بعد دورة مخيبة للآمال عام 1900 وأخرى كارثية عام 1904، فتحت لندن ذراعيها باهتمام غير مسبوق واستضافت الألعاب الأولمبية بنسختها الرابعة ما بين 27 أبريل و31 أكتوبر من عام 1908، لكن الافتتاح تم في 13من يوليو، بحضور العائلة الملكية، وكانت الدورة مدرجة، شأن النسختين السابقتين، ضمن معرض كان هذه المرة فرنسيا-بريطانيا مع فارق كبير، إذ إن المنظمين حرصوا بشكل شديد على عدم ذوبان الألعاب ضمن فعاليات المعرض بشكل يضيع هويتها، كما حصل عامي 1900 و1904، فأولوا اهتماماً بارزاً بالأحداث الرياضية، فلاقت رواجاً واستحساناً وإقبالاً جماهيرياً، وأقيم بغية استضافة الألعاب صرحاً رياضياً خاصاً للأولمبياد، ونجح البريطانيون في تنظيم حدث ممتاز بما صنعوه وبزمن قياسي، أدخلوا فيه ألعاباً شتوية لأول مرة، وقسموا المسابقات على أربع مراحل زمنية وفقاً للفصول والشهور.
شكلت دورة ألعاب 1908، التي أقيمت في لندن، بداية التغيير في ما يتعلق بالأنظمة والقواعد المتبعة في المنافسات، وكانت الأولى التي تشهد طابور عرض حيث مرت كل بعثة خلف علم بلدها، وتسفر عن نتائج متقدمة فنيا.وكان المفروض أن تقام «الألعاب» الرابعة في العاصمة الإيطالية روما، لكن نظرا الى صعوبة التجهيزات اقترحت لندن لتكون المدينة البديلة، وهذا ما حصل. فأجريت بمشاركة 2034 رياضيا بينهم 36 امرأة يمثلون 22 بلدا، منها أيسلندا ونيوزيلندا التي شارك أفرادها مع بعثة استراليا، وروسيا وفنلندا (المشاركة مع روسيا القيصرية)، وتركيا، وهي دول دخلت «الألعاب» للمرة الأولى.المسابقات والألعابوشملت المسابقات الملاكمة والدراجات والجمباز وألعاب القوى والزوارق الشراعية واللاكروس والركبي والرماية وكرة المضرب والرقص على الجليد وكرة القدم والمصارعة وكرة الماء والتجديف واليخوت والسباحة والغطس والبولو والكريكيت والقوس والنشاب والمبارزة والهوكي على العشب... وأجريت عروض لدراجات ركيزتها دولاب عملاق كانت شائعة وقتذاك.وكان عدد المشاركين أكثر من مجموع الذين تنافسوا في الدورات الثلاث السابقة، ودانت صدارة الميداليات في النهاية لبريطانيا برصيد 56 ذهبية و48 فضية و37 برونزية، وحلت الولايات المتحدة ثانية (23-12-11) والسويد ثالثة (7-5-10)، ولم تحصل كل من إسبانيا وتركيا وسويسرا على اي ميدالية.وأقيمت الألعاب خلال يوليو على هامش المعرض الفرنسي - البريطاني الذي نظم من 27 ابريل إلى 31 أكتوبر.انحياز الحكامفي 15 مايو انطلقت التحضيرات متسارعة للألعاب التي حققت نجاحا نسبيا رغم الأمطار المستمرة والانحياز الكبير من قبل الحكام البريطانيين، ما مهّد للاستعانة بحكام من جنسيات مختلفة بدءا من الدورة الخامسة.وللتخفيف من وطأة الانحياز العلني، قال مطران بنسلفانيا خلال عظة ألقاها في كاتدرائية القديس بولس في لندن «المشاركة أهم من الفوز» جملة شهيرة كرسها البارون بيار دو كوبرتان لتكون هدف الألعاب وغايتها الأسمى.