ورد في بعض الروايات أن قابيل ادعى أن سبب قتله لأخيه سبب ديني (قربان لم يقبله الله منه)، واليوم يقول أعداء الدين أن سبب الحروب والصراعات في الأرض (هو الدين)، وأن هذا هو السبب من أول يوم في الأرض أي من ساعة ظهور قابيل.وهذا كذب صراح, لأن القصة واضحة في أن سبب القتل ليس الدين.. فقابيل دفعه للقتل وحرضه عليه وزينه له الحسد والغيرة والأنانية، ولم يكن أبداً الدين.
لقد كان الحسد دافعاً لارتكاب أول ذنب عُصيَ الله به في السماء، وكان هو الدافع كذلك لارتكاب أول ذنب عصى الله به في الأرض, أما في السماء فحسد إبليس لآدم, الذي دفعه لعدم طاعة أمر الله ولم يسجد لآدم كما أمره ربه، وأمَّا في الأرض فكان حسد قابيل لهابيل مما دعاه لرفض حكم الله، واتهام أبيه بالظلم، ثم قتل أخيه!!وإذا أردنا أن نُعَرِّف الحسد فنقول: «إنه كراهية النعمة وحب زوالها من المنعم عليه»... وهو يختلف عن الغبطة: التي تعني أنك لا تحب زوال النعمة عن غيرك، ولا تكره وجودها ودوامها، ولكن تشتهي لنفسك مثلها.والحاسد قليل الإيمان بالله لأن أسوأ ما في الحسد أن الحاسد يكره قسمة الله لعباده، ويرى أنه ـ سبحانه ـ أنعم على من لا يستحق, ألا يستحق الحاسد بهذه الفكرة غضب الله وعقابه؟!!والحسد داء وبيل يهلك صاحبه أولاً، فهو يجعل الحاسد لا يهنأ بطعام ولا شراب، وكلما رأى نعمة على محسوده حزن هو، فأتعب نفسه وأغضب ربه... ويظل المحسود يتقلب في نعم الله، ولا يصيبه إلا ما أراده الله له...والحاسد ـ إذا أراد أن يتخلص من دائه هذا ـ فليس أمامه من سبيل إلا أن يقوي علاقته بخالقه، وأن يتضرع إليه ليشفيه من دائه، فالإيمان يزيل الحسد من القلوب، قال صلى الله عليه وسلم: «اثنان لا يجتمعان في عبد : الإيمان والحسد»....ومع أن هناك أنواعاً من أنواع الحسد قد تكون لها أسباب تبررها ـ وإن كان الحسد مرفوضاً جملة وتفصيلاً ـ كذلك الحسد الذي يستشعره الفقراء المطحونون تجاه الأغنياء الذين لا يواسونهم ولا يساعدونهم, فإن حسد قابيل لهابيل لم يكن له سبب إطلاقاً.. فما ذنب هابيل أن تقبل الله منه قربانه؟!!وما ذنبه أن كان هو الأقوى، ولكنه لم يشأ أن يقابل عدوان أخيه بمثله؟!!والجدير بالذكر أن ظلم الأقارب أشد مضاضة على النفس، كما قال الشاعر القديم: وظلـــم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهندلذلك, فإن العائلة حينما يكون فيها فقراء وأغنياء، وحينما يكون الأغنياء غافلين أو متجاهلين لأقاربهم الفقراء, فإن هذا يكون مدعاة لحسدهم ولعداوتهم.ونحب أن ذكر هنا بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تحث على صلة الأرحام ومنها: ● « أنا الرحمن وهي الرحم من وصلها وصلني ومن قطعها قطعني...».● «ليس الواصل بالمكافئ».● «إنَّ الرحمة لا تتنزل على قوم بهم قاطع رحم»... فما بالكم بقاتل ذوي الرحم!!● «تنادي الرحم يوم القيامة: يا رب ظلمت.. أوذيت.. قطعت، فيناديها الله: أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك»... إن قابيل كان قد عقد العزم على الشقاق على أبيه وعلى ربه, فهو قد خالف أمر الشرع، ولم يقبل حكم الله في أن يتزوج المولودة في بطن واحدمع هابيل, وصمم أن يتزوج أخته، توءمه، أي أنه خالف الدين، واتبع الشيطان ابتداءً وانتهاءً..زيادة على ذلك نقول: إن فكرة القربان كانت حلاً لكي يُرضي آدم قابيل, عساه يرتدع عن غيه، ويترك ما يأمره به شيطانه, لكنه فشل في أن يرضي الله..بخل وقدم الرديء، فرفض الله قربانه..فأي دخل للدين إذاً في هذا الأمر..إن الدين يحض على التقوى، والتقوى تمنع الإنسان حتى من بعض حقوقه، وتلزمه بمراعاة الله، وفعل الأولى في كل أموره، حتى لو تعارض ذلك مع مصالحه، وهذا ما فعله هابيل التقي, لم يدفع عن نفسه الاعتداء وفوض أمره لله...ولنورد هنا بعض النصوص التي تبين أهمية التقوى في حياة المسلم، أو حياة الإنسان، وكيف أنها تعصمه عن كل الدنايا والمعاصي...عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة، وقف الحق ـ تبارك وتعالى ـ منادياً ينادي: ألا إنى جعلت نسباً وجعلتم نسباً، فجعلت أكرمكم أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا فلان بن فلان خير من فلان بن فلان، فاليوم ارفع نسبي وأضع نسبكم، أين المتقون؟».والتقوى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لجميع أمته كما في حديث العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، ذرفت بها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله: كأنها موعظة مودع، فأوصنا... قال صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بتقوى الله».● إن التقوى تدخلك الجنة..{ تِلْكَ الجَنَّةُ الَتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِياًّْ} (مريم: 63).● والتقوى سبب لتيسير الأمور.. { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً} (الطلاق: 4).● والتقوى توسع رزقك: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ) (الطلاق : 2، 3).● والتقوى سبب نجاة, دنيا وآخرة...{ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِياًّ (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِياًّ} (مريم: 71 : 72).● والتقوى سبب لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ} (الأنفال: 29).● والتقوى سبب لزيادة الخيرات والأرزاق والبركات: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} (الأعراف: 96). أخيراً... أعظم التقوى... تقوى الله في علاقاتك مع ذوي الأرحام، وتقوى الله وأنت تباشر العلاقات الاجتماعية المختلفة..{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ...} (النساء: 1).وفي النهاية ذكر أن أحد الصحابة كان يبكي وهو يموت فيقولون له: «لم تبكي وقد فعلت الصالحات؟ فقال: «إنما يتقبل الله من المتقين».ونذكر أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، ألا إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمين ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)، ألا هل بلغت، قالوا: بلى يا رسول الله قال: فليبلغ الشاهد الغائب».● فلا علاقة إطلاقاً للدين بأية جريمة... لأن أية جريمة هي خروج على الدين أصلاً... لأن الدين جاء للتقوى... أي للابتعاد عن كل ما يؤدي إلى المنكرات، فضلاً عن الابتعاد عن المنكرات نفسها.
توابل - دين ودنيا
قصص القرآن قابيل وهابيل (2) لا علاقة للدين بجريمة قابيل ولا بأية جريمة
05-09-2008