صدرت كتب عدّة حول المهندسة العراقية زها حديد في فرنسا وألمانيا، توثّق عبر صفحاتها تصاميم الفنانة التي أحدثت ثورة في هندسة العمارة الحديثة، من خلال أشكال لأبنية غير متماثلة، منحدرة الجدران.وصف أحد النقاد زها بالمصوِّرة السينمائية. فنظرتها أشبه بالكاميرا وعيناها تشاهدان المدينة ببطء، وبطريقة بانورامية وإيقاعاتٍ سردية. وخلال رسمها العالم المحيط بها، تنتزع منه فضاءاتٍ غير مرئية وتكشف الباطن في تشييداته الحديثة، وتُدرجه داخل مشاهد طوباوية مثيرة، من دون إهمال إيقاعات الحياة اليومية التي تستكشفها وتُجسّدها بعبقرية نادرة.
أحدثت زها ثورة في عالم العمارة، وهي لا تبتكر أشكالاً وتقنيات جديدة، بل تجعلنا نلقي نظرة جديدة على العالم عبر إحداثها ثورة في طريقة تمثيله. أمّا حداثتها فتكمن في تذويبها موضوعها ومادّته قبل إسقاطهما داخل المشهد الحديث. تنتمي زها في أعمالها الى ما يسمى بالمدرسة التفكيكية أو اللانظامية، التي ترجع الى معماريين عملوا في أوروبا خلال ستينات القرن الماضي وسبعيناته، مستلهمين فنّهم من مفهومي التبعثر والتكسر.يرجع بعض خبراء الهندسة المعمارية تفوق زها الى اتقانها حركات فنية معنيّة بالتجريد الهندسي، ومُستمدّة من اتقان المهندسة الخط العربي، وتؤكد الأخيرة هذه الحقيقة بقولها إنه خلال دراستها لاحظ الأساتذة أن طلبة الهندسة المعمارية العرب والإيرانيين قادرون على اتقان التعبير بالخط المنحني أكثر من غيرهم، وهذا الأمر يرجع بالدرجة الأولي إلى خط الكتابة العربي.وتضيف المهندسة في هذا الشأن أن أهم شيء أن تضع الرسم أولاً، ثم يأتي بعد ذلك التفكير في تجزئة الفراغ. وعن الإبداع في عملها والمدى الزمني الذي قد تتغير أفكارها فيه توضح: «لا يمكن أن نضع رسماً جديداً يومياً، لكن بالنظر الي أعمالي أجد أن تغيّرات ما تحدث بعد مضي سنوات عدة. أستطيع القول إن كل خمس إلى ست سنوات يحدث تغيّر ما يتصل بأعمالي».تخطت أعمال زها أرجاء العالم، واختارتها مجلة «فوربس» المرأة رقم 68 عالمياً، وفي المملكة المتحدة هي الثالثة بين أغنى النساء وأشهرهن.السجاد العجميلا يستمد عمل زها مادته وصورته من الغرب والحداثة فحسب، بل من افتتانها بالسجّاد العجمي التراثي أيضاً، الذي رافق أعوام حياتها الأولى في العراق بنماذجه التي يتعذر فكّها والتي تتحدّى أي تفسير أو فهم، مجسّدة المجهود الجماعي لأيادٍ تُحوّل الواقع إلى مسطّحات مثيرة وحيّة. درست زها فيArchitectural Association بلندن، خلال فترة كانت هذه المدرسة في أوج الاختبار الهندسي لارتكازها آنذاك على نظريات حركة «أرشيغرام» الهندسية الإنكليزية، ودرّس فيها أساتذة بأهمية بيتر كوك وريم كولاس وبرنارد تشوميونيغل كوتس، الذين سجّلوا تشنّجات العالم الحديث، شكلاً ومضموناً، في أعمالهم، محاولين التقاط طاقة نشاطاتنا المختلفة ضمن منظورٍ سردي مثير.وفي سياق هؤلاء بدأ يتشكّل عمل زها. فأوّل مشروعٍ مهم لها كان جسر على نهر التايمز في جنوب بريطانيا (1976-1977). وفي مشاريعها اللاحقة، تابعت ترجمة العنصر السردي إلى لغة فضائية، كما في منزل أخيها (1981-1982) بلندن الذي يرمز في طريقة رسمه إلى قنبلة فجّرتها «حركة المقاومة الإيرلندية» في الحي ذاته، وفي مشروع «ساحة هالكين» (1985) الذي تعمّقت فيه برسوم المشروع السابق. كذلك بدت أفكارها المغايرة واضحة في مشروع «أبنية شاهقة» حول حديقة ترافلغار في لندن (1985) الذي يختصر وحده عدداً من إنجازاتها، ويُبيّن قدرتها على إعادة ابتكار المشهد المديني، من دون أن ننسى طبعاً مشروع مبنى Peak في هونغ كونغ الذي تمكّنت فيه أمام آلاف المهندسين من إثبات أن التقنيات التي ابتكرتها تعود إلى شكل جديد من الهندسة.خلال العقود اللاحقة، أسقطت زها مواضيعها على أبنية ورسوم ومشاريع في العالم، وبدأ استخدامها اللون ينحسر تدريجاً، وبدلاً من التشييد انطلاقاً من سطح الأرض لفتح فضاءات جديدة وإدخال أشكال عليها، بدأت المهندسة في تصوّر أشكالها انطلاقاً من الموقع وفي قولبتها وفقاً لوظيفتها، مستحضرةً منطقاً فضائياً لإبداع تحف هندسية. وتبلغ صفة الشفافية في عملها ذروتها في مشروعَي «هاكني إمباير» (1997) و{مركز روزنتال للفن المعاصر» (1997-2003)، بينما تتطوّر الأشكال الأنبوبية الملاحظة في أعمالها الأولى إلى مبادئ رئيسة، كما في مشروعَي «قنطرة سبيتيلو» في فيينا (1994-2003) و{الجسر الصالح للسكن» في لندن (1996). كذلك صممت مركز شركة BMW العملاقة الرئيس في مدينة لايبتزج الألمانية ومحطة «فيترا أم راين» للاطفاء، إضافة الى منصة التزلج على الجليد في مدينة انسبروك في النمسا، لتصبح مادة إعلامية لبرامج تلفزيونية ألمانية كثيرة. يميل عمل زها إلى اتجاه مفهوم المشهد. ففي رسومها، تتعاظم سيولة المجسّمات ويبدو شكلها الخارجي وكأنه يتبع حركة ما، كما في مشروع «متحف الفنون الإسلامية» في قطر (1997) الذي يأخذ صرحه شكل موجةٍ ترتفع لتشمل فضاءاتٍ محدَّدة، قبل أن تنخفض وتتوارى في الرمال. نبذةولدت زها في بغداد عام 1950، وهي ابنة السياسي والاقتصادي العراقي محمد حديد. انهت دراستها الثانوية في بغداد، ثم التحقت بالجامعة الأميركية في بيروت، لتكمل بعدها الدراسة في بريطانيا.عام 1977 تخرجت في الجامعة، وبعد عملها لفترة وجيزة في مكتب المهنس ريم كولهاس افتتحت مكتبها الخاص عام 1987، ويبلغ عدد العاملين فيه اليوم أكثر من 250 موظفاً، لتثبت أنها امرأة من حديد فعلاً.
توابل - ثقافات
المهندسة زها حديد... العمارة بين الحداثة والسجّاد العجمي
26-05-2009