«نحن لغتنا» شعار اتخذته جمعية «فعل أمر» عنواناً لمهرجان اللغة العربية الذي نظمته أخيراً بالتعاون مع «مؤسسة الفكر العربي» في شارع الحمراء في بيروت، وتضمن نشاطات وعروضاً فنية للأطفال والشباب محورها لغة الضاد. اللغة أحد مكونات هويّة المرء الأساسية، ومهرجان اللغة العربية في بيروت جاء بمثابة تذكير بأن اللغة العربية تستأهل من الناطقين بها بعض الاهتمام لتطويرها أو أقله، إن كان تطويرها من اختصاص أهل اللغة، لإتقانها بشكل سليم يعكس صحة عقلهم.
أوضحت الأمينة العامة المساعدة لـ{مؤسسة الفكر العربي» الدكتورة منيرة الناهض أن مهرجان اللغة العربية الذي أقيم في بيروت شكّل إحدى حلقات «مشروع الإسهام في تطوير تعلّم الّلغة العربية»، الذي أطلقته المؤسسة مطلع هذا العام. وأشارت لـ «الجريدة» إلى أن المهرجان هدف إلى «توعية الجمهور عموماً والشباب والأطفال خصوصاً حول أهمية الّلغة العربية كأداة تعبير وهوية، وإبراز مرونتها وجمالها من خلال استخدامها في طرق تعبير فنّية متنوّعة». كذلك أوضحت الناهض أن «المهرجان تضمّن أنشطة متعدّدة لتشجيع القراءة بالّلغة العربيّة لدى الأطفال والناشئة، مثل العروض الخاصة بكتب الأطفال الصادرة عن دور النشر المتخصصة، وتوزيع لائحة ببعض الكتب العربية الخاصة بهذه الفئات العمريّة. كذلك تضمّن عروضاً فنّية وإبداعية لـ 180 فناناً عربياً في مختلف مجالات الفنّ المعاصر تشكّل الّلغة العربية محورها الوحيد، بغية التأكيد على قدرة تكيّف الّلغة مع العصر من خلال تلك الفنون». ولفتت الناهض الى أن المهرجان لم يتطرّق الى اللغة العربية من جانب لغوي إنما هو حلقة من مشروع تربوي يركّز على استنباط الأدوات التي تساهم في تطوّر طرائق تعليم اللغة، موضحة أن مشروع كهذا لا يمكن تنفيذه في سنة واحدة، إنما هو مشروع بمضمون ثقافي ورؤية نهضوية ينفّذ على مراحل. تابعت الناهض: «قال البعض إن مهرجاناً كهذا ليس عملاً ثقافياً تعليمياً إنما هو مهرجان جماهيري لا يحاكي أهل الاختصاص، لكنّه نسي أن العلم والثقافة لا يعنيان الخروج من الحياة العامة، بل هما لصيقان بها». وأكدت أن عدم تطوّر طرائق تعليم اللغة العربية في المستقبل القريب سيشكل عقبة أساسية أمام تطوّر لغة الضاد، مشيرة الى أن «كثيرين من أبناء جيلنا ساهموا في إيصال اللغة العربية الى واقعها الراهن ودفعوا أطفالهم الى الاهتمام بتعلّم اللغات الأجنبية على حساب لغتهم الأم». وأضافت الناهض: «هدفنا أن نكوّن شخصاً عربياً متعلّماً مدى الحياة وتكون اللغة العربية جزءاً أساسياً من هويته، وذلك يتّم من خلال التشجيع على القراءة وتكثيف الإنتاج الأدبي والفكري لدى الشباب العرب». «فعل أمر»أشارت رئيسة «فعل أمر» سوزان تلحوق أن الجمعية انطلقت رسمياً تزامناً مع إعلان بيروت عاصمة عالمية للكتاب في أبريل (نيسان) 2009، وجاءت تجسيداً لرغبة ستة شباب لبنانيين في التحرّك باتجاه تظهير واقع اللغة العربية اليوم، وتبيان أسباب تخلّف لغة الضاد عن مواكبة التطورات التي يشهدها عصرنا، وتالياً محاولة إنعاش لغتنا من خلال جعلها لغة التواصل الأولى بين الشباب العربي في مجالات عدة. لفتت تلحوق لـ «الجريدة» الى أن الجمعية تهدف إلى استحداث أرضيّة ثقافية وخلفية اجتماعية تحفزّان الشباب العربي على الانطلاق نحو بناء مجتمع عربي فاعل ثقافياً، يكون للغة العربية فيه دور محوري في تحديد هويته. وأوضحت تلحوق أن الهدف الثاني هو «الحفاظ على ثقافتنا ولغتنا وأدبنا من خلال تبيان أهمية تراثنا وعمق تاريخنا ولغتنا، والعمل على نشر الثقافة العربية وجعلها في متناول الجميع». كذلك رأت تلحوق أن «الطريقة المثلى لمواجهة التحديات التي تعيق تطوّر اللغة العربية هي في إيجاد طرق تواصل مع الشباب العربي تحاكي تفاصيل حياتهم اليومية، وتحفزهم على استخدام لغتهم الأم»، موضحةً أن حملة «بحكيك من الشرق بترد من الغرب» التي كانت بمثابة أول تحرّك تطبيقي لـ «فعل أمر» لاقت استحساناً وقبولاً واسعين لدى شريحة واسعة من الشباب، كانت تبدّي لغات أجبية على لغتها الأم في حياتها اليومية، خصوصاً في تواصلها على شبكة