لمَ نطرح السؤال الآن؟كتب هاورد شولتز، مؤسس سلسلة المقاهي الأوسع انتشاراً في العالم ومديرها التنفيذي، لموظفيه عما يسميه «القرار الأكثر إثارة للقلق الذي اتخذتُه خلال أكثر من خمس وعشرين سنة قضيتها في إدارة ستارباكس». بعد سنوات من النمو الكبير، أُرغمت سلسلة ستارباكس على تقليص عدد مقاهيها. خلال الأشهر القليلة المقبلة، سيقفل 600 من فروع ستارباكس السبعة آلاف ومئتين في أنحاء الولايات المتحدة، الأمر الذي سيعرض حوالي 1200 موظف لخطر البطالة. أحد الأشخاص الذين خسروا وظيفتهم هو المدير التنفيذي السابق جيم دونالد الذي طُرد في يناير(كانون الأول) الماضي.
ما الذي حدث؟من الواضح أن مقاهي ستارباكس كانت تنمو بسرعة كبيرة ويعود عليها النمو بأرباح جمة. منذ عام 2004، ارتفع عددها في العالم من أربعة آلاف في 20 دولة إلى خمسة عشر ألفاً في 40 دولة. يمكن الخروج من مقهى والنظر إلى آخر الشارع وإيجاد مقهى آخر لستارباكس، وهذا ما يشكل جزءاً من المشكلة. ثمة مقاه كثيرة قريبة من بعضها، الى درجة أنها تتنافس مع بعضها. ثلاثة أرباع المقاهي التي تستعد للإقفال، هي مقاهٍ جديدة افتتحت منذ عام 2006. يبدو أن وول ستريت تعتقد أنها فكرة سديدة، ارتفع سعر السهم في الشركة أخيراً بعد انخفاضه حتى النصف خلال سنتين. كم يبلغ عمر تلك المقاهي؟نظراً إلى مدى انتشارها، يصعب تخيُّل أن مقاهي ستارباكس لم تكن موجودة في بريطانيا أو أي مكان آخر خارج الولايات المتحدة منذ عشر سنوات وشهرين. افتتح المقهى الأول في سياتل في سبعينات القرن العشرين، إلا أنه استغرق وقتاً طويلاً للنمو. في عام 1987، كان ثمة أربعة مقاه فحسب. تمثل المشروع الأول في السوق غير الأميركية، في شراء 65 مقهى بريطانياً من شركة مقاهي سياتل في مايو (أيار) 1998. في غضون أقل من تسع سنوات، برز 500 مقهى مع افتتاح مقهى جديد كل أسبوعين. هل يمكن شراء فنجان قهوة بثمن رخيص؟يكلف أرخص فنجان قهوة على لائحة ستارباكس أكثر مما تدفعه في مطعم ماكدونالدز بثلاثة أضعاف، لكن يمكنك أن تدفع مبلغاً أقل في ستارباكس إن كنت تعرف ما يجب أن تطلبه ولو أنهم لا يريدون أن يعرف كثيرون ذلك. وجدت حلاً ذكياً لمشكلة البائعين بالتجزئة، ألا وهي أن مَن يتقاضون سعراً أقل يخسرون المال، بينما الذين يتقاضون سعراً أعلى يخسرون الزبائن. إنه يدعى فنجان ستارباكس «القصير»، وهو عبارة عن فنجان يبلغ حجمه 225 غ ويكفي معظم الناس، لكنه يبلغ ثلثي حجم أرخص فنجان على لائحة ستارباكس، أي الفنجان «الطويل»، ويكلف أقل. عندما يطلبه أحد ما، لا يمرر الموظف الطلب بصوت مرتفع كالعادة بل بهدوء لئلا يسأل الآخرون عن ماهية الفنجان «القصير». ليس ذلك الفنجان السري أرخص فحسب، بل يقال إنه أقوى نكهة وألذ من أي نوع آخر مذكور على اللائحة. هكذا يعود زبائن الفنجان «القصير» على الدوام، فيما يُقدَّم للزوار المعتادين الذين يطلبون تلقائياً النوع الأرخص على اللائحة، فنجان القهوة «الطويل» الأغلى ثمناً.ما المختلف في ستارباكس بغض النظر عن السعر؟تقوم سياسة المقهى على مبدأ أن مَن يقصد ستارباكس لشراء القهوة يحتاج إلى مكان يشعر فيه بالراحة، يمنحك تصميم المقهى «مساحة شخصية». يعتبر موظفو ستارباكس «شركاء» وليس «موظفين»، وتضم الفناجين التي تُقدم فيها القهوة أفكاراً فلسفية من «زبائن ستارباكس» بعنوان «كما أرى الأمر». مثلاً، تبدأ الفكرة رقم 232 بالتعليق التالي «لا يمكنك بكل بساطة أن تجعل أحداً يحبك إن لم يرد ذلك». تشدد الشركة على «مسؤوليتها الاجتماعية» لتُشعرك بأنك تساعد أحد المزارعين في مكان ما في دول العالم الثالث عندما تحتسي قهوتك. تعتبر ستارباكس علامة تجارية مهمة، في السنة الماضية، أطلقت نادياً للكتب وروجت كتاب إشمايل بيا A Long Way Gone: Memoirs of A Boy Soldier الذي يتحدث عن النشأة في سيراليون المقطعة الأوصال بسبب الحرب، والرسالة الضمنية هي أن شراء قهوة ستارباكس يجعلك انساناً ذكياً وواعياً على الصعيد الاجتماعي. إذاً لمَ أعداء ستارباكس كثر؟