طُمرت معالم المستعمرة القديمة التي عاش فيها جدّ ميشال أوباما الأكبر مع ظهور محال دواليب وعيادات بيطرية على طريق U.S. Highway 521. لكن حُفظ تاريخها وأساساتها بعناية.

Ad

مع ذلك، لا يُعرف الكثير عن جيم روبنسون، ولا متى أو كيف قدم إلى فراندفيلد، الإسم الذي ما زالت تُعرف به تلك الأرض. لكن بحسب السجلات، ولد حوالى عام 1850 وعاش، أقله حتى الحرب الأهلية، كعبد. تعتقد عائلته أنه عمل طوال حياته في فراندفيلد ودُفن هناك في قبر غير محدّد الإسم.

لم تكن ميشال تعرف الكثير عن أجدادها، إلى أن أعادت مدّ جسور التواصل مع أقربائها في تلك المنطقة في يناير (كانون الثاني) الماضي خلال إحدى رحلات الحملة. في فترة نموّها في شيكاغو، لم يأتِ والداها على ذكر تاريخ العائلة، ولم تطرح هي أسئلة كثيرة.

لكن، إن انتخب زوجها رئيساً للبلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لن يكون الوحيد في العائلة الذي يصنع التاريخ. على الرغم من أن أصل باراك أوباما- والده أسود كيني ووالدته بيضاء مولودة في كنساس وعاش طفولته في هاواي- برز كنموذج أميركي فريد للهوية المتعددة الثقافات، إلا أن تاريخ ميشال أوباما العائلي- بدءاً من العبودية إلى عصر إعادة بناء الأمة فالهجرة الكبرى إلى الشمال- يربطها بجوهر التجربة الأميركية- الأفريقية.

يعتبر النائب جيمس كلايبورد، الذي تضم مقاطعته جزءاً من مقاطعة جورج تاون، احتمال أن تصبح إحدى المتحدّرات من العبيد السيدة الأولى مهماً بقدر إمكان وصول رجل أسود إلى سدّة الرئاسة. يوضح في هذا السياق: «أعتقد أنها يمكن أن تؤدي دوراً حيوياً كما زوجها، إن لم يكن أكبر. قد يمنحنا ذلك فرصة تخطي بعض مفاهيمنا وأحكامنا المسبقة».

من درس التاريخ الأميركي-الإفريقي، يعتقد أن بروز ميشال أوباما قد يساعد في تحديد المظاهر المعقّدة لما سمّاه السكان البيض في الولايات الجنوبية سابقاً «المؤسسة المتميّزة»، التي ينظر إليها راهناً على أنها وصمة راسخة في الضمير الأميركي.

صرّحت ميشال في مقابلة لها في مقرّ الحملة في شيكاغو: «من الجيّد أن يشارك المرء في صناعة التاريخ بتلك الطريقة. قد يكون أي شخص، لكن لن يشارك أحد في صناعة ذلك التاريخ سوانا نحن وعائلتنا».

أشارت الى أن ذلك يتطلب البحث عن الفخر الذي يشكّل جزءاً من ذلك التاريخ، ليتمكّن أفراد العائلة الآخرون من الشعور بالرضى حيال اعتناق جمال تاريخ تلك البلاد وطبيعته المعقدة».

في وقت باكر من هذا العام، وقبل أن تسافر ميشال إلى جورج تاون لمساعدة زوجها في الانتخابات التمهيدية في كارولاينا الجنوبية، بدأ المساعدون في الحملة إجراء مقابلات مع أقربائها والتنقيب في السجلات الخاصة بعلم الأنساب. استعانوا لاحقاً بمؤرّخين لمساعدتهم في إعداد شجرة مفصّلة لعائلة روبنسون.

من ناحيتها، تعتبر شيريل كاشين، أستاذة في علم القانون في جامعة جورج تاون ومؤلفة كتاب حول شجرة سكان ألاباما الأصليين التي أعدّتها بجهودها الخاصة، أنه بالنسبة إلى الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية، لا شيء يميز عائلة روبنسون. تتابع كاشين التي تربطها علاقة صداقة بأوباما: «سأتجرأ وأقول إن تلك القصة ليست استثنائية، وإنما هي كذلك لأنها ظهرت إلى العلن».

وافق القيّمون على حملة أوباما على التعاون في صياغة هذا المقال، وكذلك أفراد آل روبنسون الذين يعيشون في جورج تاون ورفضوا سابقاً المشاركة في أي مقابلة. عرف كثر منهم فصولاً من تاريخهم العائلي ولكن ليس الرحلة بكاملها، بما في ذلك التفاصيل التي نبشتها صحيفة واشنطن بوست، بوسائلها الاستقصائية الخاصة.

