غريب اسكندر شاعر عراقي مجتهد، أصدر قبل مدة كتاباً بعنوان «محفة الوهم»، عمله الثاني في رصيده الشعري بعد مجموعته الشعرية الأولى «سواد باسق» التي حققت له حضوراً طيباً ضمن المشهد الشعري العربي والشبابي. معه الحوار التالي.

أوردت في بداية ديوانك «محفة الوهم» مقطعين للشاعر بيسوا، إلى أي مدى تأثرت بهذا الشاعر الكبير، وكيف تقرأ الاهتمام العربي به في السنوات الأخيرة؟

Ad

أظن ان للشاعر البرتغالي بيسوا أهمية كبيرة بالنسبة إلى الشعر العالمي قاطبة، فهو يشكل مع عدد من الشعراء الآخرين (الفرنسي أبولينير والروسي مايكوفسكي) حركة شعرية عالمية تسمى الحركة المستقبلية، هذا على صعيد دور هذا الشاعر في تاريخ الشعر وتطوره عموماً. أما ما يهمني فهو غير ذلك على أهميته، فبيسوا شاعر تستفزك لغته ومواضيعه الشعرية. وكانت طريقة حياته مثل شعره عبارة عن قصائد متقطعة. إضافة إلى أنه أكثر من شخص وبالتالي أكثر من نص، فهو كامبوس وكاييرو ورييس وبيسوا بالطبع. نحن نعرف أن الشاعر يبتكر قارئه عندما يكتب، بيسوا ذهب إلى أبعد من ذلك: ابتكر شعراءه. هل ينبغي على الشاعر ابتكار آخره عندما يكتب؟ هؤلاء الشعراء المختلفون أنتجوا نصوصاً مختلفة لا تنتمي إلى بيسوا الشاعر وإن خرجت من كائن ظاهرياً يبدو واحداً لكنه ليس كذلك. بهذا يعلمنا بيسوا كيف نعبر عن التعدد الموجود فينا على الصعيدين الشعري والشخصي، إذ يستفزنا وجوديا وليس شعرياً فحسب. إنه يدعونا بمعنى ما الى كتابة الطيات الأخرى غير المرئية في الذات الشعرية.

أما في ما يخص الشطر الثاني من سؤالك، بالطبع دائماً ما يكون الاهتمام العربي متأخراً، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالترجمة والدراسات الأدبية والثقافية المتعلقة بدراسة الشعر العالمي دراسة علمية مقارنة. فما تُرجم لبيسوا إلى العربية جاء غالباً نتيجة أعمال فردية قام بها شعراء يعرفون لغة أخرى كترجمة الشاعر المغربي المهدي أخريف لبيسوا التي تصدرتها دراسة الشاعر المكسيكي أوكتافيو باز المهمة عن الشاعر نفسه (أو الشعراء) والشخص (أو الشخصيات). وهذه الدراسة التي اطلعت على ترجمتها الإنكليزية في كتاب بيسوا A Centenary حيث تصدرته أيضاً هي بمثابة مفتاح مهم لقراءة بيسوا وقد أفاد منها أخريف في ترجمته الجميلة لبيسوا كما يذكر في مقدمته للكتاب، هكذا تعضد الدراسة الترجمة وتنميها. فمسؤولية الترجمة ينبغي أن تكون مسؤولية مؤسسات كبرى، لا مسؤولية أفراد على أهمية ما قاموا به، كي تستطيع مواكبة ما ينتج يومياً من الكتب المهمة في لغات الإنتاج الثقافي والعلمي والحضاري الكبرى. والغريب أنه ليس ثمة ما ينقص العالم العربي للقيام بهذه المسؤولية، حيث الإمكانات المادية وكثرة المترجمين، لكن ما ينقص العالم العربي الإحساس بأهمية الثقافة والانفتاح والاستفادة من العالم.

تقول في ديوانك «من أجل هذه الأمنية التي تسمّى الموت / كتبنا كثيرًا»، هل تواجه الموت بالكتابة أم تهرب من التفكير عبرها، أم أن الكتابة موت آخر؟

صعب عليّ جداً مواجهة هذا السؤال، سؤال الموت حتى لو كان بقصد الإجابة عنه. أنا الذي سكنتني آهاته منذ وقت مبكر عبر غياب تراجيدي متكرر ومؤلم لأحبة غادروا مبكراً جداً، هكذا وجدتني عشته يومياً، عشت تفاصيله، مواجهته أنا الأعزل إلا منه. ها أنا أتذكر قلق الليالي البعيدة الآن، فماذا أجد؟

المكتبة الصغيرة التي تحوي بعض الكتب الدينية والصورة المعلقة على جدار الانتظار والبيجاما العتيقة...

