يبدو أن الفشل ليس بعيداً أبداً عن تفكير داستن هوفمان. لا نحتاج إلى جهد كبير لجعل هذا الممثل (71 عاماً) يعود بالذاكرة إلى العقد الذي أمضاه في عشرينياته في نيويورك، عندما كانت كل تجربة أداء تنتهي بالرفض وكان عليه أن يوفّق بين طموحه وعدم قدرته على الحصول على وظيفة في مجال التمثيل.

Ad

ضمن هذا الإطار يعلّق هوفمان: «تعتقد في داخلك أنك تملك الموهبة، لعلّ هذا الأمر يردده الأشخاص الذين يقدّرونك كأستاذك مثلاً، لكنك لم ترسم أي لوحة لذا لا يستطيع الناس النظر إلى رسوماتك، فتعيش في منفى خاص وتتساءل ‘هل أخدع نفسي؟’»

لا يقصد هذا الممثل، الذي فاز مرتين بجائزة أوسكار، خداع نفسه بل الإشارة إلى فشله في الحصول على مكانته الخاصة في أسطورة حياته. بالنسبة إلى هوفمان، يجعل شبح اليأس طعم النجاح أفضل؛ كذلك ينسب الفضل في نجاحه إلى الحظ والإجتهاد. ما زال هوفمان يشعر بأنه محظوظ لأن المخرج مايك نيكولز وافق على القيام بتجربة أداء له، عندما كان في الثلاثين من عمره، للدور الذي أطلق مسيرته المهنية مع فيلم The Graduate، على الرغم من أن السيناريو كان يدور حول شاب ثري أشقر وأزرق العينين. في سياق حديثه عن الممارسات التي كانت تتبعها الأستوديوهات في بداياته كممثل في ما يتعلق بتجارب الأداء يوضح هوفمان: «لطالما ظننت أن هناك نوعاً من التمييز العنصري المبطن بالنسبة إلى ما يُسمى بطل الفيلم».

إنه يوم سبت، يتناول هوفمان البرغر في فندق Casa del Mar الذي يطلّ على المحيط في سانتا مونيكا، أصرّ على أن أشاركه تناول البرغر والبطاطا المقلية. كان مرتدياً سروال جينز وقميصاً وبدا كربّ منزل ناجح عوضاً عن الإنسان المليء بالحيوية الذي كانه في شبابه. يتقرب هوفمان بسرعة كبيرة من الناس ويحبّ الكلام والتحدث إلى الجميع تقريباً.

راحة في التمثيل

الفشل، الفرص الضائعة، التوق والخسارة، تشكّل هذه المواضيع محاور الحديث اليوم لأنها العنوان الفرعي لفيلمه الجديد Last Chance Harvey الذي بدأ عرضه في الصالات في عيد الميلاد، يظهر فيه مع إيما طومسون (الفائزة بجائزة أوسكار) كشخصين في منتصف العمر يعيشان تجربة حب ويتقبلان خيبة الأمل أكثر من احتمالات النجاح. كانا مرتاحين في التمثيل، لأنهما أديا أدواراً «تشبه شخصيتهما الحقيقية»، حسب هوفمان. أصبح هذان الممثلان صديقين عام 2006 أثناء تصويرهما فيلم Stranger Than Fiction وأرادا استعادة العلاقة التي ربطتهما أثناء التصوير، «خروجنا للتسكع سوياً» وفق هوفمان، وذلك في فيلم كانا فيه كممثلين يستطيعان الذهاب حيث يحلو لهما.

يؤدي هوفمان دور كاتب أغانٍ في نيويورك فشل زواجه ويحاول يائساً التمسك بوظيفته وله ابنة تمتاز بطباع عدائية. تشبه هذه الشخصية الإنسان الذي كان هوفمان ليتحول إليه لو أنه تبع حبه الأول: أداء أغاني الجاز مع العزف على البيانو. بما أن هوفمان ترعرع في لوس أنجليس في خمسينيات القرن الماضي، أصرّ والداه على أن يتابع دروساً في العزف على البيانو الكلاسيكي. في المدرسة الثانوية، بدأ يصغي إلى موسيقى الجاز ويعزفها، ما أغضب والديه فمنعاه من العزف. يعلّق هوفمان: «لم يخمد حبي للموسيقى لكن قدرتي على عزفها وأدائها خفّت».

