صدر عن دار المدار الإسلامي كتاب «المستشرقون الألمان: النشوء والتأثير والمصائر» للكاتب والباحث اللبناني رضوان السيد. ويعتبر الأخير في كتابه هذا أن الاستشراق الألماني لدى الباحثين العرب لم يعانِ من مشكلات الاستشراق فحسب، بل كانت لغته أيضاً بين أسباب قصور تأثيره وعجزه عن التوصيل إبان فترة ازدهاره.

Ad

يحاول الاستشراق الالماني مراجعة مشكلاته، والتوصّل إلى الانضواء في أحد أربعة تخصصات: التاريخ، الأنتروبولوجيا والسوسيولوجيا، وعلم الدين، والدراسات الشرق أوسطية. وهذا عمل جيل الكهول الذين بدأوا ينتجون في الثمانينات، وما تزال عشرون كرسياً تقريباً في الجامعات الألمانية تُعنى بالدراسات الإسلامية والعربية. يتوقف السيّد عند تطوّرين مهمين حدثا: الأول ازدهار دراسات «الإسلام المعاصر» لفهم ظاهرة الأصولية الإسلامية واستيعابها، وازدهار الدراسات الأدبية المعنية بالتراث الأدبي العربي والفارسي والتركي، والمعنية بالأدب الروائي الحديث والمعاصر لدى العرب والإيرانيين والأتراك والشعوب الإسلامية الأخرى. أما التطور الثاني فهو قيام معاهد وكراسٍ لدراسة «الدين الإسلامي» في كليات اللاهوت، أو في مراكز الدراسات المسيحية/ الإسلامية، في حين تصرّ جامعات عريقة قليلة على مسمى «الدراسات الإسلامية» أو «علم الإسلام» أو «الدراسات العربية» في كراسيها ومعاهدها. فالمضامين تغيرت، وتتبعها القوالب والأطر، فقد انتهى الاستشراق بالمعنى المتعارف عليه، وتستمر التطورات والتطويرات التغييرية كما في سائر مناحي العلوم الإنسانية والاجتماعية.

أما عن نشوء الاستشراق عموماً والألماني خصوصاً فيعتقد السيد أن التاريخانيات الألمانية والهولندية والفرنسية هي التي بلورت، على مشارف القرن التاسع عشر، المعالم الأولى للاستشراق بمعناه العلمي. وقد قام الهولندي بنشر كتاب عن النحو العربي باللغة اللاتينية، ظل مُعتمداً طوال حوالي القرنين وازداد تأثيره في الألمان عندما قام الألماني ميخائيليس عام 1771 بترجمته إلى اللغة الألمانية .

يعتبر المؤلف أن الفيلولوجيا هي الركن الأول للتاريخانية الألمانية التي بلغت ذروة ازدهارها لدى المؤرخين الألمان الكبار مثل رانكه ومومسن أواسط القرن التاسع عشر. وإذا كانت الرومنطيقية أخرجت النظرة إلى الشرق الإسلامي، من دائرة الجدالات اللاهوتية، فإن التاريخانية التي اعتبرت معرفة فقه اللغات السامية وغير السامية، الأساس الموضوعي للمعرفة التاريخية لأمة من الأمم. يضيف السيد أن مؤرخي «الاستشراق» الألماني أرادوا تأخير ظهوره باعتباره تخصصاً مستقلاً إلى جيل مارتن هارتمان وكارل هاينرش بيكر، ولكن المتأمل لزحام الدراسات ذات الطابع الشامل والمستقل في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن التاسع عشر، يلاحظ تحوّل ذلك التخصص إلى حقل واضح المعالم في تلك الفترة بالذات، ولا حاجة الى الانتظار للربع الأول من القرن العشرين. أما مع مطلع الأخير فقد كانت الدراسات الاستشراقية تبلغ ذروة ازدهارها، حاملة الميزات والإشكاليات التي رافقت تاريخها كله، وما كان هناك وعي نقدي بالإشكاليات، بل كانت هناك ثقة كبيرة بالنفس، وشعور بأن هذا «التخصص» أو «العلم» محظوظ بسبب كثرة المصادر الكتابية القديمة، واستمرار تلك الثقافة في حياة العرب والمسلمين المعاصرين، بحيث تسهل المتابعة والإنجاز.

يتحدث المؤلف عن انبثاق جديد وتدريجي للدراسات الإسلامية لدى الفرنسيين والألمان والبريطانيين، وهو انبثاق خرج على التاريخانية بأحد اتجاهين: السوسيولوجية التاريخية التي تأثرت بفيير، لكنها اهتمت أكثر منه بـ{الحضارة المادية»، كما فعلت مدرسة الحوليات الفرنسية. أو الأنتربولوجيا/ السوسيولوجيا التاريخية، التي اهتمت بكتابة تاريخ ثقافي للإسلام، وبالتالي عرّجت على المسائل المعرفية والعرفانية (الابستمولوجيا).

الكتابة التاريخيّة

يتوقف المؤلف عند تأثيرات الاستشراق الألماني في مجال التاريخ والكتابة التاريخية، فيرى أن أكبر هذه التأثيرات جاء من خلال كتاب يوليوس فلزهاون الشهير «الدولة العربية وسقوطها» الذي أثّر على الكتابة التاريخية العربية تأثيراً كبيراً في مسائل عدة. الأولى: اعتبار الصراع الأبرز في الدولة العربية الأولى صراعاً قومياً بين العرب والعجم، وتحديده للحقبة المبكرة أو العصر العربي للدولة الإسلامية ما بين 632 و750م، تاريخ سقوط الدولة الأموية. والأمر الثاني منهجي وهو استناده إلى تاريخ الطبري ونصوصه المنقولة عن مصادر أقدم، ويركز الكاتب على أهمية المسألة المنهجية. فتاريخ الطبري نشره دي غويه وزملاؤه وتلامذته في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وقد اطلع فلزهاون على بعض أجزاء النص مخطوط، لأنه استخدمه في دراسات سابقة. وكان المؤرخون من بين المستشرقين اعتادوا الرجوع الى مصادر متأخرة مثل ابن الأثير وابن كثير لأنها عُرفت أولاً. لذلك كان مهماً من جانب فلزهاون الاهتمام بقِدم المصدر ثم بتحليل تركيبه الكتابي. وحسب الباحث.

