إذا كانت اليقظة محدودة الجرأة، والوعي لا يحسن القراءات الوقحة فإنّ المنام يخترق الشجاعة بقدر ما يخترق اللذّة في تظهير ما يريد خارج أيّ دائرة من دوائر المنطق الذي يسيء إليه بعضٌ من الخوف وبعضٌ آخر من الحياء.

محمّد الحجيري رجلٌ خبير في اقتحام منامات الآخرين، أو الأخريات – لمزيدٍ من الرّقة، ويتعاطى مع الواقع بعين دقيقة التسجيل وذاكرة كثيرة القدرة على الاحتفاظ بنسغها، غير أنّه يرغب في الكلام على سنّة الثرثرة التي تستقطب المعاني المتشابهة من مواقع غير متشابهة وتُسرف في القول العاديّ في كثير من الأحيان.

Ad

الحجيري في «منامات هيفا» يبوح حينًا فنقع على ما يشبه الشّعر، ويطيل الكلام أحيانًا فنقع على ما يشبه الرواية، ويقول في أكثر من موضع ما هو معرّى من أيّ إيحاء يشحن النص بالقدرة على الحياة.

شعر

في الصفحة الثالثة من «منامات هيفا» إعلان لهويّة النصوص من خلال كلمة «شعر» بالخط العريض. ما يعني أنّ الرحلة من المفترض أن تكون مثقلة بقليل من الكلام اللمّاح والموحي والمقتصد إلى أبعد الحدود إضافة إلى توصيفات أخرى تتلاءم مع الشعرّية. لكنّ قارئ منامات الحجيري الهيفاويّة يلتبس عليه الأمر حين تنحرف به عبارات نحو هاوية الشعر وتستبدّ به أخرى وهي تجذبه إلى سهل الرواية. ولا شك في أنّ للكاتب مع الشعر علاقة غير عابرة وتتجلّى في عشرات الجمل المنسوجة والمطرّزة بإبر صغيرة لا تخطئ برؤوسها الدقيقة مواطن الجمال. يقول الحجيري: «العدم سلطان الوجود»، فيجمع بين نقيضين مثبتًا الأوّل من دون أن يقدر على إلغاء الثاني وكأنّه ذو عدم في وجود فراغ يفتقر الي البداية والنهاية وما بينهما. موجوع هو الحجيري. توجعه المرأة ولا تبدو عنده الحياة غير المرأة. ومسحوق هو: «ملامحي مسجّاة في مرايا وجهك ... الذلّ العالي». في مثل هذا الكلام الرصين يقرأ الحجيري ألمه الوجودي العميق. يمدّ يده إلى عينيه وقلبه وروحه ومحبرته... فلا يجد إلا المرأة، المرأة التي تنام في قصائده ولا تسمع كلماته. ولها وحدها تضيء الشهوة شوكها في عينيه: «الشهوة شوك الورد في عيون الغزال». يركض الحجيري منذ ولد وراء امرأة لا يراها وهي بحكم حضورها الأمامي وحضوره الخلفي لا تراه. وما الحبّ عنده سوى حلم سبق الموت وفي هذا الكلام اعتراف بأنّ الحبّ ضرورة وإن لم تكن ممكنة وحاجة وإن تكن مستحيلة. لم يعرف الحجيري أمّه إلا بعد ما عرف الأنثى. لم يعرف أنّه من امرأة إلى امرأة، وبينهما الحياة، وبعدهما الموت «لم أعرف أنّي وُلدتُ من أميّ إلا عندما رأيت جارتي عارية». وهكذا يشعر القارئ أنّ كاتب المنامات معاقب بالمرأة، وعليه، فإنّه مصرّ على معاقبتها، ولذلك نجد في «منامات هيفا» امرأتين: واحدة استثنائية ومقبولة ومطلوبة ويُسار إليها من أول الأرض إلى آخرها وليس العمر كثيرًا عليها، وأخرى مشغولة من جسد، ومن قطط، ومن منامات، ومن أخبار روائيين وشعراء وصحافييّن... تكسر الحجيري مرّة أخرى. تكسره وجوديًّا وتكسره أدبيًّا أيضًا، فلمثل الأولى يقول: «لديك ضوء لا تكتبه الكلمات»، ولمثل الثانية يقول: «كلّ امرأة تبيع الهوى بالجملة أو التقسيط». يقسو الحجيري على المرأة. ينتقم منها بها. يستسلم ويعلن هزيمته أمام المرأة التي لا يصل إليها الا بالحلم، حلم اليقظة وليس حلم النّوم. وينطلق إلى الساحات العامّة ينهش بعينيه وأظافره، نساء عامّات، عندهنّ من اللحم والخطيئة ما يكفي رجال الأرض كلّهم. في هذا السياق يقول الحجيري: «هيفا ... صورة في ظهر كلّ امرأة». يختصر طريقه الى المرأة في جعل ظهور النساء سجونًا لهيفا ولافتٌ أن أوّل الكتاب لامرأة قتلت الكاتب ألف مرّة في النهار القصير. قتلته لأنّها ليست هيفاويّة، إنما هي أنثى والأنوثة صعوبة، وإعجاز، وشبه استحالة. بينما الحجيري قصير النفس، سريع الانتقال من المدح إلى الهجاء: «كلّ امرأة تتخيّل الزّمن جرذًا يقرض جمالها». هكذا يجلد رجلٌ مهزوم نساء الأرض بسوط من الكلمات. يحاول إبكاءهنّ بجعلهنّ طرائد للزمن، ويغيب عن باله أيضًا أنّه هو أيضًا، والرجال كلّهم أيضًا، من طرائد الزّمن الذي هو ليس ذكرًا ولا يتضامن مع الرجال.

أنوثة

في آخر الكتاب تنحدر المرأة من علوّ الأنوثة الشاهق إلى السفح حيث تتشابه النساء العاجزات عن بلوغ قممهنّ... تنحدر انحدار النصّ الحجيريّ من الشعر إلى النثر. فالنصف الآخر من «منامات هيفا» يكاد يكون نثرًا عاديًّا لما فيه من ثرثرة غير مفيدة في أكثر من مكان. فهل النصّ الشعريّ يسمح بإيراد تعريف معجميّ لكلمة «الشّبح» بحوالي الأسطر السبعة؟ وهل النصّ الشعريّ يتسع لأن يكون صندوق فرجة يحشوه الحجيري بما يعرفه من أخبار القطط ومشاهير الأدب والفنّ؟ المرأة الثانية التي دخلت الكتاب وصادرت أكثر من نصفه تصلح لرواية بحدّ ذاتها وليس لديوان شعر. وقد انحرف الحجيري ومال قلمه إلى الرواية وكأنّه ليس هو الذي أثبت كلمة «شعر» في الصفحة الثالثة من الكتاب. وصحيح أنّ الإنحراف واضح، غير أنّ النصّ لم يصل إلى أناقة النصّ الروائي وظلّ إناء ثرثرة فيه معلومات من هنا وهناك أكثر ممّا فيه من نفس روائي أو ألق شعريّ. شخصيّة «سمعان» التي يقرّ الحجيري بأنّها هوة عطّلت المنحى الشعريّ من دون أن تحظى بالإطار الروائي اللائق بها. يقول اللبنانيون «سمعان في الضيعة» وهذا القول المأثور للتدليل على من هو بعيد ممّا يجري، ويبدو الحجيري في ضيعته أيضًا حين يصير محمّدين في كتاب واحد، وهذان المحمّدان قتل ثانيهما الأوّل ولم يكن من الصعب على الحجيري الموهوب أن يكون أمينًا لقصيدته وللمرأة التي تشكلّ وجعه الوجودي فيطرد من كتابه الضّرّة، كي لا نقول الضرائر، التي نكست أبراج القصيدة فيأتي بكتابين اثنين، وزيادة الخير خير، فالأوّل ديوان شعر صحيح النّسب والثاني رواية تصلح لأن تزور الحياة تحت عنوان «منامات هيفا»، أمّا ديوان الشعرّ فبكلّ تأكيد يحتاج عنوانًا ينسجم مع شواهق الحجيري الشعريّة، ومنها: «الفرح في اليقين استراحة الكآبة»، و{أحبّك لأنّني وعدت اليأس أن أبقى في حقله»، و{لا تحبّين مثل العصافير، تحبّين أنّ تكوني أجنحتها»...

يسأل الحجيري في جملة كتابه الأخيرة: «هل رأى محمود درويش هيفا في المنام؟» ومن حقّ أيّ قارئ أن يجيب الحجيري ويذكّره بأنه هو نفسه في ما أتاه من شعر في «منامات هيفا» لم ير هيفا أبداً في منام من مناماته الموجوعة والجميلة، وهو ودرويش يلتقيان في ظلال معانٍ كثيرة، أمّا على ضفّة الانتحار والاستقالة من البحث عن الأنثى فدرويش لا يزال يبحث بعدم موته، ولعل الحجيري حيًّا يقلّد درويش بما يقوم به بعد الموت.