ذكريات مؤلمة

تلفت ميشال إلى أن ما عرفته بشأن عائلتها ساعدها في فهم المزيد حول تربيتها، فضلاً عن آثار العبودية التي ما زالت مطبوعة في أذهان الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية.

تضيف: «دفنت تلك القصص وقتاً طويلاً، لأنها مؤلمة إلى حد لا يرغب أحد في تذكّرها. عليك أن تكون قادراً على الاعتراف بالماضي وفهمه ومن ثم تخطّيه. برأيي، لا يملك كثر منا فرصة استيعابه، لكن تلك الفرصة موجودة».

في معظم أمسيات أيام الآحاد وخلال طفولتها، كانت ميشال ترافق والديها، ماريان وفرايز روبنسون الثالث، لزيارة جدّيها في منزلهما المجاور. ولد والد ميشال في شيكاغو وأمضى حياته المهنية يعمل في معمل لتكرير المياه. لكن غالباً ما كان جدها، فرايزر الإبن، يستحضر الذكريات حول طفولته في كارولاينا الجنوبية، فكانت الفتاة الصغيرة تستمتع وتحاول القراءة بين الأسطر.

كان فرايزر الإبن واحداً من ملايين الزنوج الجنوبيين الذين هاجروا شمالاً إلى شيكاغو على مر أجيال عدة. ساهمت تلك الهجرة في تغيير المشهد العرقي على جانبي خط ماسون-ديكسون، لكنها لم تفِ بما وعدت به. نال روبنسون الإبن وظيفة غير مثيرة للاهتمام، لكن يمكن الاعتماد عليها في خدمة البريد. حين كان والدا ميشال متزوّجين، كان روبنسون وزوجته لافون، يعيشان في شقة في أحد مشاريع الإسكان العامة، الذي هو عبارة عن مجمع مرتب، كما تذكره ميشال، لكن متواضع مقارنةً بالمنزل الذي بناه والد جدّها، فرايز الأب، في كارولاينا الجنوبية.

تتذكر ميشال: «كان رجلاً معتزاً بنفسه وفخوراً بنسبه»، لكنها تضيف: «كان يشعر بعدم الرضى».

تاريخ العائلة

لم يفاجأ أحد في العائلة عندما انتقل الزوجان إلى جورج تاون بعدما أحيلا إلى التقاعد. عندئذ، انضم فرايزر ولافون روبنسون إلى كنيسة بيثيل حيث اعتاد آل روبنسون التعبّد فيها منذ مطلع القرن العشرين. احتفلا بعيد زواجهما الخمسين في قاعة محلية لقدامى المحاربين بحضور أنسباء روبنسون وأصدقاء المدرسة القدامى.

درجت ميشال منذ كانت في العاشرة من عمرها على زيارة جورج تاون بانتظام. تتذكر صرار الليل الذي كان يبقيها صاحية طوال الليل ولحم الغزال الذي أعياها. مرّت إلى جانب بوابة فراندفيلد مرات، إلا أنها لم تلاحظ أبداً الطريق غير المعبّدة، أو إلى أين تؤدي.

أنشئت مقاطعة جورج تاون، التي تبعد ساعة عن شمال شرق شارلستون، في مراحل الاستعمار الأولى. في منتصف القرن التاسع عشر، عمل آلاف العبيد في الحقول الواقعة بمحاذاة النهر والمستوطنة بالأفاعي والبعوض، وأنتجوا نصف كمية الرز المستهلكة في الولايات المتحدة.

ازدهرت فراندفيلد على مدى قرن كمستعمرة منتجة، لكن تبددت ثرواتها بعد الحرب الأهلية، فاحترقت مطاحن الرز ونُهبت الغلال وهاجم الجدري الأسر البيضاء والسوداء على حد سواء، مع ذلك ظل عبيد سابقون كثر في فراندفيلد مزارعين يعملون لحساب أصحاب الأرض وينالون جزءاً من المحصول.

يُعتقد أن جيم روبنسون كان أحد العاملين في فراندفيلد آنذاك. يظهر في الإحصاء السكاني لعام 1880 كأجير أميّ يعمل في الزراعة ويعيش في جوار المالكين البيض في المستعمرة. كان متزوجاً وله ابن في الثالثة من عمره يدعى غابريال، ورزق بابن ثانٍ، فرايزر والد جد ميشال أوباما، عام 1884.

تعتبر ابنة غابريال روبنسون، كاري نيلسون البالغة من العمر راهناً 80 عاماً، الأكبر سناً بين أفراد عائلة روبنسون الذين ما زالوا على قيد الحياة والأكثر محافظة على تقاليد العائلة. قبل زيارة ميشال في يناير (كانون الثاني) الماضي، طلبت منها نسيبتاها كوني جونز وهارولين سياو المساعدة لجمع تاريخ العائلة المبعثر.