أما في المجال الأدبي، فيورد المؤلف أن تأثيرات المستشرقين الألمان الأهم تمثلت في نشراتهم للنصوص الأدبية القديمة مثل «عيون الأخبار»، و{الكامل» للمبرد، وجزء من «الأغاني» للأصفهاني. وشكلت ترجمة دراسة يوهان فِك «العربية» تقدماً لافتاً في مجال الدراسات الفيلولوجية. يضيف السيد بأن فِك أفاد من الدراسات السامية المقارنة ومن ألسنية سوسيير، وكان كتب تاريخاً شاملاً للاستشراق حظي فيه الاستشراق الألماني حتى الحرب الثانية بموقع بارز.

يلفت المؤلف إلى أن التأثير الأكبر لكارل بروكلمان، تلميذ فيشر ونولدكه، في العرب وفيهم جاء من عمله العظيم «تاريخ الأدب العربي»، وهو تاريخ للكتابة العربية عبر العصور، وفي شتى الفنون، ومن القرن الثالث وحتى الثالث عشر هجري. قسّم بروكلمان الكتابة العربية إلى حقب وعصور، وتأتي تحت كل عصر الدول والنواحي والبلدان والفنون التأليفية المختلفة، ثم تليها تراجم المؤلفين في كل فن، وعناوين ما ألفوه، وذكر لأماكن المخطوطات الباقية من تلك المؤلفات. وقد أفاد بروكلمان من الأدبيات التي كان الألمان نشروها مثل «الفهرست» لابن النديم و»كشف الظنون» لحاجي خليفة. ومن ضمن تأثيرات التاريخ الثقافي الألماني، أو الاستشراق المكتوب بالألمانية، التي يوردها السيد، كتاب آدم متز الذي سماه يقظة الإسلام، والكتاب على رغم قدمه فهو نادر المثال في فكرته ومعرفته بالمصادر، وكان كثير الاهتمام بالنواحي الفنية ليس الأدبية فحسب، غير أن أهم ما فيه أمران: المقدمة النظرية التي وضعها للتاريخ الثقافي ومعناه، والعناية القوية بفكرة المؤسسة ومسألتها. ويؤكد السيّد أن جرجي زيدان رائد التاريخ الثقافي بالعربية أفاد من كتاب متز عندما وضع كتابه «تاريخ التمدن الإسلامي»، عشية الحرب العالمية الأولى. ثم أفاد منه بعد الترجمة مئات الدارسين العرب.

أما عن التأثيرات الاستشراقية الألمانية في دراسات الفكر الفلسفي الإسلامي، فيورد الباحث بأنه تُرجمت دراستان مهمتان عن الألمانية وهما: «مذهب الذرة عند المسلمين وفلسفة الرازي» لبيسنس، و{مذهب الجوهر الفرد عند المتكلمين الأولين في الإسلام» لأوتو برتزل، والمذهب الذري في نشوء العالم وتركيبه لدى اليونانيين معروف، وهو رأي الفلاسفة الطبيعيين الذين لا يقولون بفكرة الخلق من عدم (في الديانات الإبراهيمية).

يشير المؤلف في القسم الأخير من كتابه إلى أن المستشرقين الألمان الكهول في الثمانينات تحولوا عن تسمية نفسهم كذلك، وصاروا يتحدثون عن الاختصاص بالدراسات الإسلامية وبعلم الإسلام، بينما انصرف آخرون الى اعتبار نفسهم اختصاصيين بالأدب العربي، أو بالآثار الإسلامية، أو التاريخ الإسلامي، حسب تنوّع مجالات اهتمامهم. غير أن ذلك لم يحل دون تعرّض كتاباتهم للهجمات من جانب فريقين غربيين: فريق النقديين الجذريين، وفريق أنتربولوجيي الإسلام. وكان نقد الجذريين أشد قسوة، وظهر من خلال نقدهم أنهم يحملون على الفيلولوجيا التاريخانية. أما فريق أنتربولوجيي الإسلام فقد انطلق من ظواهر الإسلام المعاصر ليوجه هجمة ساحقة إلى سائر الاستشراق: الألماني وغير الألماني.

وهكذا فإن الأصوليين المسلمين لا يزالون يصدرون الكتب الإدانية للاستشراق الذي انقضى أو أوشك، كذلك أصبح النقديون الجذريون من الولايات المتحدة وأوروبا يرون فيه ضرراً كبيراً من حيث أنه يدعم «أوهاماً» للكلاسيكية الإسلامية؛ في حين لا يرى الأنتربولوجيون توافر الشروط العلمية في طرائقه. ويرى المؤلف أن المشكلات المنهجية وهجمات النقديين الجذريين ستدفع الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الغربية في اتجاهين: الانضواء في الدراسات التاريخية، وانضواء الحديث والمعاصر منها في الدراسات المناطقية: الشرق الأوسط، وشرق آسيا، والإسلام في شبه القارة الهندية، والجاليات الإسلامية في الغرب وغيرها.