الإنترنت. وسألت: «إن لم يتفق الشباب العربي على لغة مشتركة في ما بينه فعلى ماذا سيتفق؟». ولم تغفل تلحوق ضرورة معالجة المشكلات التي تعانيها اللغة العربية من زاوية أكاديمية، مشيرة الى أن ضآلة الانتاج الفكري والأدبي في العالم العربي راهناً تعيق تطوّر لغة الضاد وتجعل العرب يستخدمون مصطلحات أجنبية في كثير من الميادين العلمية والحياتية. وأوضحت أن ورشة العمل الأكاديمية التي نظّمتها «فعل أمر» مطلع يناير الماضي أظهرت الصعوبات التي يعانيها معلّم اللغة العربية في المدارس والجامعات كون معظم التلامذة لا يهتمّ لتعلّم لغته الأم بالقدر الذي يوليه لتعلّم اللغات الأجنبية. قالت تلحوق في معرض حديثها عن مهرجان اللغة العربية إن «هدفنا من خلال المهرجان كان السير خطوة تجاه القضاء على أزمة الثقة التي يحياها كثير من الشباب والناشئة تجاه اللغة الأم، خصوصاً أنهم يعتبرون مفاهيمها ومصطلحاتها غير صالحة إلا لمواضيع التاريخ والدين، وينفون علاقتها بكلّ ما يتعلق بمجالات الحياة العصرية، من علوم وفنون وآداب وإدارة وتكنولوجيا».أضافت تلحوق: {نحن نعوّل على وعي الشباب العربي وحماسته الى لغته لأننا معه نستطيع أن ننعش لغتنا ونطوّرها»، معتبرة أن «اللغة العربية هي اليوم في غرفة إنعاش لكنّها لم تمت، ونحن لسنا محبطين من واقع لغتنا إنما نعمل على تحسينه وإيجاد الحلول الناجعة لمشكلاته». ودعت تلحوق الشباب في البلدان العربية كافة الى التواصل مع «فعل أمر» وتعميم تجربتها في بلدانهم لإنعاش الذاكرة العربية والحفاظ على التراث العربي. لا تقتل! لام اللغوي اللبناني الدكتور جوزف الياس على «فعل أمر» و{مؤسسة الفكر العربي» عدم سؤالها عن أهل اللغة في لبنان في سياق التحضير لـ «عراضة اللغة العربية»، مشيراً إلى أن القيمين والقيمات على المهرجان اهتموا بدعوة سياسيين وشخصيات اجتماعية للمشاركة في المؤتمر الصحفي الذي عقد للإعلان عن برنامج المهرجان، ولم يتكلفوا عناء الاتصال بلغويين لبنانيين. علّق الياس على الإسم الذي اتخذته الجمعية لنفسها، معتبراً أنه لا يجوز أن تحمل اسم «فعل أمر». وسأل: {من ذا الذي ينبري للدفاع عن اللغة العربية بفعل أمر؟ من يأمر ومن يؤمر؟ من يأمر من؟ أنتم يا أيهّا القيمون والقيّمات على الجمعية تأمرون القراء، اللبنانيين، من تأمرون؟». كذلك علّق الياس على اللافتات التي وزعتها الجمعية في شوراع بيروت والتي كتب عليها «لا تقتل لغتك». وسأل: «من يقتل لغته؟»، ثم تابع: {البديل عن لا تقتل لغتك هو لا تهمل لغتك، أو لا تتخلَّ عن لغتك»، مضيفاً: {هذه العبارة تدّل على سذاجة الدعوة الى المهرجان وفقرها».رأى الياس أن المواطن في البلدان العربية يتخلّى عن العربية الفصحى لحساب اللهجات العامية واللغات الأجنبية، خصوصا الإنكليزية منها بسبب العولمة: «كلغوي لا يريحني أن تبدأ جمعية تعنى باللغة العربية ومشكلاتها نشاطها بفعل أمر، وتمهّد لمهرجان تقوم به بــ{لا تقتل». ما هكذا يدافع عن اللغة الأمّ». تساءل الياس عن الدور الذي تقوم به «مؤسسة الفكر العربي» لحماية لغة الضاد، لافتاً الى أنه طالما تردّد على مكتب المؤسسة في بيروت وطلب من القيمين عليه أن يبادروا الى الدعوة الى مؤتمر خاص باللغة العربية يشارك فيه لغويون لبنانيون، لكنّه لم يلق أية استجابة: «لذا أعجب لهذه الاستجابة لدعوة فعل أمر». أشار الياس إلى أنه أسس وعدد من اللغويين اللبنانيين منذ نحو ثلاث سنوات المجلس العالمي للغة العربية «لكنّ أحدا لم يمدّ يده الينا، لا مؤسسة خاصة أو عامة ولا حتى وزارة الثقافة»، مشيراً إلى انهيار عام على مستوى اللغة الفصحى، وإلى جهل غالبية الإعلاميين بأبسط قواعد اللغة العربية، لافتاً الى أنه في نشرات إخبارية عدة يأتي الفاعل منصوباً، واسم كان منصوباً: «نحن في العالم العربي لا نؤسس الطلاب على عربية فصحى، وما عادت لدينا ملكة لغوية وقدرة على التعبير بعربية فصيحة». وأضاف: {أباؤنا كانوا ينطقون بالعربية الفصحى بالسليقة، اليوم الأستاذ الجامعي يحاضر بالعامية!».
توابل
مهرجان اللغة العربيّة في بيروت... أين اللغويّون؟
27-06-2010