Ad

ازدادت شرعية الجماعات الإسلامية تحت الأرض لأنها تفتي باسم الأمة والدفاع عن مصالحها الثابتة، وكفّروا فقهاء السلطان، وأجازوا تصفيتهم الجسدية، كما وصف فقهاء السلطان الجماعات الإسلامية بالخوارج، خوارج هذا العصر، وظل التراشق بسلاح الشرعية الدينية قائماً بين الفريقين.

تهدد وحدة الأوطان أيضا إذا عاش المسلمون أقلية في قطر أغلبيته من غير المسلمين، وحاولوا القيام بحركة انