قدم المخرج التونسي فاضل الجعايبي على مسرح «دوّار الشمس» في بيروت، رائعته الجديدة «خمسون». يضيء العمل على مسألة تنامي المدّ الأصولي الإسلامي والحركات المتطرّفة الممارسة للعنف القاتل في العالم العربي وفي جغرافيات الدنيا. ويسأل عن قيم التسامح الديني وعن مناهضة هذه الحركات لمفاهيم الحداثة والعصرنة وقبول الآخر، والإيمان بالحوار بعيداً عن الإكراه. من أعماله: «العرس»، «الأمثولة»، «غسّالة النوادر»، «سهرة خاصة». وكان قدّم في السنوات الماضية أمام جمهور بيروت أهمّ أعماله المسرحية: «فاميليا»، «عشاق المقهى المهجور»، «البحث عن عائدة»، وحديثاً، عمله الجديد «خمسون» والنص لجليلة بكار، الشخصية المحورية في العمل.

Ad

لماذا خمسون، اليوم؟

لسببين: 1 ـ لأن أصدقاءنا في الكفاح وفي الحلم الطوباوي ليسار متقدم ديمقراطي يؤمن بقيم كبيرة، هؤلاء الأصدقاء يموتون واحداً اثر آخر، في صمتٍ رهيب وتجاهل كبيرين، بسبب تهميش السلطة السياسية لهم، والذين دفعوا ثمناً باهظاً لإيمانهم بأفكارهم. هؤلاء الرفاق تعذبوا في سجون بو رقيبة وخرجوا منها مكسَّرين. لما مات أحمد بن عثمان ونور الدين بن خضر تحدثت مع جليلة (الممثلة ـ الكاتبة، زوجة الجعايبي) حول امكان تكريم روحيهما تذكيراً بما فعلاه لتونس منذ فجر الاستقلال.

2. الزحف «المقدس» للأصولية المتطرفة والتي يتنامى وجودها في تونس، ولا يدور كلام عليها. لقد قررنا أن نحكي عن المسكوت عنه في تونس وكأن هناك خيوطاً سحرية سرية، بين تراجع اليسار وخيباته وصعود هذه الأصولية الإسلامية. لكن تحليلنا يبقى منقوصاً إذا لم نضف عنصراً ثالثاً وهو النظام البورقيبي والنظام الحالي، الَّلذين يتحملان مسؤولية كبرى في تكسير اليسار وتنصيب التيار الإسلامي كبديل له.

هل تصرّ على أن النظام السياسي التونسي هو الذي دفع بالإسلاميين الى الواجهة ليمثل مكان اليسار، أم أن طبيعة الأشياء لا تحتمل فراغاً، فسدَّه التيار الأصولي مع غياب اليسار؟

بالتأكيد، لكن كان من المفروض أن يتصدّى اليساريون العلمانيون لهذا المدّ الإسلامي، لإيمانهم بالفصل بين الدين والسلطة، لكن النظام قمع اليسار ومنع عنه حريات أساسية، ما سهَّل الأمر على الإسلاميين باحتلال مساحة كانت شاغرة في الحياة السياسية ـ الاجتماعية التونسية.

إننا عبر هذا العمل نستعيد مشهد الحياة العامة في تونس خلال خمسين سنة (1956 ـ 2006). وصادف أن العرض الأول للمسرحية «خمسون» على خشبة مسرح الأوديون في باريس، كان في يونيو 2006.نحن نتناول هذه الحقبة من زاويتنا، كمواطنين، ديمقراطيين، عقلانيين، وأن نضع الجميع أمام مسؤولياتهم. إضافة الى ذلك نحن، نستعيد جانباً من الذاكرة الوطنية الحديثة المهمَّشة، بصيغة مسرحية، لأننا فنانون لا نلقي محاضرات ونصوغ بيانات شجب سياسية.

حيال نص شرس، اقتحامي، سمّى الأمور بوضوح ومباشرة، كيف تعامَلَتْ معكم الرقابة في تونس، ومعروف أنها لا «تمزح» في المسائل الشائكة ذات الحساسية؟

في الواقع، منذ ثلاثين سنة لم يقع أيّ اصطدام مع الرقابة بصفة مباشرة ودعني أقول أننا لا نلجأ الى الرقابة الذاتية، لأنها أدهى من رقابة الرقابة، ورقابة الجمهور الذي ينّمط الذوق ويجذبك الى أسفل ويدفعك الى الرقابة الذاتية. على عكس ذلك، كنا دائماً نندفع الى الأمام ونفاجئ الجمهور بجرأة طروحاتنا المسرحية.

