عام 1979، في متجر للقطع الأثرية في أرلينغتون بفرجينيا، لاحظ طالب في كلية الحقوق يُدعى روبرت هغستاد خزانة مصنوعة من خشب الورد وراء منضدة البائع. كم ثمنها؟ سأل هغستاد. أجابه البائع: 600 دولار. فاشتراها، ثم سأله البائع: «ألا ترغب في معرفة ما تحتويه؟»، فرد هغستاد بالنفي.

Ad

اكتشف هغستاد لاحقاً أنها خزانة العجائب، وهي لا تزال في غرفة الطعام في شقته في واشنطن. ما إن تفتحها حتى تكتشف حياة اختصاصي في التاريخ الطبيعي دقيق، مذهل، ومثير للجدل عاش في القرن التاسع عشر.

ترى فيها فراشات وخنافس وعثاً وقواقع، فضلاً عن طائر صغير، ذباب، نحل، حشرات فرس النبي، عناكب، وعش زنبور. إنها عينات جمعها ألفرد راسل والاس.

كان والاس عالِم أحياء ميدانياً لم يأبه يوماً بالشهرة. وربما يوضح طبعه هذا لمَ يجهل كثيرون أنه ساهم في اكتشاف نظرية «التطور بالانتقاء الطبيعي».

الخميس الفائت احتفل العالم بذكرى مولد تشارلز داروين المئتين. وكثيرون لا يعرفون أن والاس طرح الفكرة نفسها التي شهرت داروين. وقد توصل إليها بمفرده بجمعه حشرات من الأرخبيل الماليزي. تُعتبر قصة داروين ووالاس وما جعل اسم الأول مرادفاً لنظرية التطوّر فيما اقتصر اسم الثاني على الهوامش، إحدى أهم القصص في تاريخ العلوم.

قيمة خاصة

قبل سنتين، لم يكن هغستاد نفسه يعرف الكثير عن والاس. فبعيد شرائه الخزانة، اتصل بمتحف التاريخ الطبيعي في لندن ليسأل عمّا إذا كان لهذه المجموعة أي قيمة خاصة. فأكّد له المتحف أن المجموعة تبدو مثيرة للاهتمام وطلب منه الاتصال بمؤسسة «سميثونيان». لكنه سرعان ما فَقَدَ حماسته ونسي المسألة. وخلال السنوات التالية، حمل معه قطعة الأثاث العزيزة على قلبه خلال تنقّله من مسكن إلى آخر: «كنت أعرف أن والاس عالِم أحياء بريطاني مهم. لم أدرك قيمة ما أملكه طوال سنوات. كنت أتباهى بقطعة الأثاث الجميلة هذه أمام الجميع وأخبرهم قصتها».

قبل سنتين، أمل هغستاد ببيع هذه الخزانة فعاود البحث عن مدى أهميتها. في تلك المرحلة، كان والاس استعاد بعضاً من الشهرة التي يستحقها. فتحدثت كتب ومجلات رائجة عن عبقريته غير المعلنة.

طلب هغستاد من خبيرة في الخط مقارنة العبارات الموضوعة قرب أصناف الحشرات في هذه المجموعة بمجموعة والاس الوحيدة المحفوظة في متحف لندن. فأكدت له أن الخط متطابق.

يقول والاس إن «المجموعة لا تُقدر بثمن لأنها فريدة من نوعها». ويوافقه الرأي ديفيد غريمالدي، القيّم على علم الحيوانات اللافقرية في المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي، قائلاً: «أعتقد أنها مجموعة مميزة تشكل كنزاً وطنياً».

تفحّص غريمالدي الخزانة مرات عدة وهو مقتنع أنها حقاً مجموعة والاس. فقد صُممت الخزانة بحد ذاتها، التي تتألف من 26 درجاً مصنفة وفق أحرف الأبجدية الإنكليزية، بالإضافة إلى أنها تتلاءم مع التصميم الذي روّج له والاس نفسه.

وهذا ما يظنه أيضاً ديفيد فورث، مدير المجموعات في قسم علم الحشرات في «سميثونيان». فهو يعتقد أن المجموعة تعود الى والاس، لكنه يود الحصول على دليل إضافي. ويضيف: «من المثير للدهشة أن نعثر فجأة على مجموعة لوالاس هنا في واشنطن».

رغب المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي و{سميثونيان» في شراء هذه المجموعة، إلا أنهما واجها صعوبة في جمع المال في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، حسبما يوضح غريمالدي وفورث. في هذه الأثناء، بدأ هغستاد يولي الخزانة عناية كبيرة، مستخدماً كرات خاصة لإبعاد العث أو أي كائنات قد تلتهم الحشرات الألف والخمسمئة المحفوظة بطريقة غريبة في المجموعة.

غموض

يزداد أصل الخزانة غموضاً كلما عدنا بالزمن إلى الوراء. فقد برهن هغستاد بالوثائق أن أنطوني جوليانو الثالث من صالات عرض دريكسل في فيلادلفيا اشترى الخزانة من متجر لبيع المتاع غير المطالب به. وفي العام 1973، بيعت مجدداً في مزاد علني. وقد وُصفت بأنها تعود إلى «حقبة الإمبراطورية. أدراجها كافة مزودة بأغطية خاصة مصنوعة من الزجاج، وهي مقفلة بإحكام».