عند الساعة الخامسة من مساء 13 يوليو 1908، أي الوقت المحبب لدى الإنكليز لارتشاف الشاي، أعلن الملك ادوارد السابع وزوجته الروسية الأصل الكسندرا افتتاح الألعاب أمام 70 ألف متفرج وبحضور الأميرين، جورج الخامس وادوارد الثامن، عاهلي المستقبل، واثنين من المهراجا وسفراء الدول الأوروبية.مراسم الافتتاح أقيمت في استاد وايت سيتي (شيبرد بوش)، الذي شيد في غضون عشرة اشهر، وبلغت تكاليفه 60 ألف جنيه، على أرض كانت مرعى ومنازل متواضعة تأوي نحو 1800 نسمة، والذي بني مكانه عام 1984 مقر الإذاعة البريطانية الجديد «بي بي س».وضم الاستاد مضمارا للدراجات طول لفّته 630 م، وكانت المرة الأولى التي تقام فيها سباقات السباحة في حوض خاص بلغ طوله 100 م وعرضه 15 مترا، وشهد تحطيم الاميركي شارل دانيال الرقم العالمي لسباق 100 م حرة، وعرف سباقه باعتماد طريقة سباحة الصدر للمرة الأولى. وفي نزالات المصارعة اليونانية - الرومانية للوزن المتوسط، بلغ السويديان فريسيوف مارتنسون وموريتس اندرسون المباراة النهائية، لكن المواجهة أجلت يوما ليبرأ الأول من إصابة تعرض لها، ما سمح له بالفوز.هيمنة أميركية على ألعاب القوىوواصل الاميركيون هيمنتهم على ألعاب القوى، وبرز هاري بوتر في الوثب العالي، فتجاوز ارتفاع 1.90 م محطما الرقم القياسي العالمي.وفي سباق الـ400 م، توّج الملازم الاسكتلندي ويندام هولسويل مسجلا 50 ثانية، لكن المفارقة انه خاض السباق بمفرده، وكانت المرة الأولى والأخيرة في تاريخ الألعاب.والسبب ان الحكام أرجعوا الاميركيين روبنز وكاربتنر إلى الحارة الثامنة بعدما أتهما بإعاقتهما الاسكتلندي ودفعاه عند خط الانطلاق، فاحتجا ورفضا خوض السباق.ومسابقة شد الحبل كانت لا تزال من الرياضات الأكثر شعبية في الدورات الاولمبية وأسفرت عن فوز فريق شرطة المدينة على الاميركيين، الذين احتجوا واتهموا الإنكليز بالاستعداد طويلا للمناسبة، فكان ان اقترح المنتصرون إعادة المباراة على ان يواجهوا فيها منافسيهم حفاة الاقدام، غير ان المحتجين رفضوا العرض.سباق الماراثونأما سباق الماراثون الذي اجري في 24 يوليو فلقصته نكهة خاصة جدا، جعلت منه فاكهة الدورة، ومن الإيطالي بيتري دورا ندو (1.59 م) بطلا خاصا لأنه خطف الأضواء والشهرة من الفائز الرسمي الاميركي جون هايز.انطلق السباق من امام حضانة قصر ويندسور لتتمكن العائلة المالكة من متابعة وقائعه، وحدد الوصول في الاستاد في مواجهة المنصة الملكية، والمسافة الدقيقة بلغت 26.385 ميلا أي 42.195 كلم، علما بأن طول مضمار الجري في «وايت سيتي» 536 م.وتعين على المشاركين جري 26 ميلا على الطريق و385 ياردة على المضمار لينهوا السباق في مواجهة المنصة.انطلق 56 عداء وبينهم بيتري حامل الرقم 19، إثر طلقة بندقية بنتلي للورد ديسبورو رئيس اللجنة الاولمبية البريطانية.وسريعاً تصدر الاسكتلندي توماس جاك والإنكليزيان فرد كورد وجاك برايس، كوكبة الطليعة وصودف أن كان الطقس حارا للمرة الأولى في فترة الألعاب... ولاحقا «تزعم» الخط الأول الجنوب إفريقي شارل هيفرسون، لكن سرعان ما تغيرت المجريات عن ظهور «الإيطالي القصير» في الصدارة، ويقال إنه دخل المضمار مخمورا من مشروب منشط تناوله، فراح يعدو مترنحا وبدلا من ان يتجه يسارا، دار ناحية اليمين وتعثر فوقع ثم نهض وحاول إكمال الأمتار القليلة الباقية فتعثر من جديد ووقع أربع مرات على التوالي، وبدا وكأنه لا يدرك أين خط النهاية ولا يرى وجهته، فسارع طبيب السباق بوغلر ومسؤول التنظيم جاك اندرو ومساعدون آخرون منهم آرثر كونان دويل مبتكر شخصية تشارلوك هولز الشهيرة، والمذيع عبر مكبر الصوت، بمساعدته لبلوغ نقطة الوصول، وحلّ الاميركي هايز خلفه بـ32 ثانية.غير أن بعض المعلقين، الذين عاشوا الحادثة وما تناقلته وسائل الاعلام حينها، يؤكدون ان بييتري أصر على إكمال السباق من دون ان يتناول شيئا، لذا بلغ الأمتار الأخيرة وقد أدركه الإعياء وشعر بدوار ولم تحمله قدماه على الصمود، لذا أسعف بالاحياء القلبي ونقل إلى مستشفى هامرسميت، ليصبح أول رياضي يكاد يفقد حياته خلال الألعاب.ونتيجة «المساعدة الإنسانية» التي تلقاها بييتري أقصته لجنة الحكام وأعلنت هايز فائزا... وفي اليوم التالي أصرت الملكة الكسندرا على حضوره حفلة التتويج التي منحت فيها كلا من الفائزين ميدالية وشهادة تذكارية وغصن سنديان من حديقة ويندسور... وخصّت بييتري الذي قيل إنه كان نادلا في احد مطاعم حي سوهو، بكأس ذهبية وواسته قائلة له: «آمل ألا تحمل معك ذكريات سيئة من بلدنا».ولاحقا، امتهن بييتري جري سباقات المسافات الطويلة وفاز في ماراثون نيويورك في 28 نوفمبر من العام ذاته، وثأر من هايز بعدما تجاوزه بفارق 45 ثانية، وسجل آخر انتصاراته في ماراثون غوتبورغ السويدي عام 1912، ثم عاد إلى بلاده وقد جمع ثروة بددها بسبب سوء إدارته وطباعه الفظة، وعمل سائق أجرة وتوفي عام 1942.«باريس 1900»: المنافسات التي غابت في زمام المعرض العالمي فشل تنظيمي ومشاركة نسائية استضافت باريس دورة الألعاب الأولمبية الثانية عام 1900، وذلك وفقاً لاتفاق سابق جرى في المؤتمر الأولمبي الأول عام 1894، إذ أعطيت أثينا حق الاستضافة الأولى، وباريس الثانية، علماً بأنه أثناء انعقاد الدورة الأولى في اليونان عام 1896 طلب اليوناني ديميتريوس فيكيلاس رئيس اللجنة الأولمبية وقتذاك أن تنعقد الدورة كل أربعة أعوام في أثينا فقط، لكن كوبرتان عارض الفكرة بشدة، معتبراً أن أهداف اللقاء الأولمبي تنتفى حين تنعقد الدورة فقط في اليونان. لم تشهد الدورة الثانية أي حفل افتتاح أو اختتام، ذلك أنها أقيمت كجزء من معرض باريس الدولي وقتذاك، الأمر الذي أثر سلباً في الدورة وأفقدها أي قيمة، فكانت باهتة طويلة إذ استمرت منذ 14 مايو حتى 28 أكتوبر من عام 1900، لم تثر الاهتمام، مما دفع كوبرتان الى القول إن استمرار الحركة الاولمبية بعد هذه الدورة يكاد يكون معجزة.وكادت هذه الدورة تقضي على الفكرة الاولمبية، إذ إن لجنتها المنظمة التي كانت تابعة لنظيرتها المشرفة على معرض باريس الدولي الذي امتد أشهراً مستقطباً الملايين، لم تستخدم كلمة اولمبية في المسابقات، وحل مكانها في تقرير اللجنة المنظمة الرسمي «مسابقات دولية في التمارين البدنية والرياضة»، أما الصحافة فكانت تائهة بين تسميات متعددة، «الألعاب الدولية» و«بطولة باريس» و«البطولات الدولية» و«غران بري معرض باريس» وغيرها، مما أصاب كوبرتان بالإحباط وهو الذي اعتقد أن تزامن الحدثين سيمنح الاولمبياد المزيد من الشعبية، لكن النتيجة جاءت بجهل العديد ممن شاركوا في هذا الاولمبياد، أنهم خاضوا ألعاباً أولمبية حتى ممن فاز منهم! أرادت فرنسا أن تظهر فخرها بما آلت اليه «إمبراطورية توسعها» في العالم، لاسيما في إفريقيا، فرأت السلطات العليا أنه لا ضرر البتة في ان تقام الألعاب الاولمبية الثانية المقررة في باريس في إطار المعرض العالمي... وهي أولى إشارات المزج بين المصالح والطموحات والغاية من جعل الرياضة مرآة الشعوب، تعكس تطورها ونهضتها.وإذا كانت البادرة وقتذاك بريئة مما غلّف الرياضة في السنوات التالية، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الوعي الهادف إلى استغلال الفرص وانتهاز المناسبات متجذر في التكوين الإنساني على مر العصور.بعد النجاح الذي تميزت به الألعاب الأولى اعتقد كثر أن أثينا وأولمبيا ستكونان مركزا دائما للمنافسات المنبعثة من التاريخ العريق، لكن اللجنة الاولمبية وتكريما لمؤسس الألعاب الحديثة البارون بيار دو كوبرتان ارتأت أن تقام الألعاب التالية عام 1900 في فرنسا وتحديدا في العاصمة باريس.مشاركة 11 امرأة وتشارلوت أول بطلة أولمبيةانطلقت المنافسات في 20 مايو واستمرت حتى 28 أكتوبر، كونها ذابت في المعرض العالمي. وشارك فيها 133 رياضيا بينهم 11 امرأة من 21 بلدا.والبلدان الجديدة في عائلة المسابقات هي: بلجيكا وبوهيميا وهايتي واسبانيا وايطاليا وكندا وهولندا والنرويج، والهند أول بلد آسيوي يشارك في الألعاب التي شهدت مسابقات في الدراجات والجمباز والغولف والتجديف والفروسية والكريكيت والسلاح وألعاب القوى واليخوت والسباحة والركبي والرماية والتنس وكرة القدم.وتبارت السيدات في التنس والغولف، ويسجل التاريخ أن البطلة الاولمبية الأولى هي إنكليزية وتدعى تشارلوت كوبر التي حصدت ذهبية الفردي في التنس والفضية في النروجي المختلط مع رجينالد دورثي.وفي حين حلت فرنسا أولى في ترتيب الميداليات برصيد 26 ذهبية و36 فضية و33 برونزية، لم تحصل اليونان وهايتي واسبانيا على أي ميدالية.لقد حجب المعرض المتعدد الأهداف، الذي دشّن به الرئيس إميل لوبيه عهده، الالعاب، لاسيما أن مناسبات جانبية كثيرة اخترقت الاهتمام، ومنها زيارة قيصر روسيا الكسندر الثالث الذي حضر ليجسد التحالف بين الدولتين ويدشن الجسر فوق نهر السين الذي حمل اسمه.