Ad

رودني حداد، كاتب وممثل، يؤمن بضرورة احترام ذوق الجمهور الذي بات راشداً في العالم العربي ولا يحتاج بالتالي إلى توجيه من الرقابة ليختار الأعمال الجيدة وينبذ الأعمال السيئة. يتميز أداؤه بالتنوع وكتاباته بنقل هموم المواطن وآماله. من الأعمال التي شارك فيها فيلمي «البوسطة» و{دخان بلا نار» ومسلسل {السجينة}...

في دردشة مع «الجريدة» يتحدّث حداد عن مسيرته المهنية وعن معاناته في ظل الفوضى التي تسود الساح الفنية حالياً ودخول ملكات الجمال إليها.

أخبرنا عن تجربتك في فيلم «دخان بلا نار».

تربطني بالمخرج سمير حبشي صداقة مهنية ما لبثت أن تطورت إلى صداقة إنسانية بحكم إعجابه بعملي وإعجابي بجدّيته ومهنيته. عندما عرض علي المشاركة في فيلم «دخان بلا نار» لم أتردّد خصوصاً بعدما قرأت السيناريو ولفتني الدور المطلوب منّي تجسيده، لأنه يشكّل حلقة مهمة في سير الأحداث مع أنه ليس دوراً رئيساً.

هل تعلّق أهمية على المدة الزمنية للدور لدى اختيارك له؟

لا يهمني طول مدّة الدور بل تأثيره في سياق الأحداث ومحوريته في تطورها. الجميل أن دوري ينتهي قبل انتهاء الفيلم.

هل تقبّلك الجمهور بصورة الإنسان السيئ بعدما اعتاد على تجسيدك أدوار الخير؟

أفضّل تجسيد الأدوار المختلفة، على غرار دوري في فيلم «دخان بلا نار»، أكثر من البقاء في صورة الرجل العاشق اللاهث وراء حبيبته لمساعدتها وليبرهن لها عن حبّه.

يصوّر الدور عموماً حالة إنسانية معينة في زمان ومكان معينين، فلا يمكن أن أحصر نفسي في وجه واحد أو أن أعبّر عن فئة واحدة من المجتمع، بل يجب معالجة الواقع كما هو بجماله وقبحه وأفراحه وأحزانه، يمنحني هذا الأمر متعة في العمل تكبر بدورها مع ردّة فعل الجمهور.

ما الدور الذي ترفضه؟

عندما يعجز عن تلبية رغبة ما في داخلي أو حين أجده مكرراً لأعمال قدمتها سابقاً، بالتالي لن يضيف شيئاً إلى شخصيتي ومسيرتي في عالم التمثيل. تعني الموافقة على دور معين الإلتزام بتكريس وقتي وأحاسيسي وأفكاري وكل مخزوني في خدمة الشخصية التي أجسّدها لتكون نتيجته جيدة.

إذاً، كيف تحدّد الممثل؟

الممثل هو الذي يعيش كواليس عمله في حياته اليومية ويوظف موهبته وإمكاناته في سبيل مهنته. من هنا أقول إن التمثيل مهنة متعبة وصعبة فليس كل شخص أدى دوراً في كليب أو صوّر إعلاناً ما أصبح ممثلاً.

ألا تشعر بأن المشاهد العربي سئم الأفلام التي تتمحور حول الحروب والمشاكل السياسية؟

للأسف ما زلنا نعيش منذ ثلاثين عاماً وسط أجواء الحروب.يستمدّ الكاتب عموماً أفكاره من خبرته وتجاربه في الحياة. في الولايات المتحدة الأميركية ما زال السينمائيون يتطرقون في أفلامهم إلى حرب فيتنام والحرب العالمية الثانية، ما يعني أن الذاكرة الإنسانية توجب التطرق إلى هذه الأمور وإلى الواقع المعاش. لا يصنع الفيلم لفترة زمنية محددة بل ليعيش ويستمر، لذلك ليس وارداً عندنا حالياً التطرق إلى الحالات الخاصة أو العادية للتسلية أو تمضية الوقت، خلافاً للسينما العالمية التي يخوّلها إنتاجها الضخم إرضاء جميع الأذواق.

كيف تقيّم الفيلم الجيد والكاتب المحترف؟

إذا شاهدتَ فيلماً وضحكت وتسليت لكن بعد مغادرتك لم تفكّر بأحداثه ولو للحظات يكون مصيره سلّة المهملات. يعرف الكاتب المحترف كيف يترجم أفكاره بطريقة تجذب المشاهد وتوجهه إلى الهدف المنظور.