لا نعرف كيف انتقلت ملكية الخزانة من والاس. لربما باعها ليحصل على بعض المال، على حدّ تعبير فورث. من المعروف أن هذا العالِم سافر إلى الولايات المتحدة في العام 1886 و1887، وقام برحلة إلى واشنطن. فعبّر في إحدى صفحات مفكرته عن مدى روعة الهندسة في هذه المدينة وأشار إلى أنه رأى «مجموعة السيد يولك من الخنافس الأميركية. إنها ممتازة».

كان والاس جامع عينات متخصصاً، ما يعني أنه أمضى معظم حياته بعيداً عن الحضارة في أدغال نائية وجزر معزولة. خلال إصابته بحمى الملاريا في شهر فبراير (شباط) عام 1858، انكشفت له آلية تعزز بعض الخصال في الأجناس بمرور الزمن. وأصبحت تُعرف في ما بعد بـ{بقاء الأصلح». فدوّن أفكاره وأرسل تقريراً يحدد فيه خطوط نظريته العريضة إلى أبرز عالِم اختصاصي في التاريخ الطبيعي: تشارلز داروين.

صُدم داروين، لأنه كان يعمل على نظرية التطور منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر، إلا أنه لم ينشرها خوفاً من أن تسبب اضطراباً عاماً كبيراً وتسيء إلى زوجته المؤمنة. فخشي عندئذٍ أن يكون جامع حشرات مغموراً سبقه إلى نشر النظرية.

هبّ أصدقاء داروين إلى نجدته. فتدبروا لقاء مع «جمعية لنين» في لندن حيث قدموا «تقريراً مشتركاً» أعده داروين ووالاس، على رغم أن الأخير كان لا يزال في الجهة الأخرى من العالم. فقرأ أحد العلماء مقالاً لم يُنشر ورسالة خاصة كتبهما داروين وحدد فيهما نظريته، ثم قرأ عالِم آخر تقرير والاس. فحوّل هذا الحدث التطور إلى نظرية علمية بارزة. كذلك جعل من داروين صاحب الأولوية العلمية في هذا المجال.

وفيما كان والاس يبحر متجهاً إلى لندن، سارع داروين إلى وضع اللمسات الأخيرة على تحفته، كتاب «أصل الأجناس» الذي نشره عام 1859. لم يشعر والاس بالنقمة والحسد، بل أصبح صديق داروين. حتى أنه استخدم مصطلح «الداروينية» ليصف نظرية التطور. وفي الذكرى الخمسين لتقرير عام 1858 المشترك، ذكر والاس أن داروين يستحق الفضل. وأشار إلى أن هذا العالِم أمضى عقدين في تطوير هذه النظرية، فيما خصص هو لها أسبوعاً، وقال: «لطالما كنت أنا الشاب المستعجل وهو الدارس الدقيق والصبور الذي يبحث دوماً عن كامل البراهين على حقيقة اكتشافاته، لا الشهرة الفورية».

لطالما كان والاس غريب الأطوار. فحاول أن يعمل على مجالات العلم المتطرفة حتى بعد أن قدم مشاركته الوحيدة في نظرية التطور الثورية. وبخلاف داروين، اعتقد أن الانتقاء الطبيعي لا يمكنه أن يعلل وعي الإنسان. حتى أن العلماء بدأوا في نهاية حياته يتجاهلونه معتبرينه غامضاً. لكن أخيراً، أدرك العلماء أهمية إنجازاته ومساهمته البالغة الأهمية في اكتشاف نظرية التطور.

تمنحنا الخزانة في منزل هغستاد لمحة عن فكر والاس. ما لاحظه غريمالدي وفورث أن والاس لم يجمع الحشرات الكبيرة فحسب، بل أيضاً حشرات العث الصغيرة وذبابات تكاد لا تُرى. من هنا يتبين لنا مدى اهتمامه بتنوّع أشكال الحياة. يوضح فورث: «لا تُعتبر هذه مجموعة مذهلة بسبب ما تضمّه من مخلوقات جميلة، كبيرة، وغريبة فحسب. إنها تشكل السبيل الوحيد الذي يتيح للعلم الحديث النظر إلى العالم من منظار والاس».

لا يوافق غريمالدي على الفكرة التي تدور راهناً في بعض الأوساط العلمية والتي تدعي أن داروين اقتبس بعض أوجه نظرية والاس وأنه في الحقيقة سلب والاس ما يستحقه من شهرة، لكنه يؤكد أن والاس يستأهل فضلاً أكبر.

يخبر غريمالدي: «أمضى والاس وقته في الغابات. فعانى الملاريا وغيرها من الصعاب. لذلك يُعتبر عالماً حقيقياً متخصصاً في تاريخ الطبيعة. أما داروين فكانت العينات تُرسل إليه. أعتقد أن والاس كان موهوباً في مجالات عدة، هذا إذا لم نقل أكثر موهبة من داروين».