في غرفة الجلوس في منزلها الصغير، اعتمدت نيلسون على إنجيل قديم العهد يعود إلى العائلة وذاكرة حيّة لاسترجاع الأيام الأخيرة التي أمضتها في فراندفيلد، مستحضرةً القصص التي رواها لها والدها حين كانت طفلة. كانت جونز، التي ترعرعت في المدينة إلا أنها بقيت على صلة وثيقة بأنسبائها في الريف، تستمع بشغف وهي جالسة على الكنبة، فتقاطع بكلمات كـ{حقاً؟» و»لم أكن أعلم ذلك»، مع انكشاف رواية عائلة نيلسون.

عندما كان غابريال وفرايزر طفلين، توفيت والدتهما وتزوّج جيم ثانية. تروي نيلسون أنه عندما كان فرايزر في العاشرة من عمره تقريباً، ذهب إلى الغابات لجمع الحطب، فوقعت شجيرة على ذراعه وكسرتها. تجاهلت زوجة أبيه الجرح الذي ما لبث أن التهب، ما اضطر الأطباء إلى بتر ذراعه.

أبرز من شهد الحياة العائلية الصاخبة لآل روبنسون، رجل أبيض يدعى فرانسيس نسميث، ابن مشرف على مستعمرة أخرى وزائر منتظم لفراندفيلد. وكما أخبر غابريال روبنسون ابنته، كان فرايزر يرافق نسميث، فكبر الأخير وهو مغرم بالفتى ذي الذراع الواحدة. بما أنه مطلع على الحياة العائلية الصعبة التي يعيشها فرايزر في منزله، طلب نسميث إذن جيم روبنسون بمجيء فرايزر للعيش معه.

تابعت نيلسون: «قال إنه سيعتني به جيداً والتزم بذلك، فعاش العم فرايزر وابن ذلك الرجل سوياً».

في إحصاء عام 1900، ورد اسم فرايزر «كعامل» يعيش مع عائلة نسميث. عندما بلغ السادسة عشرة من العمر لم يكن يجيد القراءة أو الكتابة. لكنّ أولاد نسميث ارتادوا المدرسة وكان والداهما مثقّفين، ما ترك أثراً في نفس العم على حد قول نيلسون.

عن آل نسميث تعلّق: «كانوا يضغطون كثيراً على أولادهم ليتعلموا، وذلك ما تعلّمه منهم العم فرايزر وفعله في ما بعد».

امرأة نموذجيّة

بما أنه مطّلع كثيراً على إرث زوجته، وصف باراك أوباما ميشال بأنها «أكثر امرأة أميركية نموذجية عرفتها». خلال خطابه الانتخابي في فيلادلفيا في فصل الربيع، أشار إلى أنه «متزوج من امرأة أميركية سوداء البشرة يسري في عروقها دم العبيد ومالكيهم».

لطالما افترضت عائلة روبنسون أنها تتحدّر من جدّ أبيض، لكن ما من إشارة إلى هويّته. هذا أمر تودّ ميشال معرفته؛ لكن حتى مع بقاء تلك المسألة غامضة، ها هي تستخلص درساً من تاريخ عائلتها.

في هذا السياق ترى أن «العِبرة المستخلصة من تلك المسيرة هي أننا جميعنا مرتبطون من خلال تاريخ نموّنا وحياتنا في تلك البلاد. في لحظة ما، كان هناك مالك عبيد، أو عائلة بيضاء في تاريخ أجدادي القديم، منحت جدي مكاناً أو منزلاً وهذا ما ساعده ليبني حياته، وهكذا ولدتُ. من كان هؤلاء الأشخاص؟ أعتبرهم جزءًا من تاريخي تماماً كجدي الأكبر».

ازدهرت أعمال أولاد جيم روبنسون. انضم غابريال إلى فريق للتنقيب عن زيت التربنتين واشترى مزرعة في الناحية الغربية لفراندفيلد، وما زال جزء منها ملكاً للعائلة حتى الآن. تزوّج فرايزر من روزيلا كوهن، تعلّم القراءة وعمل صانع أحذية وبائع صحف فضلاً عن عمله في منشرة للأخشاب.

علم وايمان

تستعيد دوروثي تايلور، 89 سنة، التي تقيم على بُعد مبنى واحد من كنيسة بيثيل، مشاهدتها فرايزر روبنسون يبيع الصحيفة المحلية في زاوية الشارع الرئيس. وحدهم التلاميذ الذين ارتادوا هاورد، الثانوية الوحيدة للسود في المقاطعة، أدركوا أنه يأخذ نسخاً إضافية إلى منزله يومياً ليتمكّن أولاده من قراءة الصحيفة.