هل ثمة محاولات جدية لتحسين وضع السينما اللبنانية؟

الدول العربية ليست صناعية بل استهلاكية، لذلك من يريد صناعة فيلم سينمائي عليه أن يكون مجاهداً وأن يبحث عن الإنتاج الجيد وعن فريق عمل متكامل يتمتع بمستوى التفكير نفسه. يتطلب الفيلم علماً وفهماً للدراما، لذلك لا يمكن لمخرج الكليب مثلاً أن يخرج فيلماً سينمائياً أو لممثلة إعلانات أن تشارك في أعمال درامية. الدراسة الأكاديمية ضرورية للمخرج والممثل ومدير التصوير الذي يعمل على اللغة البصرية...

أين تكمن المشكلة عندنا، برأيك؟

في تفكير المنتج وما الذي يريد أن يسوّق له. للأسف يسيطر على الفن حالياً العري والعهر وتحقيق الربح المادي السريع وتغليب المصلحة الشخصية على العامة، مع أن الفن الدرامي من أرقى الفنون وهذا أمر تطرق إليه أعظم الفلاسفة على غرار أرسطو وهيغل وغيرهما.

إلى أي مدى يساهم مقصّ الرقابة في تردّي وضع السينما العربية؟

إلى حد كبير، لكني أجد أن الوضع أحسن في لبنان لأن هامش الحرية أكبر، إذ نستطيع التطرق إلى المواضيع السياسية مثلا من دون مشكلة، أما المواضيع الجنسية فلا أجدها مهمة، لأن التطرق إليها بات مألوفاً في البرامج الحوارية التلفزيونية. تكمن الأهمية في هذا المجال في الإستنتاجات التي تحصل في أي قضية إجتماعية أو إنسانية أو سياسية وتسليط الضوء على آثارها وربطها بأسبابها ورسم صورة مستقبلية لها.

العمل السينمائي والدرامي ابن بيئته وصورة لمجتمعه ودولته، لذلك غالباً ما تلغى مشاهد أو أفلام في الدول العربية، لأنها تصوّر فساد مؤسسات الدولة والأنظمة. كانت الرقابة في مصر سابقاً أقل مما هي عليه اليوم وهذه مشكلة حقيقية.

ما الدور الذي تؤديه وزراة الثقافة لرفع مستوى السينما العربية؟

(يضحك) لا تهتمّ، لأن الحكومات لا تختار الأشخاص المناسبين لهذه الوزارة، لا أجد مثلاً أن وزارتي الثقافة والسياحة يختلفان عن بعضهما لأنهما معاً يجعلان من الوطن مقصداً للزوار والسياح. يدخل إلى فرنسا مثلا 50 مليون سائح سنوياً، ألا نستطيع نحن ومن خلال معالمنا الثقافية، السينما إحداها، أن ننجح في إدخال 500 ألف سائح ثقافي إلى لبنان؟ لا يفكّر السياسيون عندنا سوى بالإستثمارات وكيفية جمع الثروات. المؤسسات فاسدة والقضاء كذلك وما من محاسب.

ما رأيك بسحب الفيلم اللبناني help من صالات السينما اللبنانية بحجة أنه يتضمّن مشاهد إباحية؟

لست مع الرقابة بل مع التوجيه الصحيح، يكفي أن يمنع دخول من هم دون سن 18 عاماً وتجنب هذه الإجراءات التي تزيد من قمع حرية التعبير وتؤكد أننا دول متخلفة. يتابع المواطن العربي مشاهد أسوأ في بيته من خلال الفضائيات، لذلك يجب أن يترك للرأي العام حق محاسبة أي عمل، لأن الجمهور يرفض مشاهدة أي مضمون يخالف بيئته. برأيي قرار منع الفيلم له خلفية سياسية لأن البطلة ابنة نائب لبناني. أستغرب ألا تمنع أفلام أجنبية كثيرة تعرض في الصالات السينمائية حالياً وتتضمن أفكاراً خطيرة معادية لشعوبنا وأوطاننا، ما يعني أننا نعيش ضمن أنظمة متخلفة.

تقول إن الكتابة «وجعة راس»، لماذا؟

من خلال تجربتي في الكتابة أجد أن من يفرح أثناء تنفيذ عملية الكتابة يعني أنه لم يتطرق إلى أي موضوع جدّي، يشعر الكاتب بارتياح بعد أن يفرّغ أفكاره على الورق ليعود ويحاول جاهداً صياغة هذه الأفكار بالشكل الصحيح والمناسب.

