يحصد الأداء الأخير لدور الزوج المخدوع والعميل في وكالات الاستخبارات المركزية الذي قدمه جون مالكوفيتش في فيلم Burn after Reading توقعات بالحصول على ترشيح للفوز بجائزة أوسكار أخرى. وفي هذا المقال، يتناول غاينور فلين سبب عدم اهتمام مالكوفيتش بالجوائز، وكرهه مشاهدة أفلامه الخاصة، واحترامه للمسرح أكثر من الأفلام.

Ad

لا تدخل كل يوم إلى غرفة فندق لتجد ممثلين ترشحا مرتين للفوز بجائزة أوسكار مستلقيين بأناقة على السرير (مرتديين بذلة وربطة عنق).

لكن جون مالكوفيتش (54 عاماً) لا يشبه معظم الممثلين. بنى مسيرته المهنية من خلال أداء الأدوار الغريبة مع الحفاظ على الصفات المميزة في شخصيته. إسألوا أصدقاءه عن ذلك. يصفه غاري سينيز، الذي شارك في سلسلة CSI:NY المشهورة، بأنه «غريب الأطوار من جميع النواحي، الشخصية، الملابس، روح المرح... إنه شخص فريد جداً». أما تيلدا سوينتون التي عملت معه للتو في فيلم الأخوين كوين Burn After Reading فتصفه بأنه «غريب الأطوار إلى حد بعيد».

أخيراً زار مالكوفيتش تورنتو لحضور مهرجان الأفلام حيث عُرِضت له ثلاثة أفلام: «مغامرة التجسس الغريبة» للأخوين كوين التي يؤدي فيها دور محلل سابق غاضب في وكالة الاستخبارات المركزية تخدعه زوجته (سوينتون) وعشيقها (جورج كلوني) ثم يتعرض للابتزاز على يد أحمقين (براد بيت وفرانسيس ماك دورمان)، In Disgrace (إخراج ستيف جاكوبز) يؤدي فيه دور أستاذ يفسد مسيرته المهنية عندما يقيم علاقة مع إحدى تلميذاته في جنوب افريقيا في الفترة التي تلت سياسة التمييز العنصري، In Afterwards (لجيل بوردوس) يؤدي فيه دور طبيب يستطيع التكهن بموعد وفاة الناس.

مهرجان تورنتو مهم جداً، ويمهد لحفل تسليم جوائز الاوسكار. يثير أداء مالكوفيتش في فيلم الأخوين كوين ضجة كبيرة، خصوصاً إذا تمكن من الترشح لجائزة أوسكار للمرة الثالثة، وهو أمر يعتبره الممثلون في غالبيتهم مصدر قلق بالنسبة إليهم (ترشح سابقاً عن فيلم Places in the Heart عام 1984 و In the Line of Fire عام 1993)، إلا أنه يعلق بصوته الناعم الهادئ «لا أهتم لذلك».

غرور

في ما مضى اتُهِم مالكوفيتش بالغرور ومن السهل فهم السبب، فهو يتمتع برباطة جأش كبيرة ويتمالك نفسه بشدة. يبدو كأن شيئاً لا يستطيع اختراق هذا المظهر الهادئ ولا حتى جائزة الأوسكار.

يتابع مالكوفيتش: «أتأسف إذا كره الناس أفلامي، لكني أفرح إذا أحبوها. لا تشغلني مسألة الفوز بالأوسكار بل حب الناس لأفلامي. آمل أن أنفّذ فيلمي الرابع Love and Virtue مع راوول رويز هذه السنة، وهو عبارة عن ملحمة تستند إلى أسطورة العصور الوسطى The Song of Roland؛ والأفلام الثلاثة الأخرى التي نفذتها معه كانت Time Regained و Klim وSavage Souls. لن أصدم إذا لم يحقق الفيلم في الأسبوع الأول إيرادات بقيمة 70 مليون دولار، مع أنني أعتقد أن فيلماً موضوعه الامبراطور شارلمان سيجذب المشاهدين إلى شباك التذاكر».

غير أن فيلم Being John Malkovich للمنتج والمنفذ تشارلي كوفمان يبيّن أن الدخول إلى رأس هذا الرجل ليس سهلاً أبداً. لكن لمَ يشارك في فيلم يشك في نجاحه؟ يعلّق مالكوفيتش أن «القاعدة الأساسية هي أن تقوم بشيء ما لأنه قد يكون جيداً؛ بعض الأفلام قد يكون كذلك بعكس البعض الآخر».

مسيرة مهنية مميزة

من بين أعمال مالكوفيتش الرائعة The Killing Fields (وهو فيلم طَبَعَ بداياته) Dangerous Liaisons

وRipley’s Game المقتبس عن رواية لباتريسيا هايسميث. أما أفلامه التي لم تحقق نجاحاً كبيراً فهي Mary Reilly وThe Knockaround Guys

وThe Convent.

وفي هذا السياق يوضح مالكوفيتش: «أثناء أداء بعض هذه الأفلام عرفت أنها لن تحقق نجاحاً، لكنني قمت بما يصب في مصلحتي، بصفتي ممثلاً لا أختار التمثيل إلا في الأفلام التي تُعرَض عليّ. ثمة أدوار كثيرة لا تُعرض علي، ليس بنيتي الانتقاد بل عرض الوقائع. لا أحد يأتي ويقول لي: «ستشارك في فيلم إلى جانب ويل فيريل»، مثلاً، كنت لأفعل لو طلب مني ذلك».

يتبنى مالكوفيتش في حياته ومسيرته المهنية مقاربة تعتمد على التأمل. يعترف بأنه لا يستطيع مشاهدة أفلامه لكنه ليس نادماً أبداً على أي منها. ويضيف ضاحكاً: «لا أعيش في الماضي لأنني لا أستطيع العودة إليه. عندما كنت أصغر سناً راودني نوع من الندم، الشعور بالذنب، الخجل. أنا الآن أب لولدين (أماندين 18 عاماً ويدعوها الجميلة، لوي 16 عاماً يدعوه الرجل الصغير)، شعرت دائماً بوجود شيء كان علي قوله أو القيام به، ثم عندما يبلغ الأولاد مرحلة المراهقة تدرك أنه ما من شيء كان بوسعك القيام به من أجلهم».

طفولة ممتعة

يصف مالكوفيتش، الذي ولد في بلدة صغيرة في بنتون في ولاية إلينوي وسط عائلة تضم خمسة أولاد، الطريقة التي تربى فيها بأنها «ممتعة» و{مملة» في آن. ترعرع في كنف عائلة من الصحافيين، كان والده يدير إحدى المجلات في حين أدارت والدته وشقيقه وجداه الصحيفة المحلية. درس مالكوفيتش علم البيئة في جامعة الينوي الشرقية إلى أن اكتشف موهبته في التمثيل، فانتقل إلى ولاية إلينوي لأنها تقدّم برنامجاً للتمثيل. هناك التقى سينيز، أحد المشاركين في تأسيس شركة Steppenwolf Theatre Company الشهيرة، وانضم إليهم عام 1976. اليوم تصنف هذه الشركة من بين الأبرز في مجال الأعمال المسرحية في الولايات المتحدة.

لطالما كان المسرح حبه الأول وسيبقى كذلك، وعندما يُسأل عن أفضل أعماله يجيب بلا تردد أنها كانت على خشبة المسرح. بالنسبة إليه المسرح أشبه بالرسم، أي أنه يتضمن عمقاً أكبر وهو أكثر دقة ومتعة، كذلك يتبدل من ليلة إلى أخرى لأنه ينبض بالحياة، ولهذا يقدره كثيراً.