توضح تايلور: «كنا مقتنعين بأن العلم وحده خلاصنا، كذلك الصلاة. ثق بالله وتعلّم كل ما في وسعك. كانت حياتنا بسيطة جداً، لم نكن نملك شيئاً».

وُلد جدّ أوباما عام 1912. كان تلميذاً لامعاً وخطيباً بارعاً، تظهر سجلات الإحصاءات السكانية أن روبنسون الإبن كان يقيم في المنزل نفسه مع والديه عندما كان في الثامنة عشرة من عمره ويعمل في منشرة محلية. في ذلك الوقت كان السود في جورج تاون يخسرون حقوقهم القانونية ومكانتهم الاجتماعية التي اكتسبوها بعد التحرير، وكان الاقتصاد المحلي متعثّراً.

تضيف هارولين سياو، وهي صديقة لروبنسون ومدرّسة متقاعدة: «ما من وظائف هنا وأعتقد أن رجلاً متعلماً مثله لن يقبل بوظيفة عادية. بعدئذٍ، انتقل صديق لعائلة روبنسون إلى شيكاغو وقرر فرايزر روبنسون الإبن اللحاق به على الأقل لفترة».

عندما بدأ معدّو حملة أوباما الانتخابية بمحاولة التعرف إلى نسب روبنسون، لم تكن لديهم أدنى فكرة عما سيجدونه. حتى الآن لا تعرف ميشال أوباما إلا القليل عن أجدادها الآخرين، على الرغم من أنه قيل لها إن لافون كانت حفيدة أحد المبشّرين في المسيسيبي.

لكنّ قصّة روبنسون مثيرة جداً. التحق ثلاثة على الأقل من أولاد فرايزر الأب بالجيش، وانتقلت إحدى بناته إلى برينستون، نيو جيرسي، حيث عملت كخادمة وحضّرت أطباقاً جنوبية لميشال وأخيها، كريغ، عندما كانا طالبين في جامعة برينستون.

كذلك عمل والد كوني جونز، طوماس روبنسون، طوال 25 عاماً مديراً في مدرسة ثانوية وأحبه المجتمع الأميركي-الافريقي الذي تشكّل بمحاذاة فراندفيلد.

في يناير (كانون الثاني) الماضي، ألقت ميشال خطاباً في كنيسة بيثيل أمام حشد كبير ضمّ 30 فرداً من العائلة على الأقل. سرعان ما انتشر خبر في أوساط آل روبنسون مفاده أن فرداً من عائلتهم قد يحتل منصباً بارزاً في البيت الأبيض. كتب طوماس نيلسون، وهو قريب للعائلة يعمل في قاعدة روبنز الجوية في جورجيا، تعليقاً عرضه في مدونة حملة أوباما «الله قادر على كل شيء».

بيد أن حذراً كبيراً يحيط بذلك الموضوع. على الرغم من ذلك، استطاع المراسلون التقرّب من أقربائها، بمن فيهم جونز وسياو، لكن هؤلاء لم يرغبوا في التحدث عن نسيبتهم خشية إثارة تشنّجات عرقيّة وتقويض فرص زوجها بالفوز.

يعتقد المطلعون على قضايا الرقّ والجنوب أن ميشال قد تساعد في القضاء على تلك المخاوف. يعلق بيتر وود، أستاذ التاريخ في جامعة ديوك والخبير في شؤون الجنوب في فترة ما قبل الحرب: «يمكن لذلك أن يحصل بطرق عدة ولا شك في أن الناس مستعدون لسماعه. هم جاهزون ليسمعوا أنها فخورة جداً بنسبها ومسرورون بطريقتها في جعل الآخرين يشعرون بأنهم كذلك».

يتابع وود مشيراً إلى الكاتب الذي سلسل نسبها في الرواية الشهيرة «Roots»: «تصبح بطريقة ما آلكس هالي عصرنا».

في رحلة يناير مرّت أوباما بفراندفيلد، تماماً كما كانت تفعل في طفولتها، لكن تلك المرة نظرت من نافذة السيارة لتلاحظ المعالم التاريخية. في المرّة التالية التي زارت فيها البلدة، أعلنت إنها تودّ التجول فيها ورؤيتها عن كثب.

أضافت: « في تلك البلدة، ربما ثمة آلاف الناس يشبهون فرايزر ذا الذراع الواحدة. استطاع أولئك، بفضل ذكائهم وعملهم الدؤوب وبمساعدة القيم الأميركية، الخروج من عصر الرق والتحرّر وتحسين أوضاعهم، فمضوا قدماً في حياتهم، وهكذا أبصرتُ النور».