وقد استخدمت قوارب الإنقاذ والنجاة لسباقات التجديف، وأضيفت العاب ترفيهية موازية مثل الصيد في نهر السين، والتزحلق على الجليد. الدورة لم تشهد كلمات بروتوكولية أو حفلة افتتاح، ووحدها ألعاب القوى حافظت على مثلها ومثالياتها من خلال اقامتها في نادي «راسينغ كلوب دو فرانس»، حيث تبارى نحو 600 رياضي، دورة همّش خلالها ما نادى به دو كوبرتان وسعى الى احيائه، لكن لحظاتها حفظت سينمائيا للمرة الأولى من خلال الاختراع الجديد.ويصف المؤرخ لويز فان لي أحد الذين عاصروا تلك الألعاب، بأنها كانت «استثنائية وأشبه بكرمس وحفلات، بعض فقراتها حفل بالمنافسة والبعض الآخر بالترفيه والتسلية والأشياء الغريبة».إمكانات وأدوات وتجهيزات متواضعةوإلى تواضع الامكانات وعدم دقة الأدوات والتجهيزات. سجلت ظاهرة اللباس غير الموحد، وبسببه أحدث العداء الاميركي ماكسيم لونغ من جامعة كولومبيا لغطا بين الحضور الذين تابعوا سباق 400 م، إذ كان يرتدي قميصا مخططا بالأبيض والسماوي هما لونا نادي «راسينغ كلوب دو فرانس»، فهلل الجمهور فرحا قبل أن تظهر الحقيقة».واختيرت مساحة رمي القرص في وسطها شجرة ما أعاق مخطط الاميركي شيلدرن الذي لم يقو على رمي الثقل أكثر من 36.04 م كونه أعسر والشجرة من الجهة اليسرى... واستفاد الهنغاري رودولف بور من هذه الثغرة الاستراتيجية ليحقق 38 م ويفوز بالذهب.ومرة جديدة، كانت لسباق الماراثون حصة... وبطلها في باريس كان ابن المدينة والخبير في شوارعها وأزقتها ميشال ثياتو، ويعود تفوقه إلى معرفته الضليعة بأماكن المسار المحدد للسباق كونه عمل في إيصال الخبز إلى المحلات والمنازل قبل ان يعمل في الحديقة العامة، وبعض النصب والأشجار الباسقة الصامدة حتى الآن زرعتها يداه. ويغمز البعض من قناته ويتهمونه باعتماد اقصر الطرق لبلوغ خط النهاية وحصد التتويج (2.59.45 س).ألبرتو براغليا (1883-1954) من أبرز الذين شاركوا في الألعاب الأولمبية، لاعب الجمباز الإيطالي، تدرب في مزرعة بشكل منفرد حتى سن الثانية عشرة، فاز بمسابقة الفردي العامة على كل الأجهزة، عانى في حياته من مشاكل عصبية أثرت عليه نتيجة موت ولده في سن الرابعة، وتعرض لإصابات عدة أبرزها، كسور في الكتف والأضلاع. وطرد من الاتحاد الإيطالي للجمباز، لكونه اعتبر محترفاً إثر تقديمه عروضا أمام العامة، ثم عاد هاوياً عام 1912 حين فاز بالذهبية مرة أخرى في أولمبياد استوكهولم وقتها. راي أوري: بطل مجهول للكثيرين مع أن مسيرته كانت مميزة، ومع أن سجله يضم 8 ميداليات ذهبية أولمبية، يبقى راي اوري مجهولا بالنسبة الى كثيرين.