يجمع الأديب الكويتي عبد الله خلف في كتابه «العاشقون العرب لبنات أعمامهم» الصادر أخيراً كماً هائلاً من القصص والقصائد المنقولة عن التراث العربي، والتي تتخذ من الحب موضوعاً لها.

Ad

أفاد المؤلف من خبرته الطويلة في مجال التقديم الإذاعي لبرامج ثقافية وأدبية في «إذاعة الكويت»، إذ كانت بدايته مع شعراء العصر الجاهلي من خلال «الشعر ديوان العرب»، ثم «الشعراء الصعاليك»، وقد نتج من هذين البرنامجين كتابان أدبيّان يحملان الاسمين ذاتيهما.

كذلك قدّم خلف برنامجاً في الإذاعة بعنوان «مواقف في حياة الشعراء». ويقول حول هذه التجارب: «كنت أثناء إذاعتي لقصص العشاق العرب أنتقي من عشقوا منهم بنات أعمامهم، وهاموا فيهن وجداً وحباً إلى أن تيّمهم حبهم لهن وأضناهم الحرمان منهن فآثروا الموت على الحياة، بعد أن عاشوا عفيفين شرفاء». وللخلف برنامج أدبي ما زال مستمراً تحت عنوان «الشعر والشعراء».

يستشهد خلف في كتابه بأحاديث نبوية كثيرة، وأقوال مأثورة للصحابة ورجال السلف، ويتطرق إلى عدد من أقوال الفلاسفة والمفكرين حول الحب وكنهه وأصنافه، وما يؤدي منه إلى الموت والهلاك، متوقفاً عند قبيلة «عذرة» المشهورة بالحب والهيام، ويوضح: «هم بطن عظيم من قضاعة، من قحطانية، وهم بنو عذرة بن سعد، بن هزيم، بن زيد بن ليث بن قضاعة. وسأل سائل أحدهم: أتعدون موتكم في الحب مزية، وهو من ضعف البنية، ووهن العقدة (ضعف المفاصل)، وضيق الرئة فأجاب: أما والله لو رأيتم المحاجر البلح (نقاوة ما بين الحاجبين) ترشق بالعيون الدعج، من تحت الحواجب الزج (الرقيقة مع الطول) والشفاه السمر تبسم عن الثنايا الغر، كأنها شذر الدر لجعلتموها اللات والعزى». هذا قبل الإسلام.

قضيّة الحب

يتطرق خلف في كتابه إلى عدد من الكتب التي تتناول قضية الحب، يقول: قضية الحب من أهم القضايا الإنسانية اهتم بها التراث العربي في زمن مبكر، حتى أن الأدب الغربي اقتنى آثار الكتابات العربية في هذا الشأن واعتمد عليها، مشيراً إلى أن رسالة «في العشق والنساء» وكتاب «الزهرة» لأبي داوود الظاهري اللذين كتبا منذ أكثر من ألف عام هما أول كتابين في هذا الموضوع في تاريخ الفكر العربي.

ثمة علماء أجلاء في الفقه كتبوا في فقه الحب وفلسفته الكثير، مثل «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي و{روضة المحبين ونزهة المشتاقين» لابن الجوزية، و{مصارع العشاق» لابن السراج، و{ذم الهوى» لابن الجوي، و{تزيين الأسواق» لداود الإنطاكي و{مدامع العشاق» الذي نشره الدكتور زكي مبارك عام 1925.

يصوّر «طوق الحمامة» تجارب إنسانية وقعت لأصدقاء الكاتب ومعارفه. ويجمع «ذم الهوى» الأحداث والقصص والأشعار المتصلة بالموضوع مع ترتيبها وتبويبها. فيما يلقي «الحب والصداقة» في التراث العربي والدراسات المعاصرة ليوسف الشاروني الضوء على مصادر الكتب التي تحدثت عن الحب في الأدب العربي قديمه وحديثه.

الحضارة الأوروبيّة

أما كتاب «مشكلة الحب» للدكتور زكريا ابراهيم فيصوّر فلسفة الحب وآلامه ومآسيه عندما يتصل بالفناء والموت، ويربط الحب بالموت، ذاكراً أن هذا الفكر العربي تسرب الى العقلية المسيحية نتيجة تأثر الحضارة الأوروبية بمفهوم الحب التراجيدي في فكرة العشق.

