لم يطلب أنور وجدي من ليلى رفض الفيلم، لكنه كان يتحداها بأن أحمد سالم لن يستطيع الإتيان بالمال، وتظاهرت هي باللامبالاة، لأنها كانت على يقين بأن الأخير سيكسب المعركة، لأنه يتمتع بما يؤهله للانتصار.

عندما قرع أحدهم جرس الباب في تمام الثانية عشرة أيقنت ليلى أن القادم أحمد سالم، ودخل الأخير فعلاً إلى غرفة المكتب يحمل عقداً ويصحب شريكاً وسكرتيراً، وبعد ثوان أخرج من جيبه ثمانية آلاف جنيه قدمها إلى ليلى، ثم أعطاها العقد لتوقع عليه.

Ad

أمسكت ليلى بالقلم ووقعت. فجأة هاج وجدي، وتطايرت قطع الأثاث مع خصلات شعره على طريقة الأفلام، لكن سالم لم يشأ أن يدخل معه في معركة، إذ كانت ليلى وقعت العقد وهذا هو المهم.

وضع سالم العقد في جيبه بهدوء، وغادر البيت، ثم دخلت ليلى غرفتها وأغلقت الباب، فكف وجدي عن الصياح ثم ساد الهدوء... وعندما فتحت ليلى باب غرفتها كان البيت خالياً!

كان وجدي شخصية متناقضة، وكانت ليلى من دون شك تعلم الأسباب الخفية وراء تلك الثورة التي اجتاحته: غيرة من الشاب الأنيق المغامر الذي دخل المبارزة معه وانتصر، وكان يبدو شديد الثقة بنفسه وبفنه وبأنه سيخرج فيلماً ممتازاً وناجحاً.

بعد ساعات أمسكت ليلى بسماعة الهاتف وطلبت والدة وجدي، فأجابتها بصوت منزعج أشد الانزعاج، لأن ابنها في حالة هياج حقيقية، وثائر ثورة عارمة ولا بد من أن تعتذر عن فيلم أحمد سالم. لكن ليلى كانت تريد أن تنال حريتها في العمل أياً كانت العقبات، فأحد الأسباب التي دفعتها إلى الزواج من وجدي أنه فنان وسيقدر حياتها كفنانة، لكن ها هو يغيب عن بيته يوماً ويومين وثلاثة وأسبوعاً كاملاً، وبدأ الأصدقاء يتحدثون في الموضوع وبدأت الآراء تتناثر يميناً ويساراً، وكانت ليلى تقول: «أنا مضيت العقد. أعمل إيه ده شغل وفلوس ناس؟!». أما سالم فكان يقول إذا فاتحه أحد في الموضوع: «لا يمكن أن أتنازل عن حقي!».

بدأت المسألة تزداد تعقيداً: وجدي مصمم على عدم العودة إلى البيت إلا إذا فسخت ليلى العقد، ولم تجد الأخيرة أمامها سوى أن تذهب إليه بنفسها في بيت والدته، لكنها ما إن دخلت البيت، وجلست مع أمه حتى فوجئت بوجدي يرفض مقابلتها.

غضب فني

كان وجدي في البيت، يجلس في إحدى الغرف رافضاً الخروج الى الصالون حيث كانت ليلى. أدّت الأم دور الرسول بينهما، على طريقة فردوس محمد في فيلم «حبيب الروح»، كانت تسمع من ليلى فتذهب إلى وجدي، وتسمع الأخير وتعود إلى ليلى... المهم أن ليلى في ذلك اليوم، وللمرة الأولى في حياتها مع وجدي، سمعت كلمة: «الطلاق»: {مفيش كلام تاني... إما تعتذر عن التمثيل في فيلم «الماضي المجهول» مع أحمد سالم وإما الطلاق}.

نفذ وجدي تهديده وألقى يمين الطلاق للمرة الأولى على ليلى، التي غادرت بيت حماتها وهي ترتجف، ذهبت إلى شقيقها الأكبر مراد، فسمع كل شيء منها ورفع سماعة الهاتف وطلب أحمد سالم، ثم شرح له الموقف كله، فكان رده أن حدد موعداً لليلى كي تلتقي محمد فوزي، الذي كان مطرباً مشهوراً وملحناً ناجحاً آنذاك، لا سيما بعد ظهوره مع يوسف وهبي في «سيف الجلاد».

