على إثر نشر أعمال مروان حص الشعرية في بيروت لدى «دار النهار» في ترجمة وتقديم للناقد أنطوان جوكي، بدأت الصحف اللبنانية الكتابة عن الشاعر اللبناني- الفرنسي كما لو أنها تكتشفه للمرة الأولى، شاعراً جديداً ينضم الى «نجوم» الشعراء بعد سنوات من الغبن الصحافي، قد يجد حص نفسه أكثر سعادة بعيدًا عن هذه الأجواء المشحونة بلعبة الأخوانيات والمجاملات.

Ad

المفارقة أنه، على الرغم من كون حص صاحب مسارٍ ساطعٍ في العالم العربي ­ مسار على خطّين متوازيين ومتكاملين، الشعر وتجارة الفن _ وانجازاته التي أعجِب بها ودافع عنها شعراء وفنانون كبار في باريس، مثل رنيه شار وبيار سولاج، ما زالت هذه الشخصية المثيرة شبه مجهولة في عالمنا العربي، بل حتى داخل المحيط الفرانكفوني منه. يشهد على هذا الجهل (أو الإهمال) غياب اسمه من جميع الأنطولوجيات التي خُصِّصت للشعر الفرانكفوني اللبناني أو العربي لغاية اليوم.

يكتب أنطوان جوكي في مقدمة ترجمته أن حص وُلد في بيروت عام 1948، من أب لبناني وأم إيطالية ونشأ داخل بيئة برجوازية. أتمّ دراسته في كلية البروتستانت الفرنسية، ثم لدى «البعثة العلمانية الفرنسية» (الليسيه)، قبل أن ينتقل إلى الانترنشيونال كوليج (I.C) التابع للجامعة الأميركية. في بداية مراهقته، مرضت أمّه التي كان شديد التعلّق بها، ثم توفّيت وكان في الخامسة عشرة من عمره. للتعبير عن مشاعره وأفكاره إزاءها، وهي على فراش الموت، ومواجهة وقع مرضها عليه، كتب حص أولى قصائده.

بعد وفاة والدته انصرف إلى قراءة شعر سان جون برس وشار ورامبو وفرلين وسوبرفييل. في تلك الفترة، افتُتن بشعر جورج شحادة، فالتقاه مرّات في السفارة الفرنسية، وتردد على الشاعرين فادي نون وفؤاد غابريال نفّاع الذي ترك ديوانه الأوّل أثراً بالغاً فيه ووصفه حص «بالنبع الكبريتي المنبثق كماءٍ من الصخر، خارج أي سياق شعري». أما قصائده الأولى فكتبها في الثامنة عشرة من عمره وجمعها في ديوان «شغف»، صدر عن دار «النهار» وقدمت له الشاعرة ناديا تويني، ثم أنكره بسرعة، إذ وجد قصائده متأثرة بقراءاته الشعرية المفضّلة آنذاك.

الوالد

عام 1968، سافر إلى باريس للدراسة، فانقطعت علاقاته تدريجياً بالساحة الشعرية الفرانكفونية اللبنانية، بسبب انغماسه في نشاط فكري وثقافي كثيف، ولدى صدور ديوانه الأول «الرامي المنعزل» (1971) عن دار GLM الباريسية، انتكست علاقته بجورج شحادة الذي، بدلاً من أن يفرح له بهذا الإنجاز، لم يرتح للأمر وعبّر أمام أصدقاء مشتركين عن انزعاجه من صدور ديوان حص المذكور عن الدار التي اضطلعت قبل ذلك بمهمة نشر دواوينه.

تعرّف حص الى مجموعة من الكتّاب والمثقّفين وانطلق في تنظيم المعارض الفنية والأدبية التي استقطبت جمهوراً نخبوياً، مثل شار وسولاج وبرنار نويل وأندريه بارينو وفؤاد العتر وكثيرين غيرهم.

أما أول اتصال بين حص وشار فكان عام 1969 لدى إرسال حص مجموعة من قصائده الأولى إلى مثاله الأكبر في الشعر، الذي رد عليه برسالة شعرية في 12 أوكتوبر (تشرين الأول) من العام ذاته. لكن علاقتهما انطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1970، على إثر إرسال حص مخطوط «الرامي المنعزل» إلى شار. بعد يومين فحسب، استلم رسالة من الشاعر الفرنسي يقول له فيها: «يعرض «الرامي المنعزل» وجهاً من النعمة، في عالمٍ يطرد كابوسه ويدعونا إلى مكانٍ جديد. يسعدني أن أكتب إليك كم أن قصائدك تشدّني، بل تكشفني أيضاً لنفسي، في عمر الكَدَر الداكن. شكراً لك. آمل أن أفتح لك ذات يومٍ باب منزلي». بعد بضعة أيام، التقى الاثنان في دار شار في باريس، فكتب هذا الأخير أمام ضيفه رسالةً وضعها في مغلف مع المخطوط المذكور وطلب من حص الاهتمام شخصياً بإرساله إلى الناشر والشاعر غي ليفي مانو، القيّم على أعمال دار GLM. لدى خروجه من منزل شار، لم يتمكّن حص من مقاومة فضوله ففتح المغلف لقراءة الرسالة وسحب نسخة له عنها، ثم أعادها إلى المغلف قبل أن يسلمه إلى الناشر. في تلك الرسالة، كتب شار: «عزيزي غي، أرسل إليك قصائد شاب لبناني. اقرأها بعينيك، شقيقتَي عينيّ». بعد أسبوعين، استدعاه الناشر وأبلغه قرار نشر ديوانه.

إلى جانب شار، ارتبط حص، خلال تلك الفترة، بصداقة وثيقة مع الفنان الفرنسي بيار سولاج الذي فتح له أبواب «غاليري فرنسا».

بعد ديوان «الرامي المنعزل»، أصدر حص خمسة دواوين صغيرة هي: «ميسين حيث أذهب» (دار «فاتا مورغانا»، 1980)، «عودة الثلج» (دار «أرفويان»، 1982) الذي نعثر فيه على قصائد الديوان السابق إلى جانب قصائد جديدة، «الغائبة المستعادة» (دار «أرفويان»، 1991)، «قطائع» (دار «بوزا»، 1998) و{تمزّقات» (دار «أرفويان»، 2004).

عام 1995، على إثر حالة اكتئاب خطيرة، عرفت حياة الشاعر مرحلة اضطرابٍ عميق تجلّت آثارها مباشرةً في ديوانه الأخير الذي يحمل الافتتاحية الآتية: «كُتبت تلك القصائد بعد مرضٍ طويل اكتست فيه الشمس ألوان الليل، والليل ألوان الفجر الأبيض. كانت عيناي مفتوحتين، لكني لم أكن أبصر شيئاً. كانت الدموع تشتِّت نظري». ديوان الألم والدوّار بامتياز، نقرأه كدفتر يوميات تشكّل القصائد فيه ممارسة حياة، أو بالأحرى ممارسة بقاء. كل كلمة في هذا الديوان هي خشبة تشبّث بها حص لئلا يغرق، وكل قصيدة هي جرعة هواء حالت دون اختناقه. في مكانٍ ما في داخله يقول: «الكتابة / تتوسّط بين الوعي والجنون».

الرسم

يهتم حص بالرسم، ولعلّ صيته كصاحب غاليري للرسم تحمل اسمه في باريس، يغطّي على موهبته كشاعر.

كان حص أصدر للتوّ مجموعته الأولى حين تعرّف إلى الفنّان بيار سولاج وارتبط معه بصداقة وثيقة في مكتبة Le Soleil Dans La Tête التي كان يتردّد عليها نخبة الكتّاب والفنانين، وكان حصّ يعمل فيها إلى جانب دراسته الجامعية.

عام 1976، دعاه سولاج للعمل في «غاليري فرنسا» التي تحتل مبنى يتألف من ثماني طبقات في باريس. في البداية، أدار مروان حص قسم الصور المطبوعة، ثم عُيِّن مديراً عاماً للغاليري عام 1978. تمثّل جزء من نجاحه في اكتشاف وتقديم مجموعة من الرسامين الشباب الذين صاروا أسماءً لامعة لاحقاً، ومن هؤلاء نذكر: خوليو غونزاليس، زوران مزيك، بابلو غارغالو، زاو وو ـ كي. أسس عام 1981 غاليري خاصة به اشتهرت بسرعة، إذ استقبلت معارض شخصيّة لجياكوميتي وفرانسيس بيكون وآرشيل غوركي وهانز هارتوغ وجوزيف هايدن...