فهل الكتابة عن الموت بالنسبة إليّ هي مواجهة ذلك الموت الذي يقيم فيّ؟ أعني تاريخه الحافل في حياتي: ربما. وربما أيضاً أن مواجهته هي عزاؤه، ربما وربما لكن ثمة جوانب أخرى نجهلها تتحدث عن خلود الشاعر: أي شاعر وأي خلود؟!

ماذا عن دور المرأة في الكتابة بالنسبة اليك؟

أظن أن للمرأة في شعري دورين: دور حقيقي واقعي يتمثل بإمرأة من لحم ودم، ودور بالمعنى الجمالي المطلق. دونت الدورين شعرياً. ولو أنك تجد أن الدور الأول أكثر حضوراً في كتابي الشعري الثاني «محفة الوهم»، هكذا كتبت عن المرأة التي رافقتني إلى الحديقة الكبيرة وعن تلك التي خرجت مدماة القلب وعن تلك التي غنت ذات مرة: عن الأحلام التي تولد لتموت.

فالمرأة هي من صنع ذلك كله؛ فالحلم حلمها والوهم وهمها والجمال جمالها الذي نستعيده دائماً وأبداً. أما المرأة الأخرى فاقترابي منها اقتراب جمالي خالص. هكذا ظلت المرأة على مدى التاريخ تمثل رمزاً للجمال المطلق، جمال لا زمني نستعيده شعرياً وعاطفياً ليس في نصوصنا فحسب وإنما في حيواتنا الذابلة. إنها بمعنى آخر ظلت دوماً معادلاً موضوعياً وشعرياً نحتمي به في مواجهة قبح هذا العالم.

تقول: «امرؤ القيس، أمّ أورفيوس / أبو نواس، أمّ رامبو / المعريّ، أمّ تي أس إليوت / آبائي في الشعر / آبائي في الحياة»، كيف شخصت هذه الأبوة في الشعر، لماذا هؤلاء بالذات؟

إنهم يمثلون عينات لنقلات شعرية كبرى تختلف أساليبها وأزمنتها طبعاً، حتى أنها تتقاطع أحياناً. لكنني أرى أن رمزيتهم الشعرية طغت حتى على نصوصهم العظيمة. وعظمة هذه التجارب نبعت في أن قصائدهم لم تكن مجرد نصوص لغوية كتبت بطرق مختلفة بقدر ما تمثل من طرق مختلفة في النظرة إلى الحياة والعالم والوجود، على رغم فنيتها العالية وهذا الأمر أساسي في الكتابة الشعرية طبعاً. فأنت تعرف مثلاً أن أبا نواس صاحب حركة تجديدية في الشعر العربي، لا سيما على صعيد المضامين. فنقده لعمود الشعر واستهزاؤه معروف، فضلاً عن أنه شاعر كبير وكان موقفه الشعري منسجماً تماماً مع موقفه الحياتي. فهو بهذا المعنى مثل بيسوا على رغم اختلاف الأزمنة والثقافات، أي أنهما من سلالة واحدة تنظر إلى الحياة بعين شعرية واحدة وتفسر الوجود تفسيراً شعرياً واحداّ، إذ أن نظرة هذه السلالة بمثابة وحدة وجود شعري. فإذا كان جائزاً لنا تفسير الوجود تفسيراً لغوياً عبر فعل الأمر السماوي «كن»، فلماذا لا نذهب إلى نقطة توتر هذه اللغة حيث يولد الإبداع، أليس الخلق والشعر إبداعاً؟! ثم تجد أن أي واحد من هؤلاء الشعراء كتب حياته بصدق قل نظيره! فكان شعره كونياً وإنسانياً. أعيد دائماً بعض أبيات الجزء الثالث The Fire Sermonمن قصيدة إليوت الشهيرة The Waste Land فأشعر أنها عن العراق أو أي بلد آخر يعيش المأساة نفسها:

‘I can connect

Nothing with nothing.

The broken fingernails of dirty hands.

My people humble people who expect Nothing

استشهادي بهذا المقطع بلغته الأصلية سببه ألا أحد من مترجمي إليوت استطاع نقل جماليته وشجنه العالي إلى العربية. فأبوة الشعراء الكبار الشعرية والرمزية لي ليست بحثاً عن جدار للاتكاء بقدر ما هي محاولة مني لفهم الشعر عبر تجاربه الكبيرة، ولفهم وتموضع (إذا كان هذا ضرورياً) تجربتي بالنسبة إلى تجارب أحبها وأحترمها. ولاحظ التقابل بين التجربة الغنائية كما هي لدى أبي نواس مع تجربة المعري وإليوت المعرفية الفلسفية.

