القصائد القصيرة التي شكّل منها الشاعر محمد عبد الحميد توفيق ديوانه الأخيرالمعنون بـ «سيرة أخشاب تتهيأ للملكوت»، اعتمدت في مجملها وبشكل أساسي على الاختزال التعبيري واللقطة السينمائية والمعنى المركز الذي يبلغ ذروته في الشطر الأخير أو ما يُعرف ببيت القصيد أو ضربة الختام. مع استثناءات معدودة لقصائد متوسطة الطول.الشعر عند توفيق، ومنذ ديوانه الأول «هندسة الأوجاع» الصادر قبل تسع سنوات تقريباً، سعي دائم إلى الالتحام بنسغ الحياة الأم، وترويض الشرايين باللغة، وتهدئة ما لا يهدأ من غليان الطبيعة وفورانات الواقع المأساوي. إنه شعر بلبلة وتفجر ومواءمة وتباريح، على حد السكين، بين جنوح الذات إلى فطرتها ورغبتها المفرطة في مقاومة الفوضى ووضعها في سياق هندسي وجمالي.
وفي هذه المجموعة الأخيرة الصادرة حديثاً عن «دار التلاقي» في القاهرة، تذهب شعرية توفيق إلى مكان مختلف ومفارق، في «سيرة الأخشاب»، إذ تحاول أن تقدّم «قراءة»، إذا جاز التعبير، لأنواع مختلفة من الشجر وأخشابها، وهي لا تذهب طبعاً إلى قراءتها بشكل يمت بصلة إلى علم النبات، بل يتحوّل نوع الشجرة، إلى حجة لقراءة الذات في تفاصيلها الدقيقة، فتنساب منها الذكريات والحنين والتأمل... كأن الشجرة هنا تعيدنا إلى ذلك الحيّز التوراتي، بمعنى إذا كنّا في «سفر التكوين» نقرأ عن شجرتين هما «شجرة الحياة» و{شجرة المعرفة» (بين الخير والشر)، فإننا نقرأ هنا، عبر «سِيَر» الأشجار، سيرة الكائن في تفاصيله المتعددة.إنها تجربة مفارقة، لأن الشعر العربي أو بالأحرى الثقافة العربية، لم تفسح مجالاً، على حد علمنا، لكتابة تدخل من باب القول هذا، وإن كنا عرفناها في ثقافات أخرى، لعل أبرز مثال على ذلك قراءة الشعر الصيني القديم، حين ألصق بهاتين الشجرتين التوراتيتين بعض «الجذور الكلامية»، ليفرق ما بين الخالق والمرأة وإبليس. من هنا، تبدو هذه التجربة الجديدة عند توفيق، كأنها محاولة لتفصيل الحياة، عبر الشجر:طيبة جداًتحملت شقاوتي صغيراًوضحكت لمرحي حول جذعهاوأطعمتني ثماراً لذيذة وسط الحصصوجادت بروحها لتدفئنيفي وحشة الشتاءوابتهجت حينما أسندتكراستي على وجههالأخط حروفي الأولىطيبة جداًناحت عليكثيراوهي تحملني إلى قبريوتأتي كتابة توفيق مخففة من المخزون الثقافي بالمعنى المباشر. القارئ لا تتعبه القراءة، ولا تفسير القصيدة. بدلاً من ذلك، سيكون مشغولاً بالاندهاش حيال أسلوبية التأليف الشعري، الذي لا شك يعكس باعاً طويلاً للشاعر في الكتابة والقراءة. لكن أكثر من ذلك هو أيضاً مرآة لمفهوم شعري متطور، فالحياة التي تعكسها القصيدة في ديوان «سيرة أخشاب تتهيأ للملكوت» هي حياة تخص، نوعاً ما، الشاعر، وتتألف تحت سماء جغرافيا عايشها وتساكن فيها مع أمه وأخوانه وأخواته قبل أن تطوّح به الغربة بعيداً عنهم. حياة تتطور ويكون لها أبعادها الفلسفية، حيث تتشكل المستويات الجمالية عند الشاعر من خلال إعادة كتابة تلك الحياة، بتأطيرها شعراً؛ بمنح ميراثها الوجودي وهجاً يتصادى الفرح فيه مع لوعة الفقد وشراسة الأحزان:أرجعني محمود إلى ضعفي الأولأختك ماتت يا ابن أبيفهجت روحيتبحث عن بدء الخلقصرختُ:ياا أنصافهل معك العشبة؟!