أفول نجمهن في مصر كان بسببها، فزمن الفن الجميل في هذا البلد ومعه الحياة الحلوة الرغدة، بدأ ينسحب رويداً رويداً مع ثورة يوليو ليحلّ مكانه زمن آخر ارتفع فيه {صوت المعركة} على {صوت المغني}...

يقول حازم صاغية في كتابه {الهوى دون أهله}:} ليس اتّفاقاً ولا صدفةً أن تتحول أم كلثوم في عهد عبد الناصر إلى مغنية بلا منافس وأن تصير في آن مغنية {الشعب} كلّه. فقد أنشأ النظام الناصري توحيداً في الأذواق والرغبات نكب المدينة الكوسموبوليتية التي رهصت بها قاهرة العشرينات والثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي فضلاً عن {الثقافة} و{اللغة} وسواهما من مرافق الحياة العامة}.

غادرت نور الهدى القاهرة بسبب المضايقات، وقتلت أسمهان بطريقة غامضة، فيما أجبرت صباح على الرحيل من مصر، أيضاً، لأسباب مختلفة، صرحت في مقابلة مع مجلة {الموعد}: {منحني الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الجنسية المصرية ولم يسحبها مني كما تردد، بل أنا من تخليت عنها، لأنني كلما أردت زيارة لبنان للغناء، كان عليّ الانتظار طويلاً للحصول على إذن السفر، وفي إحدى المرّات بعدما حصلت عليه، وكنت في الطائرة متوجهة إلى لبنان لإحياء مهرجانات بعلبك، تم إنزالي من الطائرة وإخباري بأن عليّ التوجه أولا لإحياء حفلة في الجزائر}.

صباح الأقلّ حظاً

صباح نقيض فيروز أو أم كلثوم في كل شيء وتشبه أسمهان قليلاً. تبدو الأقل حظاً في اهتمام المثقفين والكتاب والروائيين والشعراء، وربما الأكثر حظاً في وسائل الإعلام المرئية من خلال برامج المنوعات الغنائية، كأنها كانت جعبة أخبار يوظّفها معدّو البرامج مراراً وتكراراً، فأصبحت قرينة الترفيه و{الجرأة} على مبدأ {الذي في بطنها على رأس لسانها}. هي مطربة ضد الأسرار بامتياز، لكنها لم تمارس غواية على المثقفين والكتًاب والشعراء. لم نسمع محمود درويش يكتب عنها ولم تؤلف جوقة للحديث عن رمزيتها.

صباح لم يرسمها عادل السيوي أو حلمي التوني أو بول غيراغوسيان أو شانت أفديسيان... ولم ترتبط أغنياتها بأوقات الصباح ولا بأسفار الليل كما بالنسبة إلى فيروز وأم كلثوم، ربما هي {مطربة الموجة} أو {الأغنية الصاعدة} (أو الضاربة).

كتب كثيرة صدرت عن فن المطربات العربيات وأصواتهن وروايتهن وأزواجهن، بل كثيرات منهن أصبحن مادة دسمة لمسلسلات تلفزيونية درامية، خصوصاً أسمهان وأم كلثوم وليلى مراد، وبتن أشبه بأساطير أو أيقونات فنية، أما صباح فتأخرت كثيراً على أن تصبح مسلسلاً مع أنها صورت فيلماً عن فصل من حياتها مع حسين فهمي يحكي خيانة زوجها الراحل وسيم طبارة لها.

ليست صباح أيقونة على نحو ما يحاول البعض إضفاء هذه الصفة على أم كلثوم، وليست وجها طقوسياً على نحو ما يصف بعض الشعراء اللبنانيين فيروز، إنها فنانة قبل كل شيء، ومهنية في موهبتها، فهي، وإن كانت كبيرة، لا تمارس التكابر، ولم تصب بالغرور ولم تمارس العجرفة. بقيت في إطار البساطة والعفوية الزائدة التي تصل إلى حدود الاستهتار. تقول في احدى مقابلاتها: {أمضيت عمري سجينة بشكل ملوّن وإطار لمّاع وأناقة مفرطة}. ربما تقصد بالسجن زيجاتها المتعددة، وهي كثيرة ولها تأويلاتها وأقنعتها وتداعياتها.

قد تكون صباح إحدى أكثر الفنانات العربيات المعروفات زواجاً وطلاقاً أو هي {الدون جوان الأنثى}، تزوجت من هو بجيل حفيدها، ومن هو بجيل والدها، تزوجت لأعوام، وتزوجت لساعات وأيام، ويحمل كل زواج قصة جديدة ومسلسلاً جديداً، وينتهى في المكان نفسه. على أنّ حياتها تبعث فينا إحساساً تراجيدياً، إحساساً بالولادة من الشقاء والعبور إلى الشقاء، إحساساً يصل أحياناً إلى درجة السذاجة القصوى والبساطة القصوى. لقد تجاوزت صباح فنّها أو أغنياتها، وبات الحديث عن أخبارها وزيجاتها وجراحات التجميل في حياتها أكثر حضوراً من التطرق إلى صوتها وأفلامها ومسرحياتها وفساتينها المتعددة وطربها وأصلها وفصلها.

يسأل محمد التابعي: {هل عرفت أسمهان الحبّ؟ الحب الحقيقي، القوي الجارف، العاطفة العلوية التي تعيش بين الأمل والألم وتسمو بالنفس إلى حدّ التضحية لأجل من تحب؟ قالت لي مرة السيدة أمها (عالية المنذر)، أثناء مشهد عاصف جمع بيننا نحن الثلاثة، قالت وهي تشير إلى أسمهان بإصبع تهتز غضباً: لا تخدع نفسك في أمرها إنها لا تحبك لأنها عمرها ما أحبت رجلاً ولن تحب عمرها، صدِّقني فأنا أعرف الناس بإميلي!!} وبقدر ما كانت مسرفة في متاع الدنيا ومالها، كانت شحيحة ضنينة بعواطفها لا تعطي منها إلا النزر اليسير أو أقل القليل}. أما صباح فقالت لمجلة {الشبكة}: {الزواج يبدأ بالحب، وينتهي بشيء لا تفسير له!}، وما لبثت أن قالت للمجلة نفسها في 11 مارس (آذار) 2002: {الطلاق جعلني أشعر كأنني غادرت القفص إلى الحرية!}

والأرجح أن صباح لا تريد العودة الى ذاكرة القفص الزوجي.