وقع سالم العقد وبدأ حملة إعلانات ودعاية مخيفة في الصحف والمجلات، بل إن لإعلام وجد في شخصية هذا المغامر صاحب الصولات والجولات مادة خصبة، واستطاع سالم بذكاء شديد أن يدخل إحدى دور الصحف في أحداث الفيلم، وردت له الدار هذه الدعاية بدعاية مماثلة، وهكذا وجد وجدي نفسه أمام خصم عنيد، وفارس لا يتراجع أبداً، ومع تدخل الأصدقاء وموقف ليلى المستسلم رد وجدي ليلى إلى عصمته، وعاد إلى البيت مع مجموعة من أصدقائه للاحتفال بعودة الحياة إلى مجاريها بين الزوجين الشابين.

كان محمد فوزي والمطرب محمد البكار من بين الأصدقاء الذين جاؤوا بوجدي إلى البيت وكان فوزي مرتبطاً مع سالم بعقود لتلحين بعض أغنيات الفيلم، وكان طبيعياً للغاية أن يلتقي وجدي بسالم أثناء مناقشته السيناريو مع ليلى أو أثناء بروفات الأغنيات... هنا بدا التناقض واضحاً في شخصية أنور، ذلك أن كل غضبه زال وذاب وأصبح مجرد ذكرى أو حديث، ووصل الأمر إلى حد أن وجدي كان يناقش أحمد سالم في السيناريو، بل ويقترح عليه بعض المواقف.

وعرض فيلم «الماضي المجهول» ونجح بشدة، وفكر وجدي في إنتاج فيلم يؤدي بطولته أمام ليلى وأحمد سالم!

ليلى والأستاذ «حمام»

بدأت ليلى تفكر، فقد كانت شخصية أنور طاغية عنيفة عاصفة، وكانت هي آنذاك مشغولة بعدد هائل من الأفلام. وشعرت بسعادة خفية عندما غضب زوجها وثار وغادر البيت، لأنها استشعرت في غضبه غيرة عاطفية، لكن عندما عرض على أحمد سالم أن يشاركها فيلماً جديداً، توقفت لتفكر: هل كان وجدي يغار من العقود التي تنهال عليها كفنانة؟ أم يغار عليها هي كحبيبة وزوجة؟

آنذاك بدأت عروض الأفلام تنهال على ليلى، فقدمت عام 1947 مع وجدي فيلم «الهوى والشباب» ثم «شادية الوادي» مع يوسف وهبي، و{قلبي دليلي» مع أنور وجدي، وهو أنجح أفلامها في تلك السنة وغنت فيه مجموعة من أشهر أغنياتها، ثم قدمت «خاتم سليمان» مع يحيى شاهين الذي كان أصبح من ألمع نجوم الشاشة.

في عام 1948 عادت لتقدم مع وجدي الفيلم الاستعراضي «عنبر». وشاءت الأقدار أن تلتقي بعملاق الكوميديا نجيب الريحاني في المصعد في عمارة الإيموبيليا، وبعد تبادل التحية، لم تتوقع ليلى أن يفاجئها الريحاني بقوله:

- انت يابنت مش عايزاني أمثل معاكي؟

- يا سلام يا أستاذ... ده أمنية هو أنا أطول... متتصورش سعادتي أد إيه بالكلام ده.

- بس يا بت بطلي بكش. ولا انت تزعلي لما أقولك يا بت.

- أبداً يا أستاذ حضرتك زي بابا.

- لا أنا مش عجوز كده زي زكي.

- يا ليلى نفسي أمثل معاكي فيلم قبل ما أموت.

فاتحت ليلى وجدي في موضوع الريحاني، ولم يصدق نفسه، وفوراً جهّز كل شيء، وبادر بالاتصال بشريك الريحاني وتوأمه بديع خيري، وكُتب سيناريو فيلم «غزل البنات» الذي جسدت فيه ليلى دور ليلى، كالعادة، فيما أدّى الريحاني دور «الأستاذ حمام».

أراد وجدي أن يكون «غزل البنات» فيلم المرحلة، فحرص على أن يجمع فيه رموز ذلك العصر كافة: نجيب الريحاني، محمد عبد الوهاب، يوسف بك وهبي، ليلى مراد، سليمان بك نجيب، عبد الوارث عسر، محمود المليجي، استيفان روستي، وفريد شوقي.

وجاء موعد التصوير، وكان من المفترض أن يشارك الريحاني ليلى أغنية «عيني بترف»، فعارض البعض الفكرة، خصوصاً وجدي لأنه رأى أن صوت الريحاني لا يتناسب مع صوت ليلى، لكن عبد الوهاب أصر على ذلك، لا سيما أن الأغنية تعبيرية أكثر منها طربيّة، وغنى الريحاني ولاقت الأغنية نجاحاً منقطع النظير، ورحل الريحاني في العام نفسه قبل أن ينتهي من تصوير الفيلم ويشاهد نفسه يغني للمرة الأولى في السينما!

الانتقام من الأستاذ

بعد هذه الأحداث والشد والجذب وقفت ليلى تسأل نفسها: هل كانت العاطفة بينهما مرتبطة بالفن، ذلك الارتباط الذي يجعل الحديث عنها وسط ركام الأحداث صعباً؟

كان وجدي فناناً حتى في الحب. كانت عواطفه تلتهب وتبرد تبعاً لسير حياته الفنية، فكان يغضب بسرعة، ثم فجأة يتحول إلى النقيض، وعلى رغم أن ليلى كانت تشعر أنه يغار لمجرد أن تذكر أمامه اسم محمد عبد الوهاب، كانت تفاجأ به أحياناً يذكر اسمه ويفتح سيرته، إلى درجة أنه جاء يوماً وطلب منها الذهاب معه إلى بيت الصحافي محمد التابعي، الذي وجه إليه هو وعبد الوهاب الدعوة على العشاء، احتفالاً بنجاح «غزل البنات»، فاندهشت ليلى، لكنها لم تبد اندهاشها، وقررت أن ترد المجاملة لوجدي، لكن على طريقتها.

بعد العشاء راح الجميع يغني، وغنت ليلى مع زكريا أحمد أغنية من ألحانه، فأبدع الاثنان، وفجأة طلب الحضور من أنور أن يغني: عايزين أنور... عايزين أنور.

غنى وجدي فترددت النكات حول صوته الذي لا يصلح للغناء، وغنت تحية كاريوكا، فصفق لها الجميع، ثم جاء دور ليلى، وطلبوا منها أن تغني منفردة:

- ما كفاية اتشرفت وغنيت مع الأستاذ زكريا أحمد.

- بس إحنا عاوزين نسمعك.

- ويا ريت تكون حاجة للأستاذ عبد الوهاب.

ووجدتها ليلى فرصة للرد على مداعبات عبد الوهاب، خصوصاً أنه كان يحاول أن يثير غيرتها على وجدي بتلميحات حول علاقاته الغرامية، وأرادت ليلى أن تكسب ود وجدي، فغنّت: «عبد الوهاب... عبد الوهاب... لابس قبقاب... عبد الوهاب ولدي يا ولدي. وكانت الأغنية على لحن شعبي شهير يقول: «سلم عليّ... لما قابلني وسلم عليّ... ولدي يا ولدي».

سجّل محمد التابعي هذه الجلسة بما فيها من غناء وأهداها للإذاعة المصرية.

الطلاق الثاني

رضج وجدي للأمر الواقع تماماً، وسمح لليلى أن توقع عقوداً أخرى، وأن تمثل أمام يوسف بك وهبي ومحمد فوزي وحسين صدقي وغيرهم، وفي عام 1950 كان فيلمها «شاطئ الغرام» مع حسين صدقي ومحسن سرحان واستيفان روستي وتحية كاريوكا، وفي هذا الفيلم صوّروا مناظر خلابة في مصيف مرسى مطروح، وفيه لمع اسم أحمد صدقي كملحن ممتاز في أغنية «يا مسافر وناسي هواك».

في العام التالي عادت ليلى إلى وجدي فقدمت معه «حبيب الروح» وقدّم ألحان الفيلم الموسيقار رياض السنباطي بعد خلاف نشب بين موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب ووجدي بسبب شركة الإنتاج الخاصة بهما. وفي الموسم نفسه قامت ببطولة «آدم وحوا» مع حسين صدقي و{ورد الغرام» مع محمد فوزي.