هذه المرة يبدو أن السلطة في تونس لم تقبل أن نفضح على الساحة الفنية في باريس العنف الذي تمارسه على اليسار وعلى الإسلاميين، وأعتقد أن الأوديون وافق على العرض لأنناـ في مسرحناـ أعطينا الكلام للإسلاميين وندَّدنا بأشكال العنف الممارس من قبل النظام الماضي والحاضر.

ثمة مفارقة غريبة في المواقف المتباينة بين الرقابة التي كانت متسامحة وموافقة على العمل وبين وزير الثقافة الذي طالبنا بحذف مقاطع كثيرة من النص الأصلي، ما كان سيفرغ النص من مضمونه الأساسي. تصدَّينا لمحاولة تشويه النص، ولم نقبل بأي حذف أو تعديل، ولعلها المرة الأولى منذ خمسين سنة يتصدى فنانون لقرار السلطة بهذه الجرأة. بالواقع كان يستحيل عليّ الرضوخ والتراجع عن مواقفي الفكرية والطروحات التي يجهر بها العمل، بخاصة أن المسرحية تقوم على فكرة حرية التفكير والديمقراطية والتعدد والقبول بالآخر.

«خمسون» عمل مسرحي «مشاكس» بنظر النظام السياسي العربي. كيف تستطيع «العبور» به في مسارح المدن العربية، وتونس خاصة؟

يبدو لي أن لا مجال للمساومة مع الحرية ومع النزاهة الفكرية والسياسية ومع الوعي. اعتبر أن المواطن العربي له الحق بالتمتع بفرجة ذكية وعمل جدلي، لا يؤمن بالاقصاء والتهميش ويندِّد بالتضليل.

ما يحصل عندكم في تونس شبيه بأحوال الكثير من المجتمعات العربية، فالمدّ الإسلامي الأصولي في تصاعد في غير عاصمة عربية. إنها حالة عامة، لماذا التركيز على تونس في هذا الموضوع؟

كنا نعتبر أن الحالة الإسلامية موجودة في أنحاء العالم العربي إلاّ في تونس. اكتشفنا متأخرين أن الواقع عكس ذلك تماماً، فهي متفشية في مجتمعنا التونسي، والخطورة في التعتيم عليها. لم يعد مسموحاً التعامي عن الموضوع. علينا أن نتحدث بصوت عالٍ وأن نفهم ماذا يحصل وما هي الأسباب والأهداف البعيدة لهذا المد الأصولي.

ما حقيقة مخاوفك من هذا المد الإسلامي الأصولي؟

أنا إنسان علماني، أؤمن قطعياً بفصل السلطة عن الدّين. عندما كتبنا هذه المسرحية كنا نرى أموراً كثيرة مختلفة عن المفهوم السائد. عندما قلنا في المسرحية «كي لا تلبس ابنتنا الحجاب» لم نكن نعني الحجاب الظاهر. فالحجاب في نظري لا يصنع التطرّف، التطرّف أنواع والإسلام أيضاً أنواع. وطرحنا مشاكل متعلّقة بالإسلام الحنيف والمتصوّف والأصولي العنيف.

كل ما أخشاه أن تتحوّل تونس التي قامت مع بورقيبة على مبادئ العلمانية، تأثراً بنهج تركيا الأتاتوركية، هذه الـ تونس التي تمتعت فيها المرأة بكامل حرياتها مثلاً. أخاف على ضياع هذه المكتسبات التي يحميها الدستور!!!

تسألني عن مخاوفي؟ إذا وصل الإسلاميون الى السلطة أخشى أن يفرضوا «الشريعة» كدستور بديل لتونس العلمانية التي تمتعنا زماناً طويلاً بها. وبالتالي أخشى على التطور الذي تحقق ونصل الى إفلاس حقيقي على مستوى الإعلام والثقافة وحريات التعبير الفكرية والفنية.

هل يمكن للفن أن يدافع عن هذه المكتسبات الإنسانية. هل تعتقد أن للمسرح عامة، ولفاضل الجعايبي تحديداً، امكان لعب دور في توعية ما، في نشر أفكار التسامح والديمقراطية، وكيف تفهم دور المسرح في عجلة تطور الحياة في تونس وخارجها؟

قال بيسكاتور إروين (مخرج سينمائي ومسرحي الماني 1893 ـ 1966 ـ أدخل تقنيات العصر كعناصر تجديدية على خشبة المسرح) أواخر العشرينات يوم بدأ في أوروبا الزحف النازي والفاشي ينتشران في ايطاليا والمانيا، قال: «لا يكفي أن يتحدث المسرح عن الواقع، من المفروض أن يساهم في تغييره».