ما تمثله ستارباكس بالنسبة إلى تجارة المقاهي يعادل ما تمثله متاجر تسكو، بالنسبة إلى البيع بالتجزئة، أي التجارة الأوسع والأكثر شعبية وتداولاً والأكثر كرهاً في المجال، ثمة مواقع إلكترونية تحت عنوان «شائعات ستارباكس» أو «أكره ستارباكس». يكمن جزء من مشكلة الشركة في محاولة إقناع الزبائن الأذكياء بأن ستارباكس تقدم لهم شيئاً مميزاًً، لكن مجرد عدد المقاهي يجعلها بكل وضوح شركة ضخمة متعددة الجنسيات، تبيع مشروباً معيارياً حول العالم. منذ عشر سنوات، بدت مقاهي ستارباكس مختلفة، أما الآن فتشبه مطاعم ماكدونالدز ولكنها أكثر كلفة، ويتذمر الزبائن قائلين إنه يجب تقديم قهوة ذات جودة عالية بدلاً من إدارة نوادي الكتب وتقديم الأفكار الفلسفية. ألا يقع الخطأ على الاقتصاد العالمي؟يعزو شولتز مشاكل ستارباكس إلى ارتفاع أسعار الوقود راهناً، مع ارتفاع كلفة صفيحة البنزين، يضطر الناس إلى التخفيف من شراء الكماليات فيمتنعون عن تناول القهوة في ستارباكس، على حد تعبيره، لكن إن كان ذلك صحيحاً، فستعاني المقاهي كلها من تلك المشكلة.مع ذلك، أبلغ ويتبريد الذي يملك سلسلة مقاهي كوستا، عن ارتفاع الأرباح بنسبة 26 في المئة في أبريل (نيسان) الماضي، وأكد أنه يخطط لمضاعفة عدد مقاهي كوستا إلى ألفين في السنوات الخمس المقبلة. عام 2007، حققت ستارباكس 24 في المئة من التسعمائة مليون جنيه استرليني الذي تنتجه سوق القهوة البريطانية سنوياً، فيما حققت مقاهي كوستا 23 في المئة، واعتُبرت كافيه نيرو، المنافس الكبير الآخر في السوق نفسها، في مايو (أيار) الماضي، إحدى الشركات المئة الأسرع نمواً في بريطانيا. في الولايات المتحدة، ثمة ما يدلّ على أن الزبائن يفضلون قهوة دانكن دوناتس، سلسلة المقاهي التي تضم 6500 مقهى ككل. ما الخطأ الذي ارتكبته؟يقول روبرت باسيكوف، من شركة براند كيز لبحوث السوق التي يقع مقرها في نيويورك، للموقع الإلكتروني الأميركي نيوزداي: «جربوا تحويل علامة القهوة التجارية إلى أسلوب حياة واتخذوا خطوة بعيداً عن جودة العلامة التجارية أي تجربة المقهى، لم يعد المكان يبدو كمقهى ولم تعد رائحته كرائحة المقهى».يوافقه لاري ميلر، من أسواق RBC الرأسمالية، الرأي فيقول: «خففت مقاهي ستارباكس من «أهمية تجربة ستارباكس» عبر محاولة القيام بأمور عدة».لا يبدو أن الناس لم يعودوا يحبون القهوة، لكن كثيرين من محبيها لم يعودوا يحبون «ستارباكس». هل هي نهاية ستارباكس؟نعم• تحقق المقاهي العالمية الأخرى أرباحاً جيدة في الولايات المتحدة وخارجها. لا يظهر أي تراجع عام في المقاهي.• يعتقد البعض أن ستارباكس أضرَّت بإسمها عبر عدم التركيز على فكرة المقهى بحد ذاته. من الصعب إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.• عجز هاورد شولتز، مؤسس الشركة، عن إنقاذها الآن بعدما شغل مجدداً المدير التنفيذي فيها، لذا لن يستطيع أحد إنقاذها. لا• قد تقفل ستارباكس 600 فرع، لكن ما زالت تملك حوالي 15 ألف فرع آخر في 43 بلداً. ليس بالأمر السيّئ.• ما إن يخف التباطؤ الاقتصادي، سيستعيد الناس تعطُّشهم إلى القهوة.• تمر كل شركة في فترة ركود، خصوصاً تلك التي تنمو بسرعة مثل ستارباكس.
توابل
هل تتداعى سيطرة مقاهي ستارباكس العالميَّة؟
15-07-2008