ما بين قراءة تاريخ أوروبا الغابر وقراءة واقع الشرق الأوسط الحالي، تتجلى حالة من «الديجافو» الغريبة من حيث استنساخ الأحداث وردود الأفعال وحتى الآلام والمعاناة. غريبون نحن المخلوقات البشرية، لا نتعلم من تجارب أسلافنا السابقة أبداً، ولا نتحاشى اللهب وإن شهدناه يحرق غيرنا حتى يلسعنا شخصياً، وها هي النيران ترتفع في منطقتنا ومنذ زمن، ونأبى نحن إلا أن ننفخ فيها بسذاجة أحياناً وبلؤم أحايين أخرى.

Ad

إن حاجة دولنا لقوانين مدنية تعزز قيم المواطنة وتطفئ حرائق الطائفية وتقضي على مشكلة الأقليات الدينية ومشاعر الاضطهاد التي تصاحب هذه الأقليات لهي حاجة بقاء وحفظ نوع، هي الحاجة التي تتوقف على تلبيتها استمراريتنا البشرية وحفظ نوعنا «العربي»، وها هي الحادثة الأخيرة للكنيسة الأرثوذكسية في مصر تقدم عرضاً واقعياً لإشكالية الصراع الديني السياسي الفتاك الذي لايزال يتجاذب أطراف حياتنا وأمننا وكراماتنا، فقد تقدم مواطن مصري قبطي للمحكمة الإدارية العليا في مصر بطلب السماح له بالزواج مرة ثانية على إثر طلاقه، وقد ألزمت المحكمة الكنيسة بإصدار تصريح بالزواج الثاني لهذا المواطن مما أثار حفيظة البابا شنودة، بابا الإسكندرية، وأشعل ثورة بين أقباط مصر على إثر ما اعتبروه تدخلاً للدولة في عقيدتهم الدينية.

تتجلى في هذه الحادثة عدة أبعاد تأزيمية، فمن جهة، مازالت المؤسسات الدينية في منطقتنا تجد نفسها أعلى سلطة من الدول المدنية التي تحتويها مما يستوجب، في عرف هذه المؤسسات، أن يعلو صوت تشريعها على صوت الدولة التشريعي، وهذا لعمري فكر يهدم أساس البنية المدنية ويشتت الناس خلف ولاءاتهم الدينية على حساب انتمائهم الجغرافي الاجتماعي، حيث إن التأسيس لفكرة أن ولاء الإنسان التشريعي هو للمؤسسة الدينية يجعل منه «مزدوجا» خطيرا، يعيش على أرض ويتبع أحكام أفراد قد تأتي من خارج هذه الأرض، مما يجعل من الأفراد قنابل موقوتة جاهزة للانفجار حال تعارض حكم الدولة مع حكم الجهة الدينية، وهو تحديداً ما حدث مع أتباع الكنيسة القبطية من مواطنين مصريين.

إلا أن الموضوع له بعد آخر تلام عليه الدولة غير المكتملة المدنية، فأقباط مصر يشعرون بولاء الدولة لدين أوحد، وبتفرقتها في المعاملة بين مواطنيها على أساس التوجه الديني، لذا، ينبع اعتراضهم، كما يبدو، من أن الحكم الذي صدر من المحكمة يبدو في روحه إسلامياً أكثر منه مدنياً.

المحكمة أكدت أن الحكم بني على أن «الحق في تكوين الأسرة حق دستوري، يعلو فوق كل الاعتبارات» كما ورد على الجزيرة نت، إلا أن أقباط مصر الذين يعانون صورا متعددة من الاضطهاد بسبب التمييز الديني لا يرون سوى دولة «إسلامية» تفرض عليهم حكماً يتعارض مع عقيدتهم.

على من تقع الملامة إذن في هذه المعادلة؟ مشكلتنا ليست مع طرف ما، لكنها مع فكر مؤسس على التفرقة الدينية وسياسة مبنية على الانحيازات العقائدية وثقافة مجتمع معجونة بالتعنصر ورفض «الآخر» أياً كان، وأخيراً مع خطاب ديني حالي يؤسس لمبدأ «أنا على صواب لا يحتمل أي خطأ»، و»إما هذا المركب» وإما لتغرق في دمائك.

سنبقى نتعرض لهذه الهزات المزلزلة وتبقى مجتمعاتنا عرضة للثورات ما دمنا نخلق أقليات بيننا خصوصاً تلك المؤسسة دينياً، فتلك تحديداً تزوبع في قلبها الثورات التي تقسم المجتمع على بعضه وتفرق المواطنين بفئوية بغيضة صانعة منهم مواطنين درجة أولى وآخرين درجة ثانية، وغيرهم على الدرجات الثالثة والرابعة، وعندها يلجأ المواطنون للخارج، فتسقط المواطنة، وتنهزم مؤسسة الدولة، ويتفرق أفرادها بين توجهات سياسية دينية عوضاً عن تجمعهم حول توجه مدني واحد يحترم مختلف توجهاتهم الدينية ويحفظ حقوقهم ويحميها، بالتأسيس الديني لسياساتنا... نحن جميعاً ألغام قاتلة، فاحذروا أن تدوسوا على «طرف» لغم.