حين عادت عالية المنذر إلى بيروت لم تكن تنام الليل، تسهر معظمه، تحرس بعينيها فراخها الصغار، وكان قلقها يزداد مع كل خبر يصل من جبل الدروز يقول إن القتلى الفرنسيين يسقطون بالعشرات، فتلك معلومات يمكن أن تكون مصدر سعادة في ظروف غير التي هي عليها، لكنها تعني أنها لن تفلت من أيدي الفرنسيين، وبات أمرًا حتميًا أن يُقبض عليها هي وصغارها، ومن يدري، فربما لن يمهلوهم فرصة القبض عليهم، فقد تصيبهم رصاصات الفرنسيين مباشرة، انتقامًا مما يحدث في جبل الدروز.
كان الخطر يلاحق عالية، خطر الفرنسيين، وخطر فهد الأطرش الذي يمكن أن يعاود الكرّة ويطلب أولاده إلى الجبل مرة أخرى، خصوصا بعد أن انفصل عن عالية، وتزوج بالثالثة، وإذا كانت عالية استطاعت أن تؤثر في سليم الأطرش وتنجو بصغارها وتمنع عودتهم الى والدهم في جبل الدروز، فقد ينجح أخر فيما فشل فيه سليم، فيعيد الصغار الى الجبل.في ذلك الوقت كانت تسيطر على رأس عالية طوال الوقت فكرة معينة، لكنها ما زالت تختمر، وتدرسها جيدا، ويوما بعد يوم تتضح لها المعالم والخطوط كلها. فكرت في أن تذهب إلى مصر، فهي الملجأ الآمن الآن، لقد قرأت عنها كثيرًا، وعرفت أنباء ثورة الشعب المصري مع سعد زغلول عام 1919، تلك الثورة التي فجرت في قلوب العرب حبًا لمصر، وعُرفت أنها دار مضيافة تفتح ذراعيها لكل عربي، بل ومنها يأتي الفنانون والمطربون، وفيها الخير العميم. لكن لم يبق على تنفيذ الفكرة إلا السبب الأخير، والموقف القاهر.الهروب الأخيرذات منتصف ليل، دقّ الباب فارتاعت عالية واحتضنت أطفالها وهي تسأل: من أنت وماذا تريد؟ - افتحي الباب، وستعرفين، ليس لدينا وقت.- وهل هذا وقت تطرق فيه بيوت الناس، انتظر حتى أوقظ الخدم أولا ليقابلوك. لا تدّعي العجلة، أعرف أحاييل اللصوص! جاء صوت الطارق توسلا لا يُخفى، فلما تبيّنته عالية فتحت الباب قليلا ووجدت الصوت يقول:- سيدتي، أرجوك، صدر أمر فرنسي بالقبض عليكم، هيا إلى الفرار، أنا درزي وأنتم أهلي وعشيرتي، ولن أترككم الى أن تكونوا في مأمن...هيا.- وكيف عرفت ذلك؟- من مصادرنا سيدتي، أرجوك العجلة ليس لدينا وقت.لم تدرك عالية كيف صدقت «طارق الليل» هذا، وهرعت إلى السيارة هي وصغارها «فؤاد وفريد وآمال» متوجّسة خيفة، لا تعلم إلى أين المفر، وهنا قفزت الفكرة التي كانت اختمرت تقريبًا في رأسها. كذلك لم تدر عالية كيف تركت أطراف بيروت مع صغارها قبل أن يتنبه إليها الفرنسيون، بل وكيف قادت سيارتها جنوبا حتى حيفا في فلسطين، هناك باعت العربة واندفعت إلى محطة السكك الحديدية ، حيث أخذت القطار إلى مصر، ووصلت إلى مدينة القنطرة ومنها إلى القاهرة.في القطار، وضعت الأم غطاء خفيفًا على صغارها... وراحت تتجول بعينيها في المسافرين من حولها، كانوا يثرثرون ولا يكفون عن اللغط، أما هي فوجدت في الصمت ملاذها لترتب صور الماضي ابتداءً من يوم كاد فيه فريد أن يغرق، حتى اللحظة التي فيها كانت الأسرة كلها تقع في الأسر على أيدي الفرنسيين، ووقتها لم يكن الأمر سينتهي عند الأسر، ربما حرموها من الأطفال، أو حرموا أطفالها منها. راحت تبحث من خلال الماضي عن باب تدخل منه إلى المستقبل... هل يمكن التكهن بشيء عما يطويه القدر؟ وهل يستطيع الخيال أن يسبق الأيام المقبلة ويرسم لها صورة تدخل الطمأنينة وتهدئ روع الأم التي تواجه الدنيا وحيدة... إلا من ثلاثة أكوام من اللحم، تفتح أفواهها لتطلب الطعام، أو تمد أطوالها فتطلب الثياب، أو تفرد أيديها تطلب الشراء؟! الملجأ الوحيدتوقفت الأم عن الاسترسال في أفكارها عندما استرخى القطار عند القنطرة وصعد إليه رجال الجوازات وتوقفوا فجأة عند الأم وأولادها... - من أنت ومن أعطاك إذناً بالدخول؟ تجيبهم بلهجة درزية فيها استعلاء: أنا عالية المنذر من جبل الدروز، وهل لا بد لي من إذن لدخول مصر؟تتحرك في الرجال عروق التحدي: نعم، فغير مسموح لك بالدخول من دون جواز المرور.صمتت وأدركت أن ثمة مشكلة، فتبدّلت حالها فورا.. فهذا هو الملجأ الوحيد لهم الآن، بل وقد يكون الأخير.بادرها رجل الجوازات وكأنه يقدم لها الحل: أليس لك من يعرفك في مصر أو القاهرة، فبغير ذلك لن تدخلي، فليس الأمر فرطًا كما تتصورين... هنا قفزت إلى ذهنها فكرة جديدة قد تكون هي الحل، فهي تعرف أن زعيم مصر آنذاك هو سعد زغلول، وكما أن أخباره وجهاده ضد الاحتلال يملآن أرجاء الوطن العربي، فمن المؤكد أنه يعرف ما يدور في جبل الدروز وأمر الثوار سلطان الأطرش وفهد الأطرش، وغيرهما هناك في الجبل، وجهادهم ضد الاحتلال الفرنسي، وما يعانونه تحت نير الاحتلال، فانبرت قائلة: بل يعرفنا سعد زغلول، إنه شبيه في الكفاح بسلطان الأطرش وزوجي فهد الأطرش في جبل الدروز... هم على صلة وثيقة معا، وبينهم مراسلات... فاسألوه.تبدلت لهجة التحدي لدى رجال الجوازات إلى شروع في الملاينة، وذهب أحدهم إلى جهاز تلفون قريب ليطلب رئاسته، ورئاسته طلبت بيت الزعيم سعد زغلول، فلما سمع سعد اسمي سلطان وفهد الأطرش أصدر أمره بأن تدخل الأسرة إلى البلاد بغير قيد أو شرط. وفي إجلال واحترام، حمل رجال الجوازات النبأ إلى الأم: سيدتي تستطيعون الدخول الآن، سمح لكم سعد باشا أن تدخلوا على مسؤوليته الشخصية.لم تجب الأم، لكن بدت على وجهها علامات الارتياح، نظرت إلى صغارها الذين كانوا فتحوا أعينهم مشدوهين بعد أن طار منها النوم.أين نحن يا أماه؟لا تخافوا، نحن الآن في مأمن، نحن في مصر. رحلة الشقاء.. والفقركانت آمال آنذاك طفلة دون العاشرة من عمرها، بينما كان شقيقها فريد يكبرها بعامين، أما فؤاد الشقيق الأكبر فكان يكبرها بثلاثة أعوام.سمحت السلطات المصرية بدخول عائلة فهد الأطرش، وما إن وصل القطار إلى محطة سكك حديد مصر في القاهرة، حتى راحت تبحث عن «شقة للإيجار»، طالبة ما يتناسب مع حالتهم الجديدة، وليس مع ما كانوا عليه، ولا حتى ما يتناسب مع أصل عائلتها وعائلة زوجها أمراء الدروز من آل الأطرش، واهتدت بعد بحث ليس بطويل إلى شقة متواضعة من غرفتين وصالة صغيرة في حي باب البحر في منطقة الفجالة القريبة من محطة سكك حديد مصر، والتي يطلق عليها محطة مصر، بستّون قرشًا تدفع كل أول شهر. كان أول ما بحثت عالية عنه بعد أن استقرت وصغارها في القاهرة، هو كيف ستعيش وهؤلاء الصغار، من دون مصدر دخل؟ وكيف ستدبر حالها، كذلك لا بد من أن يتعلم هؤلاء الصغار، ويلتحقوا بالمدارس، ولم يكن في ذلك الوقت «مجانية تعليم» في مصر، بل كان التعليم كله خاصاً وتكاليفه مرتفعة، مع إعفاء المتفوقين فحسب، غير أنها وجدت ضالتها في فرصة رائعة تمنحها مدارس الراهبات الفرنسية لأولاد الفقراء للتعلم مجانا، فما كان منها إلى أن ألحقت الأولاد بها مجانًا، التحق فريد وفؤاد في مدرسة «الخرنفش»، والتحقت أسمهان بمدرسة الراهبات في حي شبرا الشهير.يضيق الصغيران فريد وآمال ذرعا بالظروف الجديدة التي أُجبرت الأسرة عليها، في حين أن فؤاد وعلى رغم ضيقه بالظروف نفسها، إلا أن إحساسه بأنه كبير الأسرة الآن، جعله يتحملها، ويفقد أعصابه في مواجهة فريد:ماذا حدث لنا... ولماذا نسكن هاتين الحجرتين الضيقتين.. متى يأتي والدنا ويحمل لنا الهدايا والحلوى.. ويأخذنا الى قصرنا في بيروت؟ أخفض صوتك يا فريد... لا تكف أمنا عن البكاء منذ جئنا إلى هنا، إنها اشترت بأكثر ما معها من نقود هذه الأشياء الموجودة في الشقة، ثم ألا ترى أنها تطهو طعامنا بنفسها، وماء الغسيل يقرّح أصابعها وهى التي لم تفعل ذلك يوما... لكن...أرجوك لا تؤلمها بهذا الكلام! بدأ فريد يعي ما حوله ويعرف حقائق حياته الجديدة كلها، وفي الوقت نفسه كانت عالية تكثر من الغناء له بصوت فيه دموع، وكان كل صبح يطلع عليهم يضيف إلى نسيج الحقيقة التي بدأت تتضح خيطا جديدا، فيزيد الصغار يقينا أن الأسرة صارت إلى الفقر لا محالة مع اقتراب نفاد النقود التى حصلت عليها الأم من بيع سيارتها في حيفا، وأن العز القديـم لم يعد غير ذكريات، فقد كانت كمية اللحم التي تحملها الأم إلى البيت تتناقص يوما بعد يوم، وتشي بأن الإفلاس وشيك ولا تستطيع الأم إلا أن تعدل بين الثلاثة في نصيبهم من اللحم، وفريد الذي يحب المداعبة يحتفظ بنصيبه حتى ينتهي فؤاد وآمال من التهام نصيبهما، فيبـرز ما معه وهو يحرك لسانه في الهواء يغيظ الاثنين، وأسمهان لا تستطيع أن تكظم غيظها، فتدفع قطتها إلى قطعة اللحم فتختطفها القطة وتجري بها إلى ركن الحجرة، بين ضحكات آمال وفؤاد، ويستبد الغضب بفريد فيثب على القطة وثبا، ويلاحقها بين الحجرات، ولا يتركها تهنأ بقطعة اللحم، ينتزعها من فمها ويجري إلى صنبور الماء فيغسلها، ويعود بها وهو يمضغها في تلذذ، ويتوقف لحظة ليخرج لسانه لفؤاد وآمال... يغيظهما، والأم تضحك بينما قلبها يدمي لما ترى، والحجرتان اللتان صارتا كل دنيا القافلة الشاردة رطبتان، وقلة الغذاء لم تكن عادة الصغار المنعمين.أولاد كوسابسبب ذلك مرض فريد، كان يسعل سعالا يقطع قلب أمه، فليس في حقيبتها أجر طبيب، وقد التفت حوله نسوة باب البحر وأعطينها وصفة جربنها في عشرات المرضى فكانت ترياقا لكل سعال! كانت الأم تسهر الليل على مصباح الغاز تصنع المناديل ذات «القوية» لتبيعها لبنات الحي وتكفي مصاريف البيت بعد أن نفد كل الرصيد... والصغار أمامها يتغطون بغطاء واحد... وفريد في طرف الفراش كي لا تسري العدوى منه إلى فؤاد وآمال، والتي كانت كثيرة الحركة وكثيرا ما تجذب الغطاء إليها فيتعرى فريد.