صدر عن دار «المدى» لمجموعة من الكتَّاب «بكاء الطاهرة: رسائل قرَّة العين» من تقديم يوسف أفنان ثابت. وقرة العين كانت من الأركان حركة «الباب الشيرازي» الأساسية، وسبب انطلاق قضية حرية المرأة في الشرق الإسلامي المباشر. فمنذ تعرّفها على فكر الشيخ أحمد الإحسائي مصادفة في قزوين في بيت أقربائها، اتضح أمامها الطريق الذي ستسلكه لخوض حياة قدر لها أن تكون الأعقد والأكثر جرأة وخطورة بالنسبة الى امرأة عاشت حياة اجتماعية ودينية صارمة في القرن التاسع عشر.

Ad

ولدت قرة العين في العام 1819 أو 1820، والوثائق التاريخيّة المتعلقة بهذين التاريخين أُحرقت عندما بدأت رحلة المحو المتوقع لكل ما له علاقة بقرة على اعتبار أنها كافرة.

تزوجت قرة العين في الثالثة عشر من ابن عمها الملا محمد بن الملا محمد تقي خصم الشيخ الإحسائي الأكبر في قزوين، لكن لم يستطع هذا الزواج إيقاف رغبة قرة العين الملحة لاستكمال دراستها الدينية، رغبة تخللتها ميول استثنائية لكل ما هو نادر ومستحدث.

قرة العين شخصية دينية ملتبسة، حكم عليها بالموت في طهران عام 1852، بعد سلسلة من المحن والمحاججات والمواجهات الدينية، والسبب الذي خلفته لنا المصادر المؤيدة والمناوئة لا يمكن تجاوزه، فقد تركز في فكرة الخروج عن الشريعة، عبر تأويل مقولة خروج صاحب الزمان، في الوقت الذي بقيت فيه قرة العين بالنسبة الى أتباع الباب وبهاء الله بطلة معاصرة، وداعية من دعاة التحرر والتمرد على التقاليد، والحض على تحرير المرأة.

وكما يفيد يوسف ثابت فإن قرة العين التي سماها بهاء الله «الطاهرة» ماثلة في أذهان بعض الفرق الدينية الهامشية كأحد رموز الحداثة الدينية حيناً، وكمثال رائع للمهووسين بفكرة الخلاص الدنيوي حيناً آخر، وفي ظروف أخرى كمتحللة ملأت خيال رجالات الشرق الذين لم يألفوا أن يرتفع صوت الأنثى، خصوصاً في المحافل الدينية. وانتشار أخبار رحلاتها ومراحل دعوتها لحركة الباب في كربلاء والكاظمية وكرمنشاه وطهران خلَّف لنا صورة واضحة لنموذج المرأة المبشرة، تلك الشاعرة الداعية إلى الخلاص من إرث الديانات السابقة. فهي التي صرخت بأعلى صوتها في مؤتمر «بدشت» وقد كشفت عن وجهها وتزينت: «إني أنا الكلمة التي ينطق بها القائم والتي يفر منها نقباء الأرض ونجباؤها».

قربان

يشير ثابت الى أنه بتوجّه قرة العين إلى كربلاء لملاقاة تلميذ الإحسائي كاظم الرشتي، رغبت بشدة في الإعلان عن أحقية موقف النورين الأعظمين (الإحسائي والرشتي) كما سمتهما، مقدّمة نفسها قرباناً لفكرهما. وانتقلت بعد ذلك الى نسخ تعاليم الإحسائي، لتستشف من جهودها تلك الإرادة الاستثنائية لأنثى آمنت إيماناً مطلقاً بدورها مبشرة مجددة، أو متنبئة لم تستدل على الطريق. وأعلنت مراراً بوضوح أن ليس لها هدف سوى وجه الحقيقة التي تستحق أن نكون شهداء من أجلها، بل نكون عشاقاً مخلصين لها مهما كلف الأمر. وهذا ما حرّض رجال الدين ضدها في كربلاء في حملة لا هوادة فيها.

ويتوقف ثابت عن نزع قرة العين لحجابها في إيران في القرن التاسع عشر، فيرى أن مجرد التفكير في ذلك كان ضرباً من الخيال لا يمكن تحقيقه بأعتى الأسلحة، وهذا ما فعلته قرة العين بكل هدوء وقصدية، متبنية موقفاً عبر طموحاتها بدور المبشر، لما طلبت من المؤتمرين في «بدشت» أن يتآخى كل منهم مع صاحبه مستعيرة من الإرث الإسلامي دوراً نبوياً استحضرته من وقائع الهجرة النبوية، لتعلن بوضوح أن عهداً جديداً قد بدأ.

وكانت ظروف تعليمها المبكر في قزوين واطلاعها المفرط على الأدبيات الشيعية وميلها إلى فكر الشيخ الإحسائي، أدت إلى اندماج قرة العين في ظلال تفاصيل الظهور المهدوي، فتجسد لها عيش تلك التجربة وإعادة إنتاجها، وصولاً إلى الرغبة المطلقة في التضحية من أجل الظهور، وثم تحديها السلطة الدينية في مدينة كربلاء، وتمردها على شعائر شهر محرم، ومرورها بتلك المحاججات، للانتهاء بالتكفير والخروج عن الدين، التهمة التي بقيت تلاحقها حتى آخر لحظات حياتها، فضلاً عن تعرضها لأزمات نفسية شديدة العنف للعبور إلى عالم معاصر حتى لو كانت التضحية أكبر من الفكرة ذاتها.

