بينما شكَّلت التجربة الكويتية في انتخابات مجلس الأمة الأخيرة، التي أدت إلى وصول أربع سيدات إلى البرلمان، صدمةً إيجابية ينبغي الاتعاظ بها وتعميمها على مساحة العالم العربي، فإن المرأة اللبنانية لم تعتد حتى اللحظة الوصول إلى المجلس النيابي إلا بثياب الحداد أو من خلال عباءة رجل، وإلا فلن ينظر إليها أحد بعين الاعتبار.

تيريز رزق الله، ريم حمادة، ماكدا بريدي، نورما الفرزلي، غادة محمد الدندشي، هدى محمد سنكري، رجينا قنطرة، ابتسام سعدي، نايلة تويني، ستريدا جعجع، بهية الحريري، غنوة جلول وجيلبرت زوين، هن النساء الوحيدات اللواتي تقدّمن بطلبات ترشحهن للانتخابات النيابية من بين 700 مرشح، أي ما يعادل نسبة لا تبلغ الـ2 في المئة من مجموع المرشحين.

Ad

باستثناء النائبات الحاليات من بين الأسماء المرشحة، ونايلة جبران تويني، كثر من اللبنانيين لم يسمعوا بالأسماء المتبقية، ولا يعرفون شيئاً عنها، لأسباب عديدة، منها تقصير المرشحات انفسهن، وعدم تبني الاحزاب لترشيحهن ولعدم تطبيق مبدأ ظهور المرشحين المتوازي على وسائل الإعلام.

ووفقاً للدكتور بول سالم، مدير مركز «كارنيغي» في الشرق الأوسط، فإن نسبة المرشحات تعكس مؤشراً اجتماعياً سلبياً جداً، أما «الجمعية اللبنانية من اجل ديمقراطية الانتخابات»، فأعربت مراراً عن اسفها لعدم تمرير الإصلاح المرتبط بالكوتا النسائية، معتبرة أن نسبة الترشح النسائية تعني شبه انعدام مشاركة المرأة في برلمان 2009.

ارتباط بالرجل

في الواقع، رغم انطلاق حركات التحرر النسائية في لبنان منذ بداية النصف الأول من القرن العشرين، فإن وصول المرأة الى البرلمان اللبناني لم يأت نتيجة لنضال سياسي أو أكاديمي. وغالباً ما ارتبط اجتياز النساء لعتبات المجلس النيابي بالرجل صاحب النفوذ، فإما انتخبت بعد مقتل زوجها (نهاد سعيد، نايلة معوض، صولانج الجميل) أو سجنه (ستريدا جعجع)، أو فازت بسبب تبني أحد الأحزاب الكبرى لترشيحها (بهية الحريري وغنوة جلول). وعلى الرغم من ضآلة الأمل في وصولهن الى الندوة البرلمانية، فإن بعض المرشّحات المغمورات -إن صحّ التعبير- تناضلن كلٌ على طريقتها.

العميد المتقاعد تيريز رزق الله، المرشحة عن المقعد الماروني في بعبدا، هي واحدة من أولئك السيدات، التي اختارت الترشح بعد خدمتها المديرية العامة للأمن العام طوال 33 عاماً، تعلمت خلالها أن «المواطن فوق كل اعتبار». همّ رزق الله، المُجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية عام 1979 والمتدرجة في السلك الامني وصولاً الى رتبة عقيد (ثم عميد عند التقاعد)، الى جانب ما تقترحه في برنامجها الانتخابي من «أجل بناء بلد على قدر طموحاتنا وتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم»، هو «تمثيل المرأة ودعم مشاركتها الفاعلة في الحياة السياسية»، مستلهمة من «التجربة الكويتية المعبّرة»، على حد قولها، والتي «أثمرت بفضل وعي الشعب الكويتي ايصال أربع سيدات الى البرلمان».

وعلى الرغم من أن صعوبات كثيرة اعترضتها، ولا تزال، بعد إعلان ترشحها، على غرار ضغوط يمارسها الفريقان السياسيان لمحاولة إقناعها سحب ترشحها «بحجة ان المعركة طاحنة وليس الآن هو الوقت الملائم لترشحي»، وكذلك امتناع وسائل الاعلام عن استضافتها واشتراطها بدلاً مالياً مقابل تأمين ظهورها، فإن رزق الله تتابع في ترشحها الذي تعتبره اهم بكثير من الوصول الى المجلس النيابي.

حزبي… لبنان

«هناك فريقان وأنا لست تابعة لأي منهما، حزبي لبنان والعيش المشترك، لأن بناء الوطن لا يمكن أن يتم دون أن نضع أيدينا في أيدي بعض»، تقول رزق الله وتتساءل: «كثيرون لا يجدون أنفسهم في الفريقين فهل نرميهم في البحر؟». وإذ تشير الى انها تؤيد «تمثيل الناس الذين لا يصل صوتهم عبر طرفي الصراع السياسي وهي واحدة منهم»، تشدد على انه «حان الوقت لتثبت المرأة اللبنانية كفاءتها، ولا بدّ من القيام بالخطوة الأولى، ولو بين هذه المطاحن»، متسلحة بأن «ربنا يضع قوته في أضعف خلقه وأنا أؤمن بالله وبكل من يرغب في إيصال صوته والتعبير عن قناعاته». وهي إذ تدعو الناس إلى «انتخاب النخبة، لا مجرد التصويت»، توضح أن «مشاركة المرأة لا تتم بالانتخاب فحسب، بل أيضاً بالترشّح»، فالمرأة هي «من تصنع الرجال والتاريخ وتغيّر وجه الحضارة».

أما برنامج رزق الله الانتخابي، فيتضمن شقين، سياسيا واجتماعيا. وفي حين يركّز الشق الاجتماعي على تحسين الخدمات الاجتماعية وتأمين الطبابة والاستشفاء ومراقبة تطبيق التعليم الإلزامي، فإن الشق السياسي يقوم على «بناء بلد حر وسيد ومستقل، قائم على وحدة شعبه وجيشه، وتطبيق القانون على كل الناس».