استمرت حالة الشد والجذب بين ليلى ووجدي، إذ كان يسمح لها أن تمثل مع غيره لكن من إنتاجه، وإذا حدث وشاركت في فيلم لم ينتجه بنفسه تنتابه حالة من الغضب وتستمر إلى أن تنتهي ليلى من تصوير الفيلم، وفيما كان وجدي يثور ثورته كانت هي هادئة، وربما كان هذا الهدوء سبباً في أن يطلقها وجدي للمرة الأولى لأجل «الكمون»!

نعم «الكمون». عندما استيقظت ليلى ذات يوم واستعدت لمغادرة البيت لتصوير بعض المشاهد في أحد أفلامها، وجدت البيت وكأنه مقبل على معركة حربية. كان صوت وجدي يتصاعد من المطبخ صارخاً لاعناً، وكان صوت الأطباق والأواني يُسمع بين الحين والآخر، ووجدت ليلى محمد البكار في صالون البيت فسألته عن سر ثورة وجدي، فأخبرها أنه يعد طبق دمشقية. وعادت لتسأل عن سبب هذه الثورة، فجاءها رد وجدي:

- البيت مفيهوش كمون يا ست هانم.

- طب وإيه يعني يا أنور نبعت نشتري!

- إيه يعني؟ ببساطة كده وبرود. إيه يعني؟

- أيوه مفيهاش حاجة. إيه يعني مفيش كمون؟

- بتكرريها. طب... روحي وانتي طالق يا ليلى!

بهدوء شديد خرجت ليلى من بيت الزوجية إلى فندق سميراميس، لتعيش فيه وأصبحت في ذلك اليوم مطلقة للمرة الثانية، وكانت أصبحت ليلى مراد التي نعرفها الآن.

كان وجدي عصبياً وغيوراً، لكنه كان يحب ليلى، وتلك حقيقة يشهد بها كل الذين عرفوه وصادقوه، وكانت ليلى تحبه لكنها كانت تختلف عنه في أنها أصبحت قادرة على التحكم في عواطفها، وفي اليوم نفسه أرسل وجدي ورقة الطلاق، واستدعى إبراهيم ومنير مراد وظل يتحدث معهما طوال الليل عن ليلى.

مقلب وجدي

لم يكن سهلاً أبداً أن يفترقا، كانا يبدوان وكأن حياتهما، حتى الفنية، لا يمكن أن تستمر وهما منفصلان، وعادت ليلى إلى وجدي، ليعيشا في الجو نفسه وبالأسلوب نفسه، وكانت المطربة تزداد شهرة وصلابة، وكان وجدي يسترضيها بالسفر إلى الخارج سنوياً.

عام 1952 انتهى وجدي من تصوير فيلم من إنتاجه بعنوان «مسمار جحا» من بطولة كمال الشناوي وشهرزاد وإخراج إبراهيم عمارة، ولم تكن ليلى بطلته لأن الطلاق كان حدث بينهما أخيراً.

تزامن عرض «مسمار جحا» مع عرض الفنان فريد شوقي أول فيلم من إنتاجه بعنوان «الأسطى حسن» بمشاركة هدى سلطان وإخراج صلاح أبو سيف في سينما رويال، فما إن أدرك وجدي أن فيلم شوقي يجذب العدد الأكبر من المشاهدين حتى سارع إلى تقديم شكوى إلى جهاز الاستخبارات الذي كان يعرف في عهد الملك فاروق باسم «البوليس السياسي»، يتهم فيها شوقي بأنه يروّج في «الأسطى حسن» للشيوعية! فأوقف عرض الفيلم ولم يُفرج عنه إلا بعد قيام الثورة، وحينما علم شوقي بأن وجدي هو المتسبب في منع فيلمه من العرض عاتبه، فأجابه الأخير قائلاً:

- أُمّال تنـزل انت تاكل السوق وأنا أخسر؟

- علشان متخسرش توديني في داهية.

- ياعم لا داهية ولا حاجة. كل الحكاية إن فيلمك هيتأخر شوية على بال أنا ما أكون لمّيت فلوسي وجبت ثمن الفيلم.

وما إن اطمأن على إيرادات الفيلم حتى سافر في رحلة علاج، لكن هذه المرة من دون ليلى.