لا يكفي سكان غزة الذين تعرضوا للقتل والدمار والتهجير أن يحزنوا على الماضي وأن يرثوا أحباءهم الذين قضوا في العدوان الإسرائيلي الأخير، بل عليهم أيضا أن يفكروا في مستقبلهم المجهول بعد فقدان كثيرين منهم بيوتهم وممتلكاتهم وأعمالهم.لم تتمالك الفلسطينية صباح ابوحليمة، التي ترقد على سرير الشفاء، نفسها فانهارت من البكاء حزنا على اطفالها الاربعة وزوجها الذين استشهدوا في غارة اسرائيلية على منزلها شمالي قطاع غزة، خلال العدوان الاسرائيلي، الذي استمر 22 يوما.
ولم تعرف ابوحليمة، الى اين ستذهب مع من تبقى من ابنائها الناجين من الحرب، بعد ان حولت الجرافات الاسرائيلية منزلها الى ركام خلال الاجتياح البري لمدينة بيت لاهيا القريبة من السياج الفاصل مع اسرائيل.ويقول ابن صباح احمد الذي نجا بأعجوبة من القصف الاسرائيلي على منزل عائلته لـ«الجريدة»: «لقد قتلوا والدي واشقائي وجرحوا والدتي ودمروا مسكننا الوحيد». ويضيف والدموع تنهمر من عينيه: «لقد عثرت بين حطام المنزل على بعض اشلاء والدي واشقائي(...) لقد دمروا حياتنا». منذ اسابيع خلت، كانت المساكن والمحال التجارية لاتزال منتصبة في بلدة بيت لاهيا الى جانب بساتين الاشجار المثمرة، لكن هذه المنطقة بدت كأن زلزالا ضربها. وقد خلت المنطقة الشمالية من ساكنيها تماما باستثناء العشرات الذين يأتون الى المكان من اجل جلب بعض الاغطية لتقيهم شدة البرد داخل مراكز الايواء التي افتتحتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا» في مدارسها.وتمكنت حنان عطاالله بصعوبة بالغة من التعرف على بقايا ركام منزلها الذي دمرته قوات الاحتلال اثناء اجتياحها مدينة بيت لاهيا، إذ بدت الصدمة على وجهها عندما وجدت منزلها المشيد حديثا عبارة عن كومة من الدمار. وتقول عطالله وهي تحاول عبثا انقاذ بعض اثاثها لـ«الجريدة»: «لم اجد سوى لعبة طفلتي في المكان، لعلها تخفف عنها ما عايشته خلال الحرب وتجعلها تنسى آلام التشرد». وتضيف بحسرة وآلم: «على ما يبدو رحلة التشرد ستطول».بدوره اشار احمد العطار، الى ان ركام منزله اختلط مع ركام المنازل المجاورة، ولم يعد شيء يدل عليه سوى بعض اثاثه المدمر، ويضيف: «لم يعد هناك مأوى لنا، سوى المبيت في العراء».ولاتزال عيون الغزيين غير مستوعبة حجم الدمار الذي احدثته دبابات الاحتلال ومقاتلات «اف 16»، وما كان يهبط على المنازل والاراضي من صواريخ وقذائف وقنابل حارقة، اذ تتعمق الاحزان والمآسي وسط ذاكرة تستعصي على النسيان.
دوليات
ناجو غزة... بين ذكريات مدفونة ومستقبل مجهول
22-01-2009