أكثر من ألف عام هو عمر «الأزهر الشريف» المؤسسة الإسلامية الأكبر في العالم، وعلى مدار عقود مضت كان الأزهر لاعباً مؤثراً في رسم التاريخ السياسي والديني للمنطقة فقد ساند الخلافة الفاطمية في مواجهتها مع ممالك المغرب العربي وبدأ الأزهر منذ ذلك الحين الدخول في علاقة غير ملموسة مع السلطة الحاكمة فتارة يكون الأزهر حليفاً للسلطة مثلما حدث في مساندته محمد علي في مواجهة المماليك وتارة تتوتر هذه العلاقة مثلما حدث مع الإمام محمد عبده حينما رفض تدريس بعض المناهج التي يمكن أن تؤثر على صلب العقيدة.

من منطلق حرية الأزهر واستقلال مسؤوليته عن الدولة أجرت «الجريدة» هذا التحقيق مع عدد من المفكرين وعلماء الأزهر.

Ad

يقول المفكر الإسلامي د. عبدالصبور شاهين: في نظام الحكم الحالي حيث تسيطر الدولة على كل المؤسسات لا يكون هناك أي معنى لما يسمى باستقلال الأزهر عن السلطة وذلك لأن النظام القائم بالدولة هو نظام الحكم الفردي ووفقاً لهذا المنظور يصبح الأزهر مؤسسة تابعة للدولة ينفذ تعليماتها، وهذا عكس ما يحدث في الكنيسة التي تتمتع بجانب من الحرية العقائدية التي تمكنها من إبداء رأيها في المسائل الدينية التي تخصها.

استقلال الأزهر لن يتأتى إلا بتطويره ومراجعة بعض المواد التي تحكمه والتي تدرس فيه وتطوير الأزهر يتطلب اجتماعاً لكبار علماء المسلمين بحيث يعد له جيداً، في هذه الحالة يمكن الخروج بنتائج في صالح المؤسسة الدينية الأكبر في عالمنا الإسلامي، لكن من دون هذا التطوير لن ينصلح حال الأزهر ولن يصل إلى الاستقلالية التي تمكنه من إبداء الرأي واتخاذ الموقف الشجاع حيال ما تتعرض له العقيدة من هجمات من حين إلى آخر، ونحن نرى الآن كيف تؤثر قرارات الفاتيكان على مجريات الأمور في العالم. أتمنى أن أرى الأزهر أزهر من الآن.

يخالفه في الرأي د. عبدالفتاح بركة (أستاذ العقيدة في جامعة الأزهر): الأزهر هيئة مستقلة، وهذا ما نص عليه الدستور المصري وفسرته القوانين المنظمة لأداء الأزهر والتي تنص على أن الأزهر من مؤسسات جمهورية مصر العربية يخضع أداؤه للقوانين المصرية ويعين شيخه من قبل رئيس الدولة ولا يجوز عزله إلا بتقديم استقالته، أما كون أداء الأزهر يقل في بعض الأحيان فهذا مرده إلى المناخ العام للدولة لأن الأزهر على أرض هذه الدولة ويتأثر بتأثرها، ويرى بركة أن الحكومة المصرية لا تتدخل في أداء الأزهر، أما إن كان هناك من يفرط في شؤون إدارة المؤسسة فهذا أمر آخر.

ويذهب د. عبدالحكم الصعيدي (أستاذ علوم النبات في جامعة الأزهر) إلى تأكيد الرأي السابق من حيث صيانة الدستور لحرية واستقلال الأزهر ويرى أن الأزهر يجب أن يتخذ من الأمة الإسلامية هدفه الأول وأن يتوخى المسألة الدينية بشكل أكثر دقة وأن يكون سباقاً بحيث يأخذ المبادرة في كل القضايا، أما إذا تقاربت المصالح بين الدولة والدين فلاشك أنه من اللازم على الأزهر أن يرجح المسألة الدينية. تراجع دور الأزهر الذي نشهده مؤخراً أتاح الفرصة لغير العارفين إلى تستطيح أهم قضايانا وأقرب مثال على ذلك ما عُرض مؤخراً في دور السينما من أفلام مثل «حسن ومرقص» تتخذ من خارجها شكل المعالج لقضية الوحدة الوطنية وفي جوهرها تسطيح خطير لقضية المسيحيين والمسلمين، وللأسف الشديد مثل هذه الأفلام تؤثر تأثيراً مباشراً على وجدان الأمة ويتخذ الناس منها مرجعية دينية لهم بما تحويه من تسفيه للزي الديني ولدور علماء الأزهر تحديداً ورغم كل ذلك فالأزهر صامت ولم يبد أي رأي لا بالرفض ولا بالقبول.

من جانبه يقول د. محمد نصر مهنا (أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة): بالنظر إلى الناحية التطبيقية، فإن الأزهر ليس مستقلاً. الأزهر بشيخه خاضعا للدولة بشكل كامل ولا ينفذ إلا ما تريده الدولة، وعدم تبعية جامعة الأزهر إلى المجلس الأعلى للجامعة وتبعيته لمجلس الوزراء يؤكد عدم استقلال هذه المؤسسة. أيضاً من الأمور التي تشوب أداء الأزهر ابتعاد شيخه عن الجماهير وعدم التحام الأزهر مع الأحداث التي تشهدها منطقتنا بشكل خاص والعالم الإسلامي بعامة، كما أن قانون تعديل الأزهر أبعده عن دوره الرئيس حيال القضايا الدينية الأصيلة.

ويضيف د. مهنا: الكنيسة القبطية التي يتم فيها انتخاب البابا من المسيحيين أنفسهم وهذا بعكس منصب شيخ الأزهر الذي يتم بالتعيين. من هنا يتأكد لنا أن الأزهر لن ينال استقلاله بشكل كامل إلا بعد تلافي كل هذه الأخطاء التنظيمية وهذا لمصلحة الإسلام والمسلمين.