لسنوات عديدة لم يكن مالكوفيتش وفياً لحبه الأول. عندما كان ولداه صغيرين (ترعرعا في فرنسا حيث أقام)، شعر بنوع من الضياع، أوضح: «لم يكن بوسعي أن أكون أباً جيداً وممثلاً بارعاً على خشبة المسرح في آن، كنت أتغيب في معظم الأحيان»، ولهذا اتجه نحو الأفلام. والآن ولداه مراهقان ويأمل أن يمضي وقتاً أقل مع عشيقته ووقتاً أطول مع حبه الحقيقي، وقد بدأ ذلك فعلاً. في السنة الماضية مثلاً أخرج مسرحية Good Canary المقتبسة عن رواية لزاخ هيلمز في باريس، ويعود في السنة المقبلة إلى باريس لإخراج «ترجمة جديدة» لفيلم Les Liaisons Dangereuses لكريستوفر هامبتون، «منحني الإذن بمحاولة ذلك وإذا أعجبه سننفذه» على حد تعبيره.

عودة الى السينما

ماذا عن الأفلام؟ ما الذي تعنيه لك؟ يغرق في صمت عميق. لوقت طويل لم يُعرض على مالكوفيتش الكثير من الأفلام الأميركية، ويُعزى ذلك جزئياً إلى إقامته في فرنسا مع شريكة حياته نيكوليتا بيران (التقيا خلال عرض فيلم The Sheltering Sky للمخرج برناندو برتولوتشي عام 1990)، ثم انتقلت العائلة إلى بوسطن عام 2003 (اختار هو شيكاغو فيما فضلت بيران بوسطن)، ومنذ ذلك الحين ازدادت العروض التي تطلب مشاركته في أفلام أميركية. في السنة الماضية مثلاً شارك في فيلمي Beowulf وThe Great Buck Howard، وسيظهر قريباً في فيلم The Changeling، يجمعه مجدداً بكلينت ايستوود الذي شارك معه في فيلم In the Line of Fire، والآن يشارك في فيلم الأخوين كوين.

فضلاً عن ذلك، عمل مالكوفيتش مع مخرجين بارزين على غرار أنتونيني ومانويل دي أوليفيرا. لكن ما رأيه بالأخوين كوين: «حذقان جداً ولديهما خبرة واسعة، وهذا لا ينطبق على أناس كثر، لا يملك بعض المخرجين أدنى فكرة عن الاخراج، لكن الأخوين كوين يبرعان وينجزان أفلاماً رائعة فضلاً عن أنهما سهلا المعشر».

يمكن القول عن مالكوفيتش إنه ذكي ومثقف، يجيد لغات متعددة ويميل إلى أفلام فيليني وتاركوفسكي مثلاً. يتابع: «أشعر بسعادة غامرة عندما أشاهد فيلم Tropic Thunder (أُطلِق حديثاً للمخرج بن ستيلر) وسأحب The Lives of Others

وPorkies II، الجزء الثاني من Porky’s. يهدف أحد هذين الفيلمين إلى إضحاك الناس في حين أن الآخر يسعى إلى تعليمهم كيف يعيشون حياتهم. فإذا تمكنا من بلوغ هدفهما سيسعدني ذلك كثيراً».

إلى جانب الإخراج والتمثيل يعمل مالكوفيتش في مجال الانتاج. أسس عام 1998 شركة إنتاج خاصة به باسم Mr Mudd أنتجت أفلاماً منها Ghost World وThe Libertine

وArt School Confidential وغيرها. ويضيف ضاحكاً: «أكسب قوتي من التمثيل وأصرف أموالي على الانتاج». إذاً لماذا تفعل ذلك؟ يجيب «لأنني أحبه وثمة مليون سبب يدفعني إلى تنفيذ فيلم معين. نفّذت Ghost World وThe Dancer Upstairs (طبع بداياته في مجال الاخراج) لأنهما أعجباني».

تتساءلون عما إذا كان مالكوفيتش راضياً بإنجازاته حتى الآن. يفكر لبضع دقائق ويجيب: «إذا سرت في الشارع وقال لي أحدهم إنه أحب دوراً معيناً أو فيلماً معيناً، لن أتذكره وما الفرق الذي سيترتب عن ذلك على أي حال؟»

وعندما يُسأل عن السنوات القليلة المقبلة الممتدة أمامه يجيب: «هذا أمر لا أستطيع التحكم به، قد أتلقى عروضاً كثيرة وقد يحصل العكس أيضاً. إذا منحني شخص ما فرصة القيام بشيء ما سأفعل».