للمرة الأولى ربما منذ عقود، ينخرط السوريون في عملية انتخابية بتلك الحماسة والإقبال، رغم أنهم غير مدرجين على لوائح المصوتين أو المرشحين، ورغم أن نتائج تلك الانتخابات ليس لها انعكاسات مباشرة على أوضاعهم السياسية أو الاقتصادية.

Ad

بدأ الأمر منذ بداية الحملات الانتخابية في لبنان وما رافقها من تغطية إعلامية مكثفة. وأينما التفت، تجد من يتحدث عن المرشح الفلاني أو منافسه، وعن المناظرة الفلانية على فضائية معينة أو عن التفاصيل المثيرة التي تزخر بها الصحف والمواقع الالكترونية حول تلك الحملات والمساجلات.

ويكفي لمعرفة لأي فريق يشجع، أن تسأل الشخص عن الفضائية اللبنانية التي يتابعها هذه الأيام، فالمتابعة الكثيفة لمجريات الانتخابات اللبنانية في سورية، اقتضت اختيار الفضائيات المناسبة لأنصار هذا الفريق أو ذاك، كل يغذي آماله وفقا للدعاية الانتخابية لمن يؤيد.

وليس نادرا أن تسمع من يبدي «قرفه» من تدني مستوى الحوار والخطاب السياسي اللبناني، ومن «وحل الطائفية» التي تغرق لبنان وسياسييه وانتخاباته ومن الديمقراطية اللبنانية «المزيفة» أو «الملطخة» بالمال والتدخلات الأجنبية! لكن في آخر النهار، يكون مصلوبا كما في الأمس أمام شاشة التلفزيون لمتابعة حوار جديد ومناظرة جديدة بين المرشحين والسياسيين إياهم الذين أغدق عليهم في النهار أسوأ النعوت. وتسأل، إذن لماذا تتابع؟ يجيب: لا أستطيع التوقف. وهو وإن فسر الماء بالماء، فقد يكون محقا بعدم اكتشاف حقيقة اهتمامه بانتخابات تجري خارج حدود بلده. فإن كان كثيرون يؤيدون المشروع السياسي لأحد الفريقين المتنافسين في لبنان، ويرى في النتيجة دعما أو خذلانا لمشروعه الوطني الذي يؤيده، فإن آخرين كانوا أقل انحيازا لأحد الفريقين رغم إدمانهم على متابعة مجريات الانتخابات.

وإن رأى البعض في ذلك حالة تعويض عن فقد مديد لممارسات محلية مشابهة، فإن آخرين عبروا عن رفضهم لهذه الفكرة، مشيرين إلى أنه حتى الانتخابات الرئاسية الأميركية التي شغلت العالم طيلة أشهر لم تحظ بمثل هذا الاهتمام المحلي. لذلك قد تكون عوامل الجوار الجغرافي هي التي نقلت تلك العدوى عبر الحدود، أو ربما الفضول لمعرفة كيف يختلف شعبان «أخوان» في الخصال والممارسات السياسية إلى هذا الحد!

وجاءت نتيجة الانتخابات لتترك لدى المتابعين أثرا لا نشاهده عادة إلا بعد المباراة النهائية لكأس العالم في كرة القدم! فالفريق الأول الداعم «للمعارضة» اللبنانية، بدا مصعوقا من النتائج مصابا بالكمد والذهول.

وحين نقول المعارضة اللبنانية كما ينظر إليها من قبل أولئك، نعني بها «حزب الله» دون بقية حلفائه. أن تهزم «المقاومة» التي تقارع إسرائيل رأسا برأس، والتي خاضت الحروب تلو الأخرى وخرجت «منتصرة» دائما، أن تهزم في انتخابات وطنية وأن يفوز الفريق «المدعوم أميركيا»، كان شيئا خارقا للممكن كما عبر كثيرون ممن أتيح لنا التحدث معهم في اليوم التالي للانتخابات. ونظرا لأنه لم تصدر أي اتهامات بالتزوير، كان من العسير تبرير هذه الخسارة بسهولة من قبل هؤلاء.

قال البعض إن الفريق الرابح جلب أعدادا غفيرة من المغتربين إلى الانتخابات ولولا ذلك لما حصلوا على تلك النتيجة، وآخرون وجدوا في الدعم «الإمبريالي» لفريق السلطة سببا في ذلك الفوز.

أما بالنسبة للفريق الآخر، فقد أدهشته النتيجة بالمثل، حيث كان شبه متيقن من خسارته! وبمجرد ظهور النتائج الأولية التي أعلنت فوز فريق «الموالاة» انتشرت رسائل التهنئة من بعض السوريين عبر مواقع التعارف والدردشة، وهذه اقتصرت على المغتربين أو المنفيين، وعبر البريد الإلكتروني، جنبا إلى جنب مع رسائل «التعزية» ما بين أنصار الفريق المهزوم.

بينما في الشارع، كان من المستحيل سماع تهليل بالنتائج من قبل من جاءت موافقة لرغباته، فإن صمت الشخص الذي تتحدث إليه تعلم أنه سعيد بالنتائج، لكن هذا موقف قد يكلف صاحبه الكثير ومن الأفضل الاحتفاظ به لنفسه، وإن تدفق بالشكوى والمرارة تعلم أن فريقه هو الخاسر في الانتخابات.

والآن وقد انقضت زوبعة الانتخابات، على السوريين الانتظار أربع سنوات جديدة لممارسة حقهم في الاستمتاع بخوض سباق انتخابي ديمقراطي... عبر الأثير! ولهذا امتيازاته، فليس عليهم حمل عبء ما سيلي النتائج ولا انعكاسات لذلك على أداء حكومتهم التي تسير بمعزل عن أي مؤثرات داخلية أو خارجية ومهما تغير أعضاء مجلس الشعب والمحافظات والبلديات والمجالس المحلية في بلدهم.

* كاتبة سورية

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء