كثير من الأماكن التي نقشت عليها الحياة أروع ما عندها لتجلّيات الإنسان الحضاريّة سقط من ذاكرة الحجر والتراب والبشر، بفعل سقوط الحجر نفسه والتراب نفسه والبشر نفسهم. فكم مدينة ذهبت بأبراج قصورها وأوراق كتبها حوافر خيول الغزاة، والمدن المحظوظة تلك التي شفع فيها حبر مؤرّخ أو عابر مدن.وما الاسكندريّة سوى أيقونة المدن القديمة وقد تعاقب على إلغائها من الوجود المشرق، وتغبير كيانها ووجدانها وهوّيتها الحضاريّة، غزاة كثيرون، بعضهم أتى من الخارج والآخر من الداخل وما بقي من حضورها الأيقوني شهادات سجّلها على الورق عاشقو المدن العظيمة من أدباء وأهل فكر إنساني وحضارة.
«الاسكندريّة سراب» الصادر عن دار «شرق غرب للنشر» يضمّ بين دفّتيه روح مدينة أعطتها الأيام عبر الزمن نعمًا إنسانيّة كثيرة وسلبتها وجهها ورحيقها مراراً. واستطاع الشاعر الألماني يوآخيم سارتوريوس أن ينقذ بعضًا من ذكرى مدينة مصريّة شكّلت علامة فارقة ومبكّرة جدًّا للرقي البشري من خلال جمع عشّاق الاسكندريّة المولعين بألقها التاريخي تحت سقف من ورق وحبر. وللمترجم فارس يواكيم جهد لافت في نقل الكتاب الى العربيّة بلغة تحترم حضور النص الشعري وتحاول قدر المستطاع الحفاظ على أناقة الأدب. في مقدّمته تحدّث سارتوريوس عن هجرة البريطانيين والفرنسيين من الإسكندريّة بعدما أمّم جمال عبد الناصر قناة السويس وكان العدوان البريطاني - الإسرائيلي - الفرنسي ردًّا على التأميم. وكان كثيرون من اليهود رحلوا الى إسرائيل الناشئة سنة ۱٩٤٨، كذلك ترك الإسكندريّة يونانيون وأرمن وإيطاليون بعد سنة ۱٩٤٠، وهكذا انتهت المدينة المتعدّدة، والمنفتحة على الدنيا. ويذكر سارتوريوس أن عمرو بن العاص، بلغ مشارف الإسكندريّة عام ٦٤٢ ميلاديّة وسيطر عليها ودّيًّا. وكتب ابن العاص إلى الخليفة عمر بن الخطّاب يخبره عن فتح مدينة فيها «٤٠٠ قصر، و٤٠٠ حمّام، ۱٢٠٠ تاجر زيوت، و۱٢٠٠ بستاني...» لكنّ الخليفة لم ينتبه إلى أن إرثًا حضاريًّا هائلاً وصل إليه، ورأى الإسكندريّة مدينة إغريقيّة ـ رومانيّة، يستوطنها المسيحيون واليهود واللاأدريون وهي أرض للفسق والتحرّر، الأمر الذي دعا المسلمين الى الاتجاه جنوبًا لبناء عاصمة جديدة كان اسمها القاهرة مدينة العظمة والسيادة. عربي وأوروبيرأى غوستاف فلوبير الإسكندريّة مدينة كبيرة، فيها ميدان القناصل، المقسوم قسمين أحدهما عربي والآخر أوروبي. ورجالها يعتمرون الطربوش وسراويلهم بيض. وفي الشوارع يتجوّل ناس حاملين الفوانيس وأطفال يلهون بالعصيّ. وفي إحدى الحفلات ظهر جمل تغطّيه القروش الذهبيّة، ومن مسلات كليوباترة بدت واحدة منتصبة وأخرى ترقد على الأرض بجانب مركز حراسة. وكذلك بدا عمود بومبيي المصنوع من حجر واحد وفي قمتّه تيجان كورنتية، أمّا المقابر فظهرت بلون الأرض الرماديّة في غياب تامّ للخضرة. وحمّامات كليوباترة كناية عن خليج متواضع في البحر وعلى يساره كهوف. وفي أوّل حمّام تركي انتاب فلوبير إحساس جنائزي «يبدو أنّهم سيحنّطونك».بالنسبة إلى الشاعر جوزيبي أونغاريتي، الإسكندريّة مدينة صنعها عدم الاستقرار، فما من زائر يزورها ليمكث فيها طويلاً، لا البدو ولا بنّاؤو إيطاليا ولا غازلوا قطن ألمانيا. وروى أندريه جيد رحلة له الى الاسكندريّة حيث رأى مسجدًا صغيرًا بلغت تلال الرمل شرفة مئذنته، وجبّانة عربيّة ذات قبور بيضاء، بينها عدد لا يحصى من زهور «ألوفيرا» الصغيرة، ولكلّ زهرة ساقٍ أو أكثر وتعلوها رؤوس أنبوبيّة الشكل، ذات لون أصفر فاتح. وإذا بقطيع ماعز يمرّ فترتع الدوابّ بين القبور. أمّا الشاعر كونستنتينوس كفافيس فشعر أنّ الاسكندريّة سوف تتبعه كيفما سار. وسوف تطارده في المدن كافة لأنّه سيجد الشوارع نفسها ويشيخ في الأحياء نفسها ويبيضّ شعره في البيوت نفسها.وللشاعر جيورجيوس سيفيريس حكايات مع قمر الإسكندريّة الجديد ضامًّا القمر القديم بين مياه بروتيوس حين الشباب يترقّب التحوّلات بينهم. ولِـ أ.م . فورستر تاريخ ساحر مع شوارع مدينة السراب، فشارع رشيد يكتفي بذاته، ينطلق من وسط المدينة ولا أحد يستطيع أن يحدّد نهايته، فهو لغير المتجوّلين العادييّن. أفقه عريض ومتّصل بغير انقطاع، ويلّفه شريط من زرقة السماء وشريط أبيض تحت أقدام العابرين، وعلى جبينه بيوت رتيبة الإيقاع... والشارع أنيق على الطريقة الباريسيّة، يجتازه أناس بأفضل زيّ روحة وجيئة...وإلى هنري ميلر كتب لورنس دوريل يخبره عن الاسكندريّة ليلة الميلاد عام ۱٩٤٣، فهو يعمل في برج صغير، ومحاط بكلّ ما هو أنيق وطريف. وما يزعج أخبار الحرب فحسب. وإنّ هذه السنة هي سنة سقوط اليونان حيث الجوع والمرض والفوضى الداخليّة والقتل والاغتيالات... وفي رسالة أخرى إلى هنري أيضًا يعلن ميلر أنه يعمل في مكتب أنيق للدعاية الحربيّة والمكتب مكتظّ بالبنات الجميلات، وفي الإسكندريّة أكبر عدد منهنّ، ولا ينافسها سوى هوليوود بالجمال الأنثويّ. فالخلطة مما هو قبطي ويهودي وسوري ومصري ومغربيّ وإسباني تأتي بمثل هذه العيون الحوراء السوداء والبشرة الزيتونيّة اللون... «العشق والحشيش والغلمان، هي الحلّ الوحيد لكلّ من انغمس في الحياة هنا أكثر من سنة».ولافتة هي علاقة إدوار الخرّاط بالاسكندريّة، وله تحت سمائها بعض من حياة لا تنسى وفي وصفه إحدى الحارات الطويلة يتحدّث عن إحساسه بالأمان، حيث مصابيح زرقاء متباعدة، وأبواب بيوت مفتوحة و»جماعات صغيرة من العساكر الأفريكان السود الضخام، والانكليز الشقر الناحلي القامات»... وقلّة من أهل البلد الكبار في السنّ بالجلابيب والبلاطي الخفيفة أو البنطلونات يخرجون ويدخلون البيوت بسريّة تامّة. وبار واحد وباب ضيّق، مكتوب عليه بالإنكليزيّة «بار»، وفوق الكتابة لمبة كرويّة حمراء. لفتت أندريه سيمان طبيعة الإسكندريّة، فالسماء خفيفة الغيوم في صباح ربيعيّ، ومن البحر تأتي نسمة منعشة ومالحة قليلاً. وفي الشارع ضجيج وحركة، وفي الأزقّة الضيّقة اكتظاظ سكّاني وتجّار خردة تحت مظلات خضراء وصفراء. ونسيم بارد يعبر الشوارع وينتشر كنور يتكرّر فوق المدينة.في قصيدة الإسكندريّة لبيريكليس مونيوديس تظهر المدينة الرابيّة ناسجة سرور الشاعر، ففي الشوارع والمخابز بقايا من اليونانيّة، والعجوز المصري الذي يغسل سيّارته ينظر إلى امرأة أوروبيّة مبتسمًا وغامزًا بعينيه.المسنّون حليقو الذقن أيضًا، والبنات الصغيرات اللواتي يلعبن قريبًا سيحجبهنّ الرجال، والأثواب البيضاء الواسعة أقمشة في الريح...«الإسكندريّة سراب» سجلّ أسماء كثيرة وُشِمت بسحر مدينة واحدة، وملفّ أنيق يحفظ للأمكنة رونقها الذي إن ذهبت به الأيّام حجرًا وبشرًا فهو لا يزال في ذمّة الحبر الأمين لكلّ ما يخدم رقيّ الإنسان وحضارته.
توابل - ثقافات
يوآخيم سارتوريوس في الإسكندرية سراب... كعجلة كبيرة تدور الى الوراء
13-03-2009