أين تركت الأخشابكيف احتمل الموت رهافة قلبكوأوقف قلبا يرتجف على من حضرويحن على من غاب ... تصل ذروة الأسى عند توفيق حين يسالم أمه / السنطة، ويواسيها في الفقد الذي نال من كليهما حين غاب الأحباب:السلام عليك يا أماهالآن أيقنت أنك سنطةفأغصانك لم تنحنرغم ثمانين عاماً من العذاباتوحمل الأحباب إلى قبورهمومعاركة قبيلة تعادي اللهوتقتل الأنبياءقد تكون تجربة توفيق التعبير الأمثل عن تفاعل اللغة مع محيطها الجغرافي، وعن اجتراحها الخاص لما يقيم التوازن بين الأرضي والمجازي وبين الواقعي والمتخيل. اللغة هنا هي أرض ثانية وطبيعة أخرى في ذلك الأرخبيل الشرس من الضراوة وتمزقات الروح في الغربة ومفارقة الخلان:إذا باعدت المسافات بيني وبينكمفرتلوا قصيدتي على باب بيتييعود إلى سيرته الأولىتفاحة عامرة بالزقزقةوغنوا مع صرير أناشيديالتي أكلتها الصحراءلا مجال في هذه الحال إلى الانسحاب أو التأتأة، أو التراخي حين يكون كل شيء مدفوعاً الى أقصاه، بدءاً من تضاريس البعد عن الوطن الموغلة في وحشيتها وانخسافها، وانتهاءً بالجسد الإنساني المدفوع الى ذروة ترنحه واحتدامه... وفي وضع كهذا تكف الطبيعة مع توفيق عن أن تكون موضوعاً للتغني أو الوصف والإنشاء وتصبح ظهيراً للجسد الأعزل في مـعركته مع الغربة وما قد يلازمها من عسف وجور، ومسنّاً بالغ النتــوء لشــحذ الــقصيدة بــما يلزمها من عــناصر المجابهة والمضاء والتجييش العاطفي قصد الصمود والمشي بالحياة ومعها إلى النهايات المثلى: أنا سيد الشجريين ولا فخرأنا أول نافخ في سيقان الكافور والغاب والموز والورد البلدي واللارنج والمانجو والصفصاف والعنب والعناب والبرتقال والليمون والفيكس والأثل والسدر والسنطوالجوافة والخوخ والتين والزيتون والدوم والرمانوالكمثرى والنعناع والشاي والينسون والكمونوالريحان والكراوية والباذنجان والجميز والتوتوالسيسبان وكل ذوات الأفنانفتنشق جذوع الأشجار عن ملائكةوربانيينوشعراءوغارسين للمحبةوصادقين برتبة أنبياءوعشاقومعذبين في الأرضومحترقين صفواونازفين براءتهم في بلاد الكفيلومعمدين في مياه النيلوالمصلين صلاة الحزن لوقتهاوبكائين إذا رأوا قمراً حزيناًوخادمين للأغصانوسماويين نالوا صك المحبة من خازن الغابات...الإنسان، إذاً، هو منظومة حواس لدى توفيق. لا الحواس بمعناها الفيزيولوجي فحسب بل بمعنى التصادي مع الموجودات كلها والإصغاء الى نبض العناصر. إنه الصوت والحنجرة والصدى في آن. إنه الزهرة والأريج والأنف في آن آخر. وهو أيضاً الضوء والعين واللون. وكل حاسة عند توفيق هي عين مفتوحة على ما تؤلفه الالتفاتة الى الخلف من ذكريات أو على ما يؤلفه الهواء المجرد من كريات الفرح العابر أو الحزن المقيم. وإذا كانت هذه العجالة لا تتسع بأية حال للإحاطة بتجربة الشاعر أو الاحتفاء المناسب بديوانه الأخير فإنها تتوسل تحية هذا الشاعر المفعم بالصدق والثراء والتسامح والحيوية المدهشة، وهو القائل:روحي شجرة طالعةآتت أكلهاوتسامحتحتى مع الذين قذفوها بالحجارة
توابل
محمد توفيق في أخشاب تتهيّأ للملكوت... محاولة لتفصيل الحياة عبر الشجر
10-08-2009