ولد ريموند كلارنس اوري في 14 أكتوبر في لافاييت بولاية انديانا الأميركية، وقد واجه صعابا منذ نعومة أظفاره، وأصيب بالشلل عندما كان في الثانية عشرة، ولم يستعد القدرة على استخدام ساقيه الا بعد خمس سنوات. ومع ذلك استحق لقب «الرجل المطاط» نظرا إلى قدراته الهائلة التي سمحت له بالتفوق في ثلاث مسابقات خلال ثلاث دورات أولمبية، فقد فاز بالوثب العالي والوثب الطويل والوثبة الثلاثية في باريس وسانت لويس ولندن. ولم يقف حائلا في وجه المزيد الا الغاء مسابقة الوثبة الثلاثية من دون ركض في دورة 1908.واللافت ان الرياضة ومنجزاتها (15 مرة بطل الولايات المتحدة) لم تمنعه من متابعة اهتمامات أخرى في حياته، فقد حصل على دبلوم في الهندسة الميكانيكية، وعمل مع سلطات مدينة نيويورك كمهندس هيدروليكي.وإذا كان البارون بيار دو كوبرتان جهد من خلال الحركة الاولمبية لتثبيت مزايا الرياضة وقيمها، فإن اوري الذي توفي في 29 سبتمبر 1937 عن 63 عاما، كان أبرز مثال على ذلك. أوسكار شوان (1847-1927) فاز الرامي السويدي أوسكار شوان بأول ميدالية ذهبية أولمبية له عن عمر ستين عاماً في لندن عام 1908، علماً بأنه حقق ذهبيتين وقتها، أولاها في الفردي والثانية في الفرق، ثم عاد وفاز ببرونزية وذهبية في أولمبياد استوكهولم 1912، كما عاد واشترك بعد نهاية الحرب العالمية الأولى عن عمر 72 عاماً و279 يوماً في الألعاب الاولمبية عام 1920 ففاز بفضية، ويعتبر أكبر بطل أولمبي إطلاقاً يفوز بذهبية، كما أنه الأكبر الذي يفوز بميدالية أولمبية من أي لون كانت. «سانت لويس» 1904: الأخطاء تتكرر وغلاء السفر قلل المشاركينانعقدت فعاليات دورة الألعاب الأولمبية الثالثة، كما تعرف رسمياً، في مدينة سانت لويس في ولاية ميسوري في الولايات المتحدة الأميركية ما بين الأول من يوليو 1904 و23 من نوفمبر من العام نفسه، وأقيمت منافساتها في حرم جامعة واشنطن في «سانت لويس»، وشأن الدورة الثانية، كانت الثالثة جزءاً من معرض لويزيانا الدولي، فتكرر خطأ أولمبياد باريس، ولاقت ثالث دورات الأولمبياد فشلاً أسوأ من ذلك الذي لاقته دورة باريس من جميع النواحي. سقطت الدورة الاولمبية الثالثة، التي أقيمت في مدينة سانت لويس الاميركية في «بحر» المعرض الدولي، وقبل ان ينسى العالم التخبط الذي رافق الدورة الثانية في باريس قبل أربعة أعوام.دورة رافقها أيضا استعراض كبير في محاولة إنجاحها وتعزيز نصرها على شيكاغو بعد صراع طويل، فالألعاب كانت أساسا منوطة بالمدينة الثانية، وتلك كانت رغبة رئيس اللجنة الاولمبية الدولية بيار دو كوبرتان، غير أن زيارته لرئيس الولايات المتحدة فرانكلين روزفلت عام 1889، كشفت له عن «الرغبة الداخلية الدفينة» بتجيير الألعاب إلى سانت لويس.جاء المعرض احتفاء بمرور مئة عام على انفصال المدينة وجوارها عن الفرنسيين، وبعد نحو نصف قرن على الحرب الأهلية الداخلية بين الشمال والجنوب، «ولمحت» المناسبة إلى بوادر ان تصبح الولايات المتحدة القوة العالمية الأولى... وعلى غرار الدورة السابقة كان الاميركيون المشاركون أكثر من نصف المتبارين، وكانت لهم حصة الأسد.