يختزل كتاب «السدرة»، الصادر حديثاً، مجموعة أحداث سياسية واقتصادية واجتماعية جرت خلال أكثر الفترات أهمية من تاريخ الكويت، عاكساً الظروف الصعبة التي واكبت نشوء دولة المؤسسات، ويتوزع على خمسة فصول هي: «بين أزهار النوير»، «بين الأسرّة البيضاء»، «قوميون واشتراكيون وفلسطينيون»، «الإعلام مسؤولية وحرية»، «وخدمة إلإنسانية... خدمة الكويت».يختصر المؤلف برجس حمود البرجس أربعة عقود في ميادين العمل، مضمناً تلك الذكريات بلمحات ذاتية عن ظروف ولادته ونشأته وتعليمه، في مقدمة الكتاب. يقول: {ما كان لهذه الذكريات أن ترى النور، لولا طلب عدد من الأصدقاء والزملاء، ولولا إلحاحهم المستمر على ضرورة أن أدون شيئاً منها، وأسرد خلال ذلك تجربة عمر امتدت ما يقارب الأربعين عاماً في ثلاثة مجالات، وزارة الصحة ووكالة كونا والهلال الأحمر الكويتي، إضافة إلى مجال الحياة العامة سياسياً وثقافياً في أكثر الفترات أهمية من حياة الكويت، وأعني فترة نشوء الكويت الحديثة بنظامها الديمقراطي الدستوري، وما تخللها من حلاوة ومرارة.
يضيف: {قد يبدو هذا الاستهلال إضفاء للأهمية على هذه الذكريات وصاحبها، لكنه في الحقيقة مجرد إشارة إلى أهمية ما مرّت به حياتنا الجماعية تحت هذه السدرة الوارفة التي سميتها الكويت، أما نصيبي من هذا، فهو هذه المذكرات المتواضعة جداً، التي بلغ إحساسي بتواضعها حد تسميتها ذكريات. هي ليست مذكرات إذاً، ولا أدعي أني أدوّن مذكرات هي من نصيب كبار القادة والشخصيات البطولية، ولأنني لست من هؤلاء، ولأنني مجرد مواطن في بلد شهد أطواراً من حياته وشارك فيها، ارتضيتُ تسجيل ما حفظته ذاكرتي من أحداث ومواقف، وتقديمها إلى القارئ الكريم».يتابع: «لا يسعني في الختام سوى تقديم شكري وتقديري لكل من حفزني من الأصدقاء والزملاء، وكل من أحسن الظن بقيمة هذه التجربة، وساهم في إعداد هذه الذكريات، لما بذلوه من جهد معي، وأخصّ بالذكر ابنتي العزيزة مها، التي حفظت كثيراً من الوثائق، واعتنت بجمع القصاصات والصحف، وقدمت لي مساعدة لا تقدر بثمن، سواء في مرافقتي خلال سردي لهذه الذكريات، أو في تذكيري بما طواه النسيان وتوالي الأيام».بين أزهار النويرفي فصل «بين أزهار النوير» يتساءل البرجس عن تغيرات تطرأ على الأجيال المتعاقبة ويقول: «لست فرداً من أول جيل ظهر على سطح هذه الأرض بالطبع، ولست فرداً من آخر جيل أيضاً، وإنما أنا موجة ارتفعت بين أمواج متلاطمة في هذا الوجود منذ كان، موجة تعلو غيرها أحياناً وتتقاصر دونها في أحيان أخرى. أنا من جيل انطبع بطوابع بريئة، يتذكر ما ترك بين ألعاب طفولته على الاقل، فهل تمتلك الاجيال اللاحقة ما تتركه في عجلتها للفوز بهذا المكسب وذاك المغنم؟».يسرد البرجس حكاية انخراطه في العمل في عام 1943 بعد أن تعذّرت عودة والده من الهند بسبب أزمة الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من فوضى عارمة في عمق البحر وسواحله، إذ اضطر البرجس الذي لم يكن عمره يتجاوز الثانية عشرة عاماً، إلى تحمل مسؤولية إعالة أسرته، لا سيما أن فترة غياب والده تزامنت مع عطلة المدارس الصيفية. ثم يستعيد مجموعة مواقف أسرية من ذاكرته، مركزاً على مشهد عودة والده من الهند الذي لم يستطع كبح جماح دموعه حينما عرف بقصة عمل ابنه الصغير: «قال والدي وهو يلتفت جانباً ثم يتطلع إلى السماء متنهداً: حسناً فعلت، لكن لا تكررها، أريدك أن تهتم بالدراسة».كذلك يسرد المؤلف تفاصيل أحد المشاهد قبل وفاة والده في عام 1985، يقول البرجس: {في هذا المشهد الثاني الذي يفصله عن المشهد الاول عند مرسى السفن اثنان وستون عاما، غلبتني دموعي انا هذه المرة، فقبّلت والدي وخرجت، ربما حتى لا تفيض عواطفي وتستثير المزيد من مخاوفه وهو في ايامه الاخيرة».ثم ينتقل البرجس للحديث عن نشأته في قرية الجهراء مكان ولادته في عام 1931، متناولاً المعطيات المتنوعة في المكان التي ساهمت في تشكيل سماته الشخصية بين التنقل بين الحضر والبادية.يختزل البرجس مشاهد كثيرة من ظروف التحاقه في المدارس، مسلطاً الضوء على شظف العيش الذي ارتبط بتعليمه الإبتدائي إبان مرحلة الحرب العالمية، ومسترجعاً ذكريات زيارته إلى السجن بمعية والده لمشاهدة أعضاء أول مجلس تشريعي منتخب آنذاك.كذلك يتطرق البرجس إلى مرحلة جديدة من حياته زاخرة بالعطاء والأمل، مبتدئاً بمحطة العمل في شركة نفط الكويت، ثم سارداً تفاصيل سفره إلى الخارج: بغداد والبصرة وبيروت...من خلال عمله في وزارة الصحة يسرد البرجس تفاصيل دقيقة عن انتقال الدولة من مرحلة إلى أخرى، مسلطاً الضوء على الوضع السياسي في تلك المرحلة، ثم شارحاً ظروف تقديم استقالته من منصبه في وزارة الصحة.قوميون واشتراكيون وفلسطينيونيؤكد البرجس في باب «قوميون واشتراكيون وفلسطينيون» أن الكويت لم تكن منفصلة عن الواقع العربي، إذ إن الحس القومي كان متقداً من داخلها ولم تكن مجرد أصداء تأتينا من الخارج، مسلطاً الضوء على علاقته بالقوميين العرب وبالفلسطينيين.في «الإعلام مسؤولية وحرية» يتناول البرجس صعوبات واجهته في مسألة الحفاظ على استقلالية وكالة الأنباء الكويتية من الناحية الوظيفية، إضافة إلى الإستقلالية في مضمار العمل بعيداً عن الروتين الحكومي. يوضح: «في كونا لم يكن عملنا مجرد تصيد للأخبار، بل كان استقصاء للعالم من حولنا وتعرفنا إلى ما يحيط بنا، ووجدت نفسي أتصادم مع رؤساء دول أحياناً بسبب اهتمامي بالأمور السياسية».خدمة الإنسانيةقدم البرجس في باب «خدمة الإنسانية.. خدمة الكويت» اختصاراً كبيراً لهذا الباب عبر العنوان، فلجمعية الهلال الأحمر الكويتية إضاءات مشرقة كثيرة في معظم مناطق العالم المتوترة التي تعرضت للكوارث والتدمير، ولا تنفك تحاول تقديم المساعدات الإنسانية للمنكوبين الذين يعانون من قسوة الظروف وظلم الإنسان.نبذةولد في قرية الجهراء عام 1931، ونشأ وترعرع وتعلم في منطقة القبلة في فريج البدر. حاصل دورة دراسية في إدارة المستشفيات في لندن في عام 1955. وعلى دبلوم وزمالة إدارة المستشفيات عام 1973، ودبلوم إعلام من الولايات المتحدة الأميركية. وفي العام نفسه عُين وكيلاً لوزارة الصحة.في عام 1976 أسّس وكالة الأنباء الكويتية «كونا» وتولى رئاسة مجلس إدارتها. كذلك ترأس اتحاد وكالات الأنباء العربية في عالم 1986. وتولى منصب رئيس مجلس إدارة جمعية الهلال الأحمر الكويتي في عام 1995، وما زال عضواً منذ التأسيس.انتسب البرجس إلى جمعيات نفع عام مجتمعية متنوعة، من بينها لجنة رعاية الأيتام في وزارة العمل والشؤون الإجتماعية، لجنة ضعاف العقول منذ التاسيس، لجنة الطوارئ، صندوق التوفير.
توابل
مؤلفه يرصد أحداثاً مهمة وتجربة شخصيّة برجس البرجس... يتفيّأ ظلال السدرة
24-12-2009