كذلك ربط الأدب الأوروبي الرومنسي بين الحب والموت عندما انتقلت هذه الأفكار من الأندلس الى الغرب، بما في ذلك الشعر القصصي الذي ذكر قصص المحبين العذريين، ولما انتشر المستشرقون في الدول العربية والإسلامية تحدثوا عن الشعراء العشاق واستهوتهم فكرة فلسفة الحب التي ربطت بين العشق والموت.

د. زكريا ابراهيم تناول الموضوع في «مشكلة الحب» من الناحية الفلسفية على ضوء علم النفس ولم يسهب في ذكر النصوص الأدبية الشعرية... بجانب سلسلة كتبه في ضمير الإنسان كما هو في كتاب «الزواج والاستقرار النفسي» و{سيكولوجية المرأة»، بعد ذلك يتحدث دكتور. ابراهيم عن أطوار الحب، مولده، حياته، موته، ولا يربط الحب بالجنس لأن هذا الشعور موجود عند الحيوان بينما الحب الإنساني يرقى مع النفس الإنسانية، والتحرر من العزلة النفسية، فالحب يحرر الذات من الضغوط الحسية... الحب العذري حب يسمو الى العلو والصبر على آلامه وتعذيبه الى مفارقة الحياة فلسفة لا يدركها إلا أصحاب النفوس السامية.

طوق الحمامة

«كلفتني - أعزك الله... أن أصنف لك رسالة في الحب ومعانيه وأسبابه وأغراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة»، هكذا بدأ ابن حزم الأندلسي رسالته في الحب باسم «طوق الحمامة». وابن حزم إمام وفقيه وسياسي أندلسي عاش في النصف الأول من القرن الخامس الهجري وتوفي عام 456هـ.

يقول ابن حزم أيضاً: «إن أوله هزل وآخره جد، لا يوصف، ولا بد من معاناته، والدين لا ينكره والشريعة لا تمنعه، إذا القلوب بيد الله، عز وجل، وقد أحب من الخلفاء والأئمة الراشدين كثير.

والمحبة أنواع، وأفضلها محبة المتحابين في الله، عز وجل، محبة القرابة ومحبة التصاحب والمعرفة ومحبة المتصاحبين بسر يجتمعان عليه ويلزمها ستره، ومحبة بلوغ اللذة، وقضاء الوطر، ومحبة العشق التي لا علة لها، إلا اتصال النفوس المقسومة، كل هذه الأنواع تتغير بتغير أسبابها إلا محبة العشق الصحيح وهي التي لا فناء لها إلا بالموت».

ولابن حزم رسالة أخرى (تهذيب الأخلاق) يردّ فيها الحب في جميع صوره الى سبب نفسي واحد.

يكتب ابن حزم عن بقاء الحب وزواله: «وربما كانت المحبة لسبب من الأسباب وتلك تفنى بفناء سببها، فمن ودّك لأمر ثم ولّى مع انقضائه وفي ذلك أقول: طوق الحمامة».

يذكر خلف في كتابه شخصيات كثيرة ارتبط اسمها عبر التاريخ العربي من خلال قصص مع بنات أعمامهم ومن هؤلاء: إياس وابنة عمه صفوة، المرقش الشاعر وأسماء، المقنع الكندي، سعاد وابن عمها، مرة النهدي وابنة عمه، عنترة بن شداد، والصمة القشيري وابنة عمه.

مراتب الحب

يذكر خلف في كتابه مراتب الحب وأهم درجاته، ومن بينها:

الشجو: حزن وكآبة تعتري المحب.

الخلة: تمام المحبة، وقيل هي فرط العشق.

العلاقة: من مبادئ المحبة من علق ولصق.

الهوى: مطلق الميل والإرادة في العشق.

الغمرة: سكر القلب وانشغاله في الحب.

النزوع والاشتياق: كالصبابة في رقة وحرارة.

الوجد: شدته.

الكلف: الاستغراق والانشغال وكسر اللاّم العاشق نفسه.

الكرب: تحمل مشاق الحب.

الكآبة: شدة الحزن كالتفجع.

البرح: شدة العشق والغل.

البلبال: شدة الشوق.

الجوى: ضيق الصدر وكتم الهوى.

السهد: شدة السهر وتواتر أحوال المحب.

الوصب: لوعة ومرض وكمد.

الدنف: شدة مع صفرة.

النبل والخبل: جنون الحب.

الدّلة: احتراق القلب بنار الحب.