لو أنه تابع السير في هذا الطريق لانتهى به المطاف ربما ككاتب أغانٍ. يضيف هوفمان: «من المؤسف ألا يقوم المرء بالعمل الذي يحبه، والأكثر إيلاماً من ذلك أن يقوم المرء بما لا يحبه ضمن العمل الذي يحبه».

بين الواقع والفن

يشبه الحديث مع هوفمان الإصغاء إلى مقطوعة موسيقية تتناول، من بين أشياء أخرى، إتقان المرء لمهنته. يروي قصصاً عن تسكعه مع صديقيه جين هاكمان وروبرت دوفال في الخمسينيات عندما كانوا جميعهم يناضلون للخروج إلى دائرة الضوء. يوضح هوفمان: «كنا نتنافس بشأن ما تعلمناه ونتذكر الأساتذة المختلفين الذين علّمونا التمثيل...»

يروي هوفمان قصصاً مختلفة عن أدائه في الأفلام، تشمل لحظات تلتقي فيها الحقيقة بما يحدث في الفيلم، فيؤثر الواقع على الفن، مثلاً المشهد الشهير الذي كانوا يصورونه لفيلم Midnight Cowboy عام 1969، عندما كان هوفمان (يؤدي دور راتسو ريتزو الرجل المخادع المخيف) يسير في الشارع مع صديقه جون فويت (يؤدي دور شاب عصامي قوي وطويل البنية من تكساس). لم يكن مخرج الفيلم جون شليزينغر يملك إذناً بالتصوير في مبنى كامل في ولاية نيويورك، فركّب كاميرا خفية في شاحنة صغيرة وصوّر الممثلين عبر المايكروفون. بعد تصوير 15 لقطة كان كل شيء يسير على ما يرام عندما كادت سيارة أجرة تصطدم بالممثلين أثناء عبورهما الشارع. يتذكر هوفمان: «كان الضوء أحمر عندما حاولنا العبور» وصرخ ريتزو غاضباً «أنا أمشي هنا!»

يتابع هوفمان: «كانت هذه لحظة مصيرية في الفيلم. تصرفت بغضب لأن السيارة كادت تصدمنا وتفسد المشهد، وددت فعلاً أن أقول للسائق ‘نحن نصوّر هنا وأنت تفسد ذلك!’»

ثم يتذكر هوفمان حين وضع يده للمرة الأولى، من دون أي قبلات أو مقدمات، على ثدي آن بانكروفت في خلال التمرين على مشاهد فيلم The Graduate للمخرج مايك نيكولز، فتجاهلته بانكروفت بوضوح، ما دفع هوفمان إلى الضحك بشكل لا يمكن السيطرة عليه. كان خائفاً جداً من ألا يُعجَب المخرج أو النجمة التي تشاركه البطولة بأدائه، فأدار ظهره لهما وبدأ يضرب رأسه بالحائط، لكن المخرج ارتأى وضع هذا المشهد بكامله في الفيلم فاعتبره هوفمان عملاً عبقرياً.

وفيما هوفمان يتحدث بحماسة عن مسيرته المهنية، تميل الشمس إلى المغيب فوق المحيط الهادئ، وتعكس أشعتها على الرمال، فتغرقه بضوئها الخريفي. بعد عمله في مجال تصوير الأفلام أربعين عاماً، يدرك هوفمان تماماً أنه لن يتمكن من الإستمرار في التصوير لوقت طويل، ويعلّق بعدما بدأت عيناه تلمعان بالدموع: «لا أقصد أن أكون عاطفياً جداً». بذلك يكشف هوفمان عن وجهه الحقيقي وعما يعتمل في داخله.