لا يقدم فيلم {ولاد العم} للمخرج شريف عرفة عرضاً معمقاً لجوانب من صراعنا العربي ضد الصهيونية، وفي الوقت نفسه لا يقدم معالجة سطحية لهذه القضية، بل يتأرجح بين هذا وذاك.على رغم أنه فيلم بسيط، إلا أنه غير ساذج أو فج، يدخل في إطار نوعيات السينما السائدة، ويستفيد بل يرتكز على إحدى هذه النوعيات وهي الحركة (الأكشن)، ويمكن إدراجه ضمن ما يعرف بالسينما التقليدية (سينما أفلام الجاسوسية)، أكثر من إدراجه ضمن السينما السياسية.
وكما كنا نطلق، في إحدى مراحل السينما لدينا، على بعض الأفلام تسمية {فيلم وطني} لمنحه المشاهد شحنة وطنية عاطفية وتحفيزه لاتخاذ موقف صحيح في قضية عامة وكفاحية معينة، ربما نطلق على {ولاد العم} التسمية نفسها ونطبق عليه التعريف نفسه أو التوصيف، وهو من هذه الناحية مطلوب، وليس ثمة مشكلة سوى في افتقاد السينما المصرية والعربية إلى اتجاه آخر من الأفلام يبلغ مرحلة تقديم دراسة أو بحث معمق لقضية وطنية أو قومية... عبر فن السينما.إحدى مميزات {ولاد العم}، الذي كتبه عمرو سمير عاطف (تجربته الأولى) أنه يضع المشاهد في قلب موضوعه منذ اللحظات الأولى. تفاجأ الزوجة سلوى (منى زكي) بزوجها عزت (شريف منير)، الذي اصطحبها وطفليها، في رحلة إلى البحر في بورسعيد صبيحة يوم شم النسيم، عندما يخبرها بحقيقة صادمة مذهلة هي أنه رجل مخابرات إسرائيلي يدعى {دانيال} وليس {عزت}، وهو يهودي من أصل مصري عراقي، وتكتشف أنه خطفها والطفلين إلى تل أبيب، فتصعق وتعيش في كابوس طويل. يشير الفيلم بسخرية إلى اكتشاف كمّ من شبكات التجسس الإسرائيلية في مصر، على رغم التوقف الطويل عن أي حروب بين مصر وإسرائيل والحديث الدائم عن السلام.على الجانب الآخر، تكتشف المخابرات المصرية هروب الرجل وأسرته فترسل أحد أكفأ ضباطها {مصطفى} (كريم عبد العزيز) في مهمة وطنية وإنسانية صعبة للغاية لاستعادة الزوجة المصرية وطفليها، وهذا ما ينجح في تحقيقه في النهاية التي أثلجت صدور المشاهدين، ولم يتورع البعض عن التصفيق. هذا الانفعال الصادق والتجاوب الواضح مع الفيلم، يحسب له خصوصاً في لحظة تزيد فيها محاولات التشويش والتضليل، بشأن قضية الوطن السليب ومسألة العلاقة بالعدو المغتصب وما يعرف {بتطبيع} العلاقات، والمحاولات المستمرة منذ كامب ديفيد 1978 لـ {تخطي الحاجز النفسي}، فنحن إزاء عدو لا يكفّ عن ممارسةوحشيّته ودمويته وعنصريته طول الوقت.يمرّ الفيلم بتفاصيل وملابسات كثيرة منذ بدايته المتفجرة والكابوسية وحتى نهايته بنجاح المهمة المخابرتية المصرية، بذلك يدور في معظمه في تل أبيب، ونجح عرفة في {الإيهام} بالانتقال إلى الحياة الإسرائيلية، خصوصاً في ما يتعلق بثالوث الفيلم الأساسي، وغيره من أدوار محدودة المساحة لكن ثرية مثل شخصيتي انتصار وإيمان وغيرهما.يرجع جزء أساسي من نجاح الفيلم إلى مدى الاتقان والدقة اللذين اتسم بهما أداء ممثلي الشخصيات الثلاث الرئيسة، إلى جانب الممثلين الثانويين، فضلاً عن تصوير أيمن أبو المكارم الممتع، الذي رفع الفيلم مع مخرجه إلى مستوى حرفي وأفق جمالي ناضج، أما موسيقى عمر خيرت فبقدر تعبيرها برهافة درامية عن مجريات الفيلم وروحه، ارتقت إلى عمل فني بديع وقادر على الإمتاع لأصالته ورقيه الواضح.
توابل
ولاد العم... فيلم مطلوب
13-12-2009