وسانت لويس المدينة الغارقة في مفارقتها وملامح مجتمعها الكادح هي طيف نهر المسيسبي ورمز الرجل الأسود العجوز الذي أفنى سنوات عمره منهكا «يوضّب» بالات القطن لتشحن في البواخر التي تمخر العباب عند الفجر... وهي أيضا ارض موسيقى البلوز وتينيسي ويليامز... وموسيقى الجاز وطقوسها.غاب المشاركون بسبب الغلاءلكن بسبب غلاء السفر إلى الولايات المتحدة من أوروبا، غاب رياضيون كثر، والمنافسات وملحقاتها التي أقيمت ما بين الأول من يوليو و23 نوفمبر استقطبت 625 رياضيا فقط بينهم 8 سيدات من 12 بلدا.وكان اللافت ان 39 مشاركا مثلوا بريطانيا وهنغاريا وألمانيا واليونان والنمسا وسويسرا في مقابل 533 دافعوا عن ألوان الولايات المتحدة.وحاول المشرفون على الدورة إقامة مباريات خاصة بالرياضيين السود، لكن دو كوبرتان قاوم ورفض بشدة الخطوة ونجح في إبعاد الفكرة العنصرية عن الألعاب الاولمبية... غير ان البدعة التي اعتبرت «قوطبة» على مساعي دو كوبرتان تمثلت في الألعاب «التاريخية التراثية» الموازية التي أقيمت في 13 و14 أغسطس، وضمت عددا من الفضوليين والأتراك والسود والهنود الاميركيين والروس والفلبينيين أبرزهم «الأسود» جورج غولمان بواج بطل سباقي 200 و400 م.فعلق البارون مستاء «لم يتجاسر احد على هذه الخطوة إلا في الولايات المتحدة، حيث كل شيء مباح انها ارض البدع».رسميا شهدت دورة سانت لويس منافسات الملاكمة وكرة الماء والتجديف والغولف والروكي والتنس ورفع الأثقال والمصارعة والجمباز وألعاب القوى والسباحة والغطس والرماية بالسهم والمبارزة وكرة القدم.وتصدرت الولايات المتحدة جدول الميداليات بـ70 ذهبية و75 فضية و64 برونزية، وتلتها كوبا (5-2-3)، ثم ألمانيا (4-4-5)... ولم تحصل استراليا والنرويج وجنوب إفريقيا على أي ميدالية.بحيرة اصطناعية لسباقات السباحةوإذا كان الافتتاح تميّز بحضور ملك إنكلترا ادوارد السابع والملكة ألكسندرا، فان ملاعب المسابقات تميزت بقياسات مختلفة كثيرا عن المعهودة حاليا أو التي أدرجت في الدورات اللاحقة، فقد نظمت مسابقات ألعاب قوى على مضمار جامعة واشنطن البالغ طوله 536،45 م أي ان الخط المستقيم فيه يقارب الـ200 م، وأجريت سباقات السباحة في بحيرة اصطناعية.ويعتبر الاميركي صامويل بيرغر أول الابطال الاولمبيين للوزن الثقيل في الملاكمة، كما تميز طالب من ميلووكي يدعى أرشي هان الذي سجل في سباق 200 م رقما قياسيا عالميا مقداره 21،6 ثانية صمد 28 عاما، فضلا عن فوزه في سباقي 60 و100 م.وحصد جيم لايت باري ذهبيات 800 و1500 م و2500 م موانع، وهاري هيلمان الفوز في سباقات 200 و400 م حواجز، و400 م، ونال الايرلندي توماس كيلي ذهبية المسابقات المركبة التي باتت تعرف بالعشارية، وأقيمت عامذاك خلال يوم واحد.الماراثون أعاد للألعاب قليلاً من حقهاولفت الأنظار أبطال المبارزة الكوبيون والجمباز الألمان والإنكليز، «والترفيه والغرابة» اللذان رافقا سباق الماراثون الذي خاضه 31 عداء.