لا يهمّني أن يحقّق عمل لي انتشاراً وجماهرية وصخباً إعلامياً لفترة محددة، بقدر ما يهمني أن يحفظه المشاهد ويبقى خالداً في ذاكرته. أحاول فرض نفسي من خلال النوعية وليس الكمية، مع علمي اليقين أن تحقيق الأهداف والطموحات يستغرق وقتاً طويلاً في بلدنا.

ماذا تحضّر حالياً؟

أحضّر برنامجاً تلفزيونياً كوميدياً من كتابتي وإخراجي وإنتاج مشترك مع أصدقائي كي لا يكون هناك سلطة على المُنتج الذي نريد تقديمه. كذلك أحضّر فيلماً سيعرض على +canal عن المناضل كارلوس وأجسّد فيه دور أنيس نقّاش.

هل أضافت إليك مشاركتك في مسلسل «السجينة» انتشاراً أكبر؟

نعم، حققت لي هذه المشاركة دعاية موفقة. قد أشارك مجدداً في مسلسلات في حال ثقتي بالأشخاص الذين أتعامل معهم.

ماذا يعني لك المسرح؟

يتمتع المسرح بمساحة مهمة في حياتي، إنه الذاكرة الحيّة لأنه يسرق انتباهك وفكرك، لكن ثمة مسارح لا قيمة لها حالياً، مع ذلك وعلى الرغم من الواقع المتردي استطاع البعض التوفيق بين المضمون الجيد والدعاية الحسنة. لدي مشروع إلا أنني أدرسه بشكل جيد، إذ لا يمكن أن تكون فناناً ناجحاً في حال لم تحترم نفسك وذوق المشاهد.

كيف تنظر إلى الطفرة في معاهد التمثيل؟

على وزارة التربية أن تنظم المنهج التربوي، أصف بعض الجامعات بالدكاكين، فهل يعقل أن يستقبل معهد التمثيل في إحدى الجامعات 57 طالباً في صف التمثيل؟

تقول إحدى ملكات الجمال، التي دخلت التمثيل حديثاً، إن التمثيل لا يتطلب دراسة أكاديمية بل موهبة فحسب، ما رأيك؟

أتمنى عليها أن تجمع أفكارها القيّمة وتترجمها في كتاب علّها تفيدنا وتفيد الناس. أستغرب ظاهرة تنظيم مسابقات لملكة جمال الجامعات بدلاً من أن نعمل على إغناء ثقافة الفتاة وتوعيتها. من هنا ألمس كم أصبح الفكر العربي مريضاً، لم أسمع في حياتي أن هناك ملكة جمال لجامعة أوكسفورد مثلا!

كيف تتعامل مع المعجبين؟

أتعامل باحترام مع كل الناس، لكني لست مع ما يعرف اليوم بالـ fans، لان المعجب متطرف بطبعه وبالتالي سيحبك كيفما كنت، لذلك أفضّل الأشخاص الذين ينصفوني حين أنجح وينتقدوني في حال أخطأت. على الجمهور أن يميّز بين الجيد والسيئ وأن يحاسب من يخطىء مهما كان قدر إعجابه به، هكذا نكون أحراراً في التفكير.

هل أنت متمرد بطبعك؟

يدفعني الجوّ العام السياسي والإجتماعي والإنساني والثقافي إلى أن أكون متمرّداً لكني أتجنب السلبية وأحاول التكيّف مع الوضع وأترجم أفكاري وأوظّف تمردي بشكل إيجابي من خلال أعمالي. ثمة مشكلة في المجتمع العربي وفي العالم أجمع لأن رأس المال هو الحاكم. أنا أفكّر وحين أتوقف عن التفكير أعتبر نفسي متّ روحياً.

هل تتعبك أفكارك؟

(يضحك) أبداً، بل أحبّ مشاركة أفكاري مع الغير، فالحوار الوسيلة الأهمّ لمعرفة أين أخطأنا وأين أصبنا الهدف، أما التطرف فيعني التخلف.

ما القيمة التي تعتبرها الأهم في الحياة؟

العدالة التي تتطلب أن تكون قاسياً مع نفسك ورحوماً مع غيرك، للأسف هي غائبة راهناً في العالم اجمع.

ماذا تقرأ حالياً؟

كتاب «أسرار الصندوق الأسود» لغسان شربل، يبيّن كيف يعمل المناضلون في العالم ويفهمون السياسة الحقيقية القائم عليها هذا الأخير. تكمن مصداقية الكتاب في بعده عن الرأي الشخصي للكاتب ويتضمن مقابلات حقيقية يبنى عليها مجموعة من الإستنتاجات.