Ad

قبل مئة سنة تقريبا ، جاء بدوي اسمه سليمان الاحمد لزيارة عباس بك، ابن عم والد رشيد نخلة في لبنان ، وحكى احدى قصص شاعر النبط الكبير محسن الهزانيب، واورد أبياتا من شعره، وكان هذا الخبر هو العلاقة الاولى التي ربطت امير الزجل رشيد نخلة، بأمير الشعر النبطي محسن الهزان، ويبدو أن رشيد نخلة أخذ يبحث بعد ذلك عن محسن الهزان ، ويسأل عن اشعاره واخباره

من المعروف أن اشعار وقصص محسن كانت متداولة في دول الشام والعراق ومصر وغيرها، ولم تكن مقتصرة على الجزيرة العربية والدول العربية، بل انها وصلت إلى الغرب عند المهتمين، فقد طبع المستشرق الالماني البرت سوسن كتابه «ديوان وسط جزيرة العرب» سنة 1900، وضمنه مجموعة من اشعاره واخباره، كما عني مستشرقون غربيون اخرون بمحسن الهزاني، وكان من بين القصائد التي سمعها واطلع عليها رشيد نخلة، تلك الأبيات المتبادلة بين محسن الهزان وعبد رنية، وقد أعجب بها امير الزجل، فعارضها ونظم على نسقها.

كتب رشيد نخلة روايته «محسن الهزان» وظلت مخطوطة عنده سنوات طويلة حتى جاء امير الشعراء أحمد شوقي زائرا للبنان سنة 1925م فدعاه نخلة إلى بيته، فدار الحديث بينهما عن الشعر الملحمي.

وذكره براوية «محسن الهزان» فطفق يبحث عنها، حتى وجدها، ثم التقى مرة اخرى بشوقي بعد ايام، واخذ يقرأ عليه منها، ومن اشعاره، ولا شك انه قد حدثه عن محسن وأسمعه بعض أشعاره.

لندع الحديث لصاحب الشأن، وهو رشيد نخلة ليخبرنا بتفاصيل القصة، وذلك في مقدمته لرواية «محسن الهزان» حيث يقول: «ثم سبح بي العمر، فغرقت رواية محسن في النسيان دون ان يعلم بها احد، حتى نزل امير الشعراء شوقي لبنان عام 1925م، وعقدنا ذلك الوداد الذي لا يفت فيه غياب الوجوه، واختلاف الدنياوات، فذكر شوقي مرة عندنا في البيت قضية الملحمة في الشعر العربي، فأذكرني رواية محسن فطفقت افتش عنها وراء غبار الماضي، واجمع ابياتها المبعثرة، واصلح برأي الكهولة عبث الصبا فيها، حتى تم لي ذلك بعد جهد كثير، وكان من سروري فوق ما اصف حين اقبلت على شوقي بعد ايام اقرأ عليه طائفة من محسن، وهو رحمه الله يطرب ويستعيد هذا المقطع مرة مرة ومرتين مرتين:

والسهل كان يموع موع الحرير

والليل من ضو القمر قطعة رخام

والليل من ضو القمر لونو انمحى

حتى الذهب خالط الفضة من الضحى

وراح النسيم عالسهل يمشي سوسحا

واللولحا لردان محسن والكمام»

وقد نظم رشيد نخلة روايته على طريقة الزجل اللبناني، وبعد ذلك ارتأى ان ينظمها على الطريقة الدارجة في الشعر النبطي او الشروقي كما يسميه، ونظم مقاطع منها، لكنه اضاعها ولم يعثر عليها، حتى جاء ابنه امين نخلة، فبحث عنها ووجدها.

وقد اورد لنا امين نخلة في مقدمته لديوان ازجال والده، المسمى «معنى رشيد نخلة» ابياتا منها، ومن الواضح ان رشيد نخلة قد عارض فيها قصيدتي محسن الهزاني وعبد رنية الشهيرتين، والابيات التي اوردها هي:

«يا مير من جنب الطويلع بيومين

مربع وضيح الرحب لتقول جنه

مسبح بعمدان الذهب طول رمحين

والخز والديباج من تحتهنه

والتمر بزهير السمن عقد كومين

والنوق تردف من ورا الجوف بنه

وبيض المذاكى تحيط بالربع صفين

غيه مصاليت العرب فوقهنه

ويا محسن الهزان وتمر بالعين

اخت القمر وتقول للعقل جنه

ذباحة بالعين من بين هدبين

لوسايلوك السحر لتقول هنه

تحدج على الوركين من فوق ساقين

ما ند لون العاج من لونهنه

ومن حولها زينات غرن تهادين

والعنبر الفواح بردانهنه

وقد طبعت رواية محسن الهزان في بيروت سنة 1936 ثم طبعت في البرازيل سنة 1940 ثم طبعت في صيدا بلبنان مرة أخرى، وطبعت في سوريا باسم آخر وهو »هند بنت جفيل».

منقولة بتصرف من مجلة فواصل العدد 212 نوفمبر 2007

الشاعر في سطور

ولد رشيد نخلة في 6 شباط 1873 وتعلم في مدرسة عين زحلتا ثم في مدرسة سوق الغرب الأميركية. باشر الوظائف ، كاتب تحرير قائم مقامية بلاد الشوف، ثم في الجندية اللبنانية، فمدير العرقوب الشمالي 1907 خلفاً لوالده، وقائم مقام جزّين 1911. ثم تولى مديرية دير القمر الممتازة 1914، وفي سنة 1915 نفي الى القدس، وفي 1918 عين رئيس القلم العربي، ومدير معارف لبنان، فمدير الأوقاف والأديان والمصالح العامة في الجبل، وهذه الوظيفة أنشئت خصيصاً له، وألغيت عندما انفصل عنها. سنة 1920 عين مفتشاًً للأمن العام ، وفي سنة 1925 عين محافظاً لصور ، وبقي في المحافظة خمسة أعوام الى أن أحيل سنة 1930 الى التقاعد.

وهو ناظم النشيد الوطني اللبناني سنة 1926م ، ولقب بامير الزجل سنة 1933 ، وهو اول من لقب بذلك في لبنان ، الف رشيد نخلة مجموعة من الكتب تدور حول الشعر والزجل والمذكرات والتاريخ والنقد والادب والاجتماع والرسائل والسياسة، نظم بالفصحى وبالعامية كما كتب النثر.