الوحي المعاصر

ثمة دراسات قديمة ومعاصرة كثيرة ساهمت في إبعاد صورة قرة العين الشيخيّة عن المشهد البابي (الفرقة البابية)، لكن هذا الإسهام كرّس من جهة آخرى الشروط الممكنة لتشكيل فكرة الوحي المعاصر، الذي قدّم صورة واضحة عن الخطوات اللازمة لفكرة المساواة الإنسانية، ووحياً جديداً بشّرت به أنثى من قرى إيران على نحو عمل نضالي محفوف بالمخاطر.

ظهرت قرة العين في كربلاء وهي تدعو الى الباب، انطلاقاً من تفسيره سورة «الكوثر»، وجمعت حولها عدداً من البابيين القدماء، واستطاعت أن تقنع العرب هناك بالانتماء إلى ما دعت إليه، فانضم عدد من أهالي المدينة المقدّسة التي كانت قبيل ذلك بسنوات مركزأ حيوياً لـ{الشيخية» و{الكشفية» إلى الحركة «البابية» بفضل قرة العين وتأثيرها، واحتضنت كربلاء حينها طائفة من ألمع رجالات الحوزة الدينية، وأكثرهم التزاماً بنهجها وسياقاتها الدينية والأخلاقية. في مناخ كهذا برزت دعاوى قرة العين وسط حشد من طلبة كاظم الرشتي، الذي كان توفي في العام 1258، تاركاً هؤلاء الطلبة وسط حزن وحيرة كبيرين، ولم يكن بيدهم سوى الرجوع إلى دعوة أستاذهم قبيل موته للانتشار في الأرض بحثاً عن الموعود القائم، وإن كان كاظم الرشتي قد لمّح وصرّح بقائمية الباب علي محمد الشيرازي.

كانت كربلاء قد عاشت غلياناً كبيراً على إثر وصول رسول الباب الملا علي البسطامي حاملاً تعاليم الباب لينشرها بين علماء كربلاء، فاضطربت المدينة وحدثت فتنة كبرى بين علمائها وعلماء النجف من جهة وبين الملا علي البسطامي من جهة أخرى، الأمر الذي تطلب تدخّل والي بغداد نجيب باشا الذي طلب حضور الجميع إلى مدينته للمحاججة، التي انتهت بتكفير الملا علي وإرساله إلى الأستانة مع الكتب والألواح التي جاء ليبشر بها. وقد وصلت قرة العين إلى كربلاء بعد انتهاء محنة الملا البسطامي بمدة، حيث كانت بذرة الحركة البابية قد نبتت هناك، وابتدأت بإلقاء محاضراتها حول تفسير الباب لسورة «الكوثر» لتعيد فصول محنة أشد عنفاً من الأولى.

أنوثة

يؤكد ثابت أن ارتباط الدعوة الدينية بالأنوثة على هذا النحو لم يكن نموذجاً متاحاً في المتخيّل الإسلامي العام، سوى على شكل جنون متمرّد يتفرد به بعض الشخصيات المدعية معرفة الاتصال مع السماء، وهو ما فهم من حركة قرة العين في كربلاء بداية، ولم يكن من اتخاذها من بيت كاظم الرشتي مكاناً للدرس إلا تحدياً لمخالفي أفكار الشيخ الرشتي، واستكمالاً لمواجهات فكرية تعود الى الصدامات الأولى مع فكر الشيخ الإحسائي، لذا تعرضوا لمواقفها بوصفها نموذجاً للجنون المتفرد، واستلهاماً لفكرة الشيطان الأنثى، فكرة جسدتها امرأة تدعي معرفة أسرار الظهور المهدوي، لذا أُعلن عن نشاطها بوصفه هدفاً شيطانياً لا يمت الى اللاهوت الشيعي بأية صلة، لكن هذا الهدف تضمن من ناحية أخرى وعي الحرمان الأنثوي في التاريخ الإسلامي، وقدّم هذا الحرمان على أنه قيمة من خارج مسار الحياة البطولية في الإسلام، بل قُدم في جزء منه على أنه مسار خيالي لن يصمد أمام الإجماع الرصين للأرثوذكسية الشيعية.

وتسببت محاضرات قرة العين بتقديم صورة معارضة لجنسانية العلم، وكشفت عن رغبة ملحّة في دفع المرأة إلى المشهد الديني بقوة، وأعلنت أن مشهد التضحية لم يكن ليكتمل تاريخياً بغياب المؤازرة الأنثوية الممكنة إزاء واقع كالذي يحياه المسلمون آنذاك، مؤازرة تستمد قوتها من ألم لذيذ يتطلّبه حضور المخلّص، حتى لو تم هذا الظهور على آلام بضعة أرواح.