أتبنى هذه المقولة تماماً واعتبر أن المسرح يساهم في تغيير الواقع لا الاكتفاء بالإضاءة عليه، شرط أن يكون المسرح صادقاً، نزيهاً، يتحكم في آليات حديثة ويسمّي الأمور ويخاطب عقول الناس لا غرائزهم. المسرح، كالموسيقى، كالكتاب، كالسينما كسائر الفنون، يستطيع أن يطرد «الوحش» من الإنسان، وإلا سيموت العالم.

في سبعينات القرن قمتم في تونس بمحاولة تطويرية حداثية للمسرح عبر «مسرح جنوب قفصة».اين أصبحت هذه الحركة اليوم، أين الجعايبي وسائر الرفاق، جليلة بكّار، توفيق الجبالي، محمد ادريس، وبن عمّار؟

حاولنا ولا نزال نحاول الدفاع عن مسرح رائد، راقٍ، متقدم، متجدّد يواصل ويقطع مع النماذج السائدة ويقترح البديل، أخشى أن نكون قد أخفقنا الى حدّ ما، في تسليم المشعل الى الجيل الجديد. حاولنا جاهدين وأخذنا على عاتقنا تثبيت الطروحات والجماليات الجديدة في السبعينات، لإرساء مسرح بديل، وأثبتنا أن الصعوبات لا تأتي من اشكاليات مادية فحسب بل من مسألة فكرية. لقد حرَّكنا سواكن الجمهور، وكنا نخاطب فئة قليلة من النخبة، اليوم أصبح المسرح الذي أدافع عنه مسرحاً نخبوياً وللجميع في آن، لأن «خمسون» و«جنون» و«سهرة خاصة» و«فاميليا»، كل هذه الأعمال المسرحية أكّدت أن جمهوراً واسعاً يقبل على حضور أعمالنا ويتفاعل معها، واستحدثنا منابر للنقاش بعد العروض، وأعطينا أهمية ضرورية لحرية التعبير. هذه أمور صارت واقعاً نمارسه بشكل دائم مع جمهورنا، غير أنني أعترف بأن الحال الميدانية للمسرح اليوم في تراجع. ثمة شركات انتاج كثيرة، الى فرق مسرحية متنوّعة، هناك دعم نسبي للانتاج والتوزيع لكن الكيف تقلّص.

الا تتحمّلون قسطاً من المسؤولية عن هذا الوضع المأزوم؟ أليس في الأمر تقصير؟

بطبيعة الحال. نحن نعترف بمسؤوليتنا لأننا لم ندافع بالقدر المطلوب. لكن السلطة أيضاً لم تتحمّل معنا الأعباء بشكل كامل. نعم لقد قصّرنا في بعض المواقع، ربما كنا أنانيين، غافلين لكن نؤمن بالعمل النقابي، لكنني أنوه بأن مسرحية «خمسون» تسببت في تأسيس نقابة تدافع عن المهن الدرامية في العام 2007 على رغم أن نقابة مشابهة قامت في خمسينات القرن الماضي ثم اندثرت. فهمنا اليوم، أنه لم يعد يكفي الاهتمام بأعمالنا المسرحية وانتشارها وتيسير العروض فحسب، بل علينا السعي لإصدار قوانين تحمي البنى التحتية للمسرح والحريات الحقيقية، لأن المسرح كان ضحيّة القمع ومصادرة الحريات ودفعنا ثمناً باهظاً. لكن الفرق هو أننا دافعنا بكل قوانا، غيرنا استكان ومدّ يده أو خاف وهرب!! المسؤولية اصبحت جماعية لكي يتواصل ربيع المسرح الذي تشهده تونس.

كيف يتعامل جمهور الإسلاميين مع مسرح الجعايبي؟

الإسلاميون الذين يعرفون مسرحنا، يعون تماماً أننا ضد الإسلام السياسي بكل أشكاله، لكنهم حضروا بكثافة لحضور عروضنا، لأننا أعطيناهم الكلام على خشبتنا، لأننا نريد سماع طروحاتهم ونتناقش بوضوح وحرية ولو لم نتفق.