الترجمة والمنفى

ثمة من كتب عن ترجمتك كلمة «محفّة» عن اللغة الإنكليزية، هل اطلعت على مضمون ما كتب، وما رأيك وردّك؟

نعم، جاء ذلك ضمن مقالة مهمة كتبها الناقد عدنان حسين أحمد عن كتابي «محفة الوهم» ونُشرت في جريدة «القدس العربي». يبقى الأمر في النهاية اجتهاداً. أنت تعرف أن الترجمة عملية تأويل، لكن هذا التأويل مقيد إذ يستند إلى إطار يؤسسه النص الأصلي، وثمة مساحة واسعة من الحرية ضمن ذلك الإطار تحددها مستويات النص المترجم وقدرة المترجم بوصفه قارئاً / منتجاً له في لغة أخرى. ولم أر أن ما قامت به الشاعرتان والمترجمتان فتحية سعودي وسالي تومبسن يمثل بعداً عن الأصل بترجمتهما «محفة الوهم} الى A Chariot of Illusion، بل على العكس كان اختيارهما ذا دلالة شعرية وجمالية أيدتهما عليها خلال عملية الترجمة.

ماذا أضاف المنفى إلى لغتك الشعرية، خصوصاً أنك من العراق الزاخر بالأدباء والكتاب المنفيين؟

أنت تتكلم عن المنفى الخارجي. المنفى الواقعي ليس منفى الداخل الذي يعيشه أي مبدع. هذا المنفى الذي لم تسأل عنه سأجيبك حوله! إنه الغربة الحقيقية التي تشعر بها ليس اغتراب الطامح على رأي الجواهري حينما قال:

أنى ثوى ذو طماح فهو مغترب

في هالة الشمس أم في دارة القمر

المنفى إذاً ليل؛ ليل الروح حتى لو ترى الجسد مشعاً ومضيئاً. لكن المنفى بقدر ما يأخذ يعطي إذا أراد المبدع ذلك، وطبعاً ليس الأمر سهلاً. لكن ماذا بوسع المبدع فعله وليس ثمة في المنفى خيار آخر: فإما العزلة والانطواء ثم الموت أو عيش حياة جديدة بطاقتها كافة من ثقافة جديدة ومنظومة حضارية مختلفة وبحث عن آليات جديدة تفهم أو على الأقل تتفهم الشروط الجديدة لهذا المختلف كي تتواصل مع الحياة وتكتب أشياء جديدة مختلفة. المنفى في الحالة الثانية يصبح نزهة ثقافية وحياتية جميلة ومهمة تغني المبدع وتبنيه، لكن عليه أن يمر أولاً بشرط الألم روحياً وجسدياً كي يعبر إلى المرحلة الثانية؛ مرحلة البناء الجمالي والثقافي الكبير. أنا الآن بين المنزلتين فللأسف ما زلت أتعذب!

العراق والثقافة

ماذا تقول عن العراق بعد سقوط صدام، ماذا تقول عن مقهى «حسن عجمي» الذي يعتبر أيقونة الأدباء في العراق سواء في الداخل أم في الخارج؟

مرت أجيال أدبية وثقافية عدة ومختلفة على مقهى «حسن عجمي» تصور منذ الجواهري والسياب، ثم أجيال الخمسينات والستينات والسبعينات وإلى جيلي الثمانينات والتسعينات. بالنسبة إليّ، أنتمي إلى المرحلة الأخيرة إذ بدأت أنشر نصوصي في نهاية الثمانينات، لكنني أزعم أن تجربتي تختلف عما كان يكتبه معظم شعراء ذلك الجيل. وللأسف فإن الجيل الجديد الذي ظهر بعد التغيير لا يعرف مقهى «حسن عجمي» المتواضع العتيق الذي كان طافحاً بالحياة والشعر. فقد ذهب للأسف «حسن عجمي» إلى ذمة التاريخ ولم يلق الاهتمام المطلوب. علينا تسجيل هذه الذاكرة الجميلة والمرة من حياتنا الشعرية والثقافية (أشيد هنا بمقالات الشاعر حميد قاسم عن المقهى التي تصدر قريباً في كتاب يحمل الاسم نفسه كما أخبرني). يرتاد الأدباء الآن مقهى «الشابندر» الذي فُجر سابقاً وراح ضحية ذلك التفجير المشؤوم أناس أبرياء وأمكنة ثقافية وكتب مهمة.

أريد أن أقول شيئاً بصدد الثقافة العراقية التي هي جزء من الثقافة العربية في سلبيتها التي تعلوها المهاترات بدل النقد البناء والادعاءات الكاذبة بدل الصدق مع النفس. فهي بالتالي بنت المجتمع وبنت حياتها الخاوية إلا من بعض الإضاءات الفردية هنا وهناك. فقد تصور بعض مدعي الثقافة العربية أن بإمكانه تشكيل ثقافة فوقية لا تنتمي إلى المجتمع فسقط في الوهم، وللأسف وجدت هذا في العراق فإلى الآن يلوك بعض المثقفين مفاهيم وأسماء لا صلة لها البتة بأي مفصل من حياتهم المأساوية. إنه موضوع طويل وشائك ولا علاقة لما تحدثت عنه بتشكيل واقع يتسامى على الواقع المعاش. أؤمن بالثقافة التي تطور حياة الإنسان وتحسن معيشته؛ الثقافة المنسجمة مع واقعها لا المنفصلة والمنفصمة عنه، لا ثقافة الزيف والاستعراض البليد. فالهدف الأخير الإنسان لا اللغة.أعرف أن بعض أصدقائي من المثقفين والمبدعين العرب يعرف هذا الكلام ويدعو إليه، لكن للأسف يبقى صوته خافتاً وسط ضجيج المطبلين والغوغاء وسوق الشعارات والمهاترات والمزايدات والبشاعات. فقد زرت بغداد مرات عدة بعد التغيير وفي كل مرة أرى هذين الشيئين المختلفين: بعض المبدعين الحقيقيين من شعراء وكتاب وفنانين مشغولين بهمومهم الثقافية وهموم الوطن بالمعنى الإنساني للكلمة لا المعنى الشعاراتي الخشبي، وهذا هو الشيء الثاني الذي يحسن إجادته السياسيون. لكن لمن الغلبة في النهاية؟ للأسف يخبرنا التاريخ أن السوء «ينتصر» دائماً.

كيف تصف قصيدة النثر العراقية، خصوصاً لدى جيلك من الشعراء؟

أعتقد أن قصيدة النثر المكتوبة في التسعينات تختلف عن سابقاتها في أسلوبها ومواضيعها وتقنياتها. صحيح أنها استفادت من بعض التقنيات، لكنها شكّلت أيضاً تقنياتها الخاصة وطورت تقنيات سابقة. على سبيل المقارنة تخلت قصيدة النثر الثمانينية عن بيئتها الثقافية والحياتية العراقية وكانت، في غالبيتها، استنساخاً سلبياً لقصيدة النثر اللبنانية؛ قصيدة مغلقة، مفرغة من المعنى مع تقليد سلبي وأعمى لتجارب غريبة كل الغرابة عن تاريخ الشعرية العراقية، حتى أنها غريبة عن تجارب قصيدة النثر العراقية المكتوبة في الستينات. ولا يعني كلامي هذا أنني أدعو الى استنساخ تجربة قصيدة النثر العراقية (لدي ملاحظاتي عليها)، بل أدعو إلى كتابة شعرية تقوم على وعي جمالي وإنساني بواقعها، أي أنها تتطور منها وبها، لا تستورد قوالب جاهزة وتصب فيها لغة خشبية ميتة ومغلقة وخالية من الروحين الشعري والإنساني. بينما قصيدة النثر التسعينية كانت أكثر إخلاصا لهذين الشرطين (الجمالي والإنساني) من سابقتها: فهي، في نصوصها المهمة، قصيدة تنتمي الى الحياة بنفس رؤيوي والى الأرض بلمحة سماوية تتخطى فهم الشعر السطحي في محاولة منها للتحليق عالياً. كنت ومجموعة شعراء تختلف تجاربهم أسسنا لهذه الكتابة الشعرية الجديدة. أذكر منهم عبد الأمير جرص وصباح العزاوي وعلي سعدون وأحمد الشيخ علي وجمال جاسم أمين ونجاة عبد الله وكولالة نوري وخالد مطلك وحسين علي يونس ومحمد عزيز ومحمد غازي الأخرس وجمال الحلاق وعبد الخالق كيطان وفرج الحطاب وسلمان داود محمد وسليمان جوني وعباس اليوسفي ورعد زامل وحسن السلمان وآخرين. لا بد أيضاً من الإشارة إلى أن هذه التجارب رافقتها كتابات ونقاشات نقدية مهمة شهدها شارع المتنبي ومقهيا الجماهير وحسن عجمي وكليتا الآداب والفنون ومنافي العراقيين الواسعة والضيقة لجيل من النقاد والكتاب واكب هذه التجارب عن قرب أذكر من بينهم ناظم عودة وبشير حاجم وعبد المحسن صالح ومحمد الهجول وأسامة الشحماني وسعيد عبد الهادي ومحمد حسن وغيرهم.