ويسجل أستاذ التاريخ الاميركي يوجين ويبر تلك الحقبة فيقول إن الألعاب كانت هامشية وسط المعرض واخباره وأنشطته، «وفي الوقت ذاته شهدت الولايات المتحدة أصداء اهتمامات عدة منها حملة إعادة انتخاب الرئيس روزفلت، وأخبار الحرب الروسية اليابانية، والنزاع الاميركي الاسباني... وجاء الماراثون ليعيد إلى الألعاب بعضا من حقها في المتابعة».ويعتبر ويبر ان البطل الحقيقي للسباق هو الكوبي فيليكس كارفارال «وهو ساعي بريد من هافانا، قرر الحضور والمشاركة ولم يكن يملك فلسا واحدا، فقام بحملة تبرع لتوفير النقود اللازمة، لكنه وصل إلى نيواورليانز معدما بعدما انفق ما جمعه على لعبة النرد، لذا عانى كثيرا لبلوغ سانت لويس».لم يحضر كارفارال معه ثيابا رياضية، وعند خط الانطلاق نزع قميصه وقص بنطاله إلى مستوى الركبتين وانطلق مع باقي العدائين، لكنه لم تكن تبدو عليه ملامح المنافسة الجدية، إذ راح يتوقف ويحدث المتفرجين بلغة اسبانية لا يفهمونها... وقطف تفاحات خضراء من احدى الحدائق وراح يقضمها. وهمّ بتناول خوختين من شجرة مجاورة، لكن طبيبا صودف وجوده في المكان نصحه بعدم أكلها لئلا يتعرض لتلبكات معوية، فلم يقتنع... وبعد قليل راح يعاني تقلصات عضلية، أوجبت توقفه لبعض الوقت ما عرضه للتأخير ولم يبلغ بعدها خط النهاية إلا في المركز الرابع.لورز تخطى المتسابقين بالسيارةوكان الاميركي القادم من نيويورك فريد لورز متصدرا بعد نحو 9 كيلومترات من الانطلاق، لكنه بدوره تعرض لشد عضلي فاستقل سيارة من السيارات والعربات الكثيرة التي كانت على مسار السباق، وتجاوز بفضلها المتبارين جميعهم موجها إليهم تحية التشجيع... غير ان السيارة تعطلت بدورها، وأفاده قسط الراحة الطويل ليستعيد عافيته، وكان مضطرا الى العودة إلى خط الانطلاق، حيث ترك أغراضه ولباسه بعيد الوصول، لذا قرر استئناف الجري ولما بلغ خط النهاية في الاستاد ظن الجميع انه الفائز الأول، وهو اندمج في المسرحية «الفكاهية» وتصرّف كأنه البطل الحقيقي. وتوجهت نحوه أليس كريمة الرئيس روزفلت لتلتقط صورة تذكارية معه، وحين همت بمنحه كأس التتويج يحكى ان ضميره أنّبه ورفض ذلك كاشفا الحقيقة، علما بأن مراجع أخرى تؤكد أن هناك من وشى به مثبتا انه استقل سيارة من الكيلومتر الـ15 إلى مقربة من الملعب الاولمبي.في هذه الأثناء كان العداء الثاني يجتاز خط الوصول، أي البطل الحقيقي للماراثون، وهو الاميركي توماس هيكس، فأعلن فائزا رسميا علما بأنه تناول حقنتين من الستريكينن المنشط والكونياك، ولم تكن فحوصات الكشف عن المنشطات معتمدة يومها.أما لورز فأوقف مدى الحياة، لكن عفوا شمله بعد ذلك، وأحرز ماراثون بوسطن في العام التالي.
رياضة
لنـــدن 1908: بييتــــري يشــــارك فـــي المـــاراثـــــون مخـمـــوراً...وهـــايــــز يحــــرز اللقــــب بداية الأنظمة والقواعد والشكوى من انحياز الحكام
17-07-2008