كثيراً ما تكون الخلافات الزوجية أو عدم الإنجاب أو ما شابه ذلك من أبرز أسباب الطلاق في أي مجتمع. المثير للدهشة والقلق، أن يكون السبب الرئيس للطلاق هو إنجاب الأنثى، وقد يكون ذلك منطقياً بعض الشيء عندما يحدث في حالات فردية، أما أن يتحول إلى ظاهرة فهو أمر يجب التوقف عنده ملياً للبحث عن أسبابه ونتائجه.
كشفت إحصائية حديثة صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري، أن هناك عشرة آلاف زوجة مصرية تُطلّقن سنوياً بسبب إنجاب الإناث، وتصل نسبة الطلاق بسبب إنجاب الأنثى في الوجه القبلي المصري إلى 20 %، بينما في الوجه البحري 15 %. رصدت «الجريدة» الإحصائية الخطيرة وأبعادها مع علماء الدين والاجتماع في القاهرة في سياق التحقيق التالي.في تعليقه على الإحصائية، يحاول د. نبيل السمالوطي (أستاذ علم الاجتماع والعميد الأسبق لكلية الدراسات الإنسانية في جامعة الأزهر) رصد الأسباب الاجتماعية التي أدت إلى إحياء فكرة رفض الأنثى في العصر الحديث، بل هدم الأسرة لمجرد إنجابها، ويعتبر أن هذا الأمر شذوذ اجتماعي مخالف للعصر الراهن في عقول بعض الرجال، يقول السمالوطي: «لا يفرق الواقع الراهن بين ذكر وأنثى، بل على العكس، قد تجد الأخيرة مصادر للدخل لا يستطيع الذكر الحصول عليها». يضيف د. السمالوطي: «قد يكون من بين أسباب طلاق الرجل زوجته بحجة إنجاب الأنثى، الظروف المادية القاسية التي تجعله يظن أن إنجاب البنات سيؤدي إلى زيادة الأعباء المادية عليه، خصوصاً عندما يكبرن ويصبحن في عمر الزواج، وهناك أمر آخر هو عدم وجود ثقافة جنسية ملائمة لدى الزوجين وشيوع الصورة السيئة عن الفتاة، والسلوكيات المحيطة بالمجتمع والتي تجعل صورة المرأة إباحية، في مجالات مختلفة».يتابع السمالوطي: «من الممكن أن يأخذ إنجاب الأنثى ذريعة للجوء الرجل إلى طلاق زوجته، كأن يكون غير راضٍ عن الزوجة التي ارتبط بها، لكونها لا تملك مواصفات الزوجة الجميلة التي يراها عبر الفضائيات، والدليل على ذلك، ارتفاع نسبة الطلاق بين الأزواج الصغار في السن بعد إنجاب الأطفال ولا يتعدى عمر زواجهم خمس سنوات، إذ يلمسون الإختلاف بين ما هو في الخيال وبين الواقع. قد يجد الزوج نفسه غير قادر على أعباء الزواج، فيستغل الفكرة الشرقية برفض إنجاب الأنثى، والتعلق بفكرة ضرورة إنجاب ذكر». يشدد السمالوطي على جملة أمور يجب أن يعتمدها المجتمع لتجنّب حدوث مثل تلك المشكلة في مستقبلاً، على رأسها عناية الآباء والأمهات بتثقيف أبنائهم وبناتهم منذ البلوغ على أهمية الأسرة، والدور الذي يتبادله الزوجان في ما بينهما، وشكر نعمة الولد سواء كان ذكراً أم أنثى، ليتربى الجيل الجديد على الحفاظ على كيان الأسرة وعدم هدمها بسهولة.ترى د. سهير عبد العزيز (أستاذة علم الاجتماع في كلية الدراسات الإنسانية في جامعة الأزهر)، أن طلاق النساء بسبب إنجاب الإناث تراجع عما كان عليه في الماضي، «إلا أن هذه الإحصائية تشير إلى وجود فكر اجتماعي خاطئ، ما زال قابعاً في عقول بعض الرجال، داخل مجتمعاتنا العربية، وهو حب إنجاب الذكور ورفض كثرة الإناث». بعد اقتصاديتضيف د. عبد العزيز أن ثمّة عوامل اجتماعية كثيرة تزيد على ميل الرجال إلى إنجاب الذكور وتهديد المرأة بالطلاق إن أنجبت أنثى، منها البعد الاقتصادي حيث يرتبط في أذهان الكثيرين بأن الذكور هم مورد الرزق الأساسي للأسرة، على الرغم من وجود فرص عمل متكافئة بين الذكور والإناث، في كثير من المجتمعات العربية. كذلك، تشير إلى أن مسألة حب توريث الذكور بدلاً من الإناث، يعد عاملاً من عوامل رفض إنجاب الأنثى، إذ يميل كثير من الأسر إلى تفضيل أن يذهب الإرث إلى الذكر وليس إلى الأنثى كي لا يأخذه شخص آخر ليس من عصبها وهو زوج البنت.في السياق نفسه، توضح د. عبد العزيز أن فكرة طلاق المرأة بسبب إنجاب الأنثى استنادًا إلى ابتعاد الإرث تنتشر في الصعيد المصري خصوصاً وبين الفئات الغنية نتيجة امتلاكهم أراض وعقارات يريدون أن تبقى تحت اسم عائلة الزوج عموماً، مؤكدة ضرورة تحسين النسل بالتربية الصحيحة، بدلاً من فكرة نوعه، والاجتهاد في نشر تلك الفكرة في المناطق ذات التعليم المتوسط، أو الثقافة البسيطة، وتوضيح التكافؤ بين الذكور والإناث في الحقوق والواجبات، لذلك تطالب د. عبد العزيز علماء الدين بالقيام بهذا الأمر، {على اعتبار أن كلمة الدين دائمًا مستجابة في نفوس الناس، لافتة إلى أن الدراسة تعد مؤشراً على رفض إنجاب الإناث، بدليل انتشار مراكز تحديد الجنين في دول العالم العربي، والذي غالباً ما يتم اختياره ذكرًا، تحت مظلة تأييد شرعي من فتاوى تجيز اختيار نوع الجنين، ومنها فتوى د. علي جمعة، (مفتي مصر) الذي أكد فيها أن تحديد نوع الجنين جائز لأن الأصل في الأشياء، الإباحة ما لم يرد نص بتحريمه، واعتبر أن التحديد لا يتعارض مع مشيئة الله - عز وجل- في قوله تعالى: «يَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ الذُّكُورَ»، موضحًا أن التعرض لهبة الله والسعي إليها غير محظور لأنه في ذلك كالرزق الذي يسعى اليه الإنسان}.أمية تقول د. آمنة نصير (أستاذة العقيدة والفلسفة في جامعة الأزهر وعضو لجنة المرأة في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية): إنه أمر نندهش له في مرحلة التقدم العلمي الذي نحياه الآن، والذي يعبر عن جاهلية معاصرة». تتساءل نصير: «هل عدنا إلى الجاهلية الأولى في مسألة قبول الأنثى من عدمه؟ على الرغم من تقدّم الوضع الاجتماعي وتعليم الفتيات، لم يعد الفخر بالولد الذي يركب الفرس ويحمل السيف، فالأنثى الآن تحمل الإلكترونيات وتستطيع أن تحارب، وعليه فالطلاق بسبب إنجاب الأنثى هو أمية وجاهلية جديدة وتخلّف في المجتمع يؤدي إلى الحزن العميق». تؤكد د. نصير أن الزوج الذي يطلق زوجته لإنجابها أنثى هو إنسان آثم لأنه يرفض عطاء الله، «الذرية عطية من الله، فكيف يعطيني الخالق عطية ثم أتمرد وأرفضها وأقطع علاقاتي مع الزوجة، مثل هذا الرجل كأنه يبحث عن أمر، فوجد الفرصة في إنجاب الأنثى، لذلك ليست مسألة الطلاق لمجرد إنجاب البنات، بل هناك أمور كثيرة داخل البيت أدت إلى هذا الوضع».تضيف د. نصير: «يمكن إرجاع سببه إلى المرأة نفسها، لأنها لم تقدم حتى الآن دليلا على مدى فاعليتها في المجتمع، إلى جانب الذكور، بحيث يطمئن الزوج لمن سيكون معاونًا ورفيقًا له في حياته. نعاني من كسل المرأة، فهي لا تحب أن تقوم بعمل تحاول مساعدة الناس من خلاله فتأخذ المكانة الرفيعة إلا في ما ندر»، موضحة في هذا المجال أن ثمّة عادات وتقاليد أخذت مأخذ الدين في عدم إنجاب الإناث وهو منها براء، حتى وصل الأمر إلى قتل المولودة، أو إسقاطها، إذا عُرف عن طريق السونار أنها بنت، وهو ما يتطلب توعية بصورة مستمرة، توضح ما هو من الإسلام، وتدحض الافتراء عليه في النظرة إلى الأنثى.
توابل - علاقات
التخلّص من الأم بديلاً عن وأد البنات: 10 آلاف مطلّقة مصريّة سنوياً بسبب إنجاب الأنثى!
04-08-2008