لم يكن الذي يشغل بال عالية بنت المنذر أن تدبر قوتا لأولادها فحسب، بل كانت تفكر في الغد وترسم بعقل الأم وقلبها شكل المستقبل فيه، وهي المتعلمة، فكيف تفكر في خطة للغد لا يكون العلم عمادها؟ لكن من أين لها تكاليف المدارس، وإذا استطاعت من كد الإبرة أن توفر لهم تكاليف عام، فماذا تفعل في العام الذي يليه، وحين يشبّون وتزداد مطالبهم وتتعقد، لكنها اهتدت إلى مدرسة تقبل أولاد الفقراء مجانًا، وترددت قبل أن تطرق باب المدرسة لأن المدرسة فرنسية، وهل يمكن أن تقبل مدرسة فرنسية أولاد الأطرش الذي يحارب الفرنسيين في جبل الدروز بغير هوادة؟ وإذا كان هؤلاء هم أولاد الأطرش، فهل يشملهم الإعفاء من التكاليف لعلة الفقر؟ قررت الأم وذهبت بأولادها إلى المدرسة، وقالت لمدير المدرسة إنها تعبر بحر الحياة من غير عائل، فهل يرق قلبه ويفتح باب المدرسة لصغارها، والرجل يسألها: أولاد من هم؟ أولاد كوسا؟ أفلتت منه ضحكة رغما عنه، فالاسم المعروف فى بلاد الشام ليس شائعًا فى مصر، ثم أحس أن الضحكة وخزت الأم المسكينة، وكأنما أراد أن يعتذر لها عما بدر منه فقبل أولادها. هكذا صار فؤاد وفريد كوسا تلميذين في مدرسة الخرنفش، ولم تكن فترة الدراسة بهيجة ولا ممتعة، فقد كان التلاميذ يلتفون حول كوسا، بالمظاهرات الضاحكة، وفؤاد يدافع عن فريد، لكن التلامذة يواصلون الضحك، ويعود فريد باكيا، فتطيّب الام خاطره وتمسك بالعود وتغني، أو تدعوه لجلسة الخميس حين كانت تزورها النساء السوريات فيتبادلن أخبارهن القاهرية، ويقص عليهن من وصلته أخبارًا من جبل الدروز، ثم ينصرفن إلى الغناء بجوقة واسطة العقد فيها عالية.الغناء للحياةفي المدرسة، كان محرمًا على فريد وفؤاد وغيرهما من التلاميذ المسلمين أن يحضروا دروس الدين المسيحي، لكن فريد كان شديد الفضول لمعرفة ما يدور في القاعة التي يسمع فيها تلك الترانيم، فإذا سمع التلامذة يرتلون انتظرهم واحدا بعد الآخر، وحفظ معهم ما يحفظون، ومرة سمعه القس الذي يلقن التلامذة أصول الدين المسيحي وفنون الترتيل، فضمّه إلى الفصل وسرعان ما لمع صوت فريد، وصار رئيسًا لكل الذين ينشدون، فقد أحب الغناء، بقدر حبه للحياة، وقد يزيد، وهو ما كان يجمعه مع آمال، حبهما الجارف لسماع الموسيقى والغناء، في الوقت الذي كان فؤاد يتعامل بشكل عملي لإحساسه الأكبر بالمسؤولية، ويعود فؤاد وفريد إلى البيت فتسألهما الأم: كيف كنتما اليوم في المدرسة؟ يجيبها فؤاد بأنه لا جديد، فيما يبدو الغضب على فريد وهو يقول لها: المدارس الفرنسية شديدة التعصب لفرنسا. نبدأ اليوم بالدعاء لها ونصرتها في حروبها، فقد حركت شفتي من دون أن أردد الدعاء، هل أدعو لفرنسا بالنصر على أبي؟ تضحك الأم، ويطمئن فريد إلى ضحكتها فيضحك... ثم يتذكر فجأة: لكن التلامذة يضايقونني... إنهم يتندرون بحكاية كوسا، وكدت أصرخ فيهم أن كوسا ليس اسمنا واسمنا الأطرش، عمنا سلطان باشا هو الذي تنشر الصحف صورته مع أمجاده، ووالدي الأمير فهد الأطرش. تضرب الأم صدرها بخوف وتصيح: إياك أن تفعل ذلك، وإلا سيطردونك من المدرسة إلى الأبد! يسأل الصغير نفسه: لماذا هذا الضنى كله؟ لماذا نعيش تحت اسم غير اسمنا؟ لماذا ترتاع أمي لمجرد أنني فكرت في أن أعلن على الملأ اسمي الحقيقي، وأرتاح من سخرية زملائي؟ بل لماذا نعيش في هاتين الحجرتين بعد أن كنا نعيش في قصر؟ لماذا يعيش شقيقي فؤاد في انكسار.. ولماذا لا تتدلل شقيقتي آمال مثلما سائر الصغيرات؟ هل سنعيش في تلك الأحزان بلا حدود.. أم أنك ستأتي يا أبي؟! لعنة الفرنسيينمن خلال المخزون الرائع الذي اختزنه فريد منذ ولادته بسماع صوت أمه عالية وألحانها، كان يحلو له كثيرا وهو لا يزال طفلا دون الثالثة عشرة، أن يتغنى ببعض أغنياتها، فقد كانت تتمتع بصوت جميل قادر على تأدية العتابا والميجانا، وهو لون غنائي معروف في سورية ولبنان، وكانت عالية متأثرة بمطرب العتابا اللبناني يوسف تاج، وهو ما كان يثير في فريد شجوناً رائعة، ظلت معه طيلة حياته. على الرغم من تحذيرات أمه من كشف سر عائلته، إلا أن المحظور وقع ومن دون تدبير، فقد كان يعرف الأسرة متري هواويني السوري الأصل، وكان يعجب أشد الإعجاب بصوت الأم ثم تحولت حماسته إلى الإعجاب بفريد حين سمعه يغني. حتى أنه أغرى أمه كي تطلقه إلى ميدان الغناء وهو في الثانية عشرة! في أحد الأيام ذهب هواويني إلى مدرسة الخرنفش ليشاهد «بروفا» لأحد احتفالاتها فسمع فريد يغني... وهمس في أذن هواويني أحد أساتذة المدرسة: هل يعجبك الصغير؟ وقبل أن يتلقى من هواويني جوابا استطرد قائلا: اسمه فريد كوسا. فسأله هواويني والدهشة في عينيه: فريد كوسا؟ (ضاحكا) هذا ابن مجد... إن اسمه فريد فهد الأطرش... ألم تسمع عن عائلة الأطرش؟ نظر المدرّس الفرنسي نظرة حاقدة إلى فريد: نعم أسمع... وأسمع عنهم الكثير.في اليوم التالي وبينما كان فريد في إحدى الحصص، دخل ذاك المدرّس فصل الدراسة ونادى: فريد فهد الأطرش. ناداه وعيناه عليه، ارتبك فريد وتلكأ قبل أن يجيب نعم، طاردته نظرات المدرّس، فأحس عرقا باردا يغسل وجهه، وهمّ بأن يتكلم فتعثرت الكلمات في حلقه، فهب واقفاً وقال بجهد: أفنــدم. بدا الانتصار في نبرة المدرّس: ناظر المدرسة في انتظارك! وخلال دقائق معدودة كان فريد الأطرش يحمل كل كتبه وأشجانه، تسبقه دموعه إلى بيته! قمعت الأم أحزانها في داخلها، وهوّنت على صغيرها... وليلة الخميس تبادلت السوريات قصة فريد، واقترح بعضهن على الأم أن تذهب به إلى المدرسة البطريركية للروم الكاثوليك، ففيها قسم مجاني، وليس ثمة معارك بين الروم والدروز مثلما بين الفرنسيين والدروز.التحق فريد بالمدرسة البطريركية، بينما ظلت آمال في مدرستها في شبرا، أما فؤاد فقد اختار طريقاً آخر كي تستمر الحياة، خصوصا أن معين الأسرة من المال نضب تماما... ولا بد من البحث عن باب جديد من الأمل.
توابل - سيرة
صوت الحب والأنس والطرب(3) أميرة الأحزان أسمهان... الهروب إلى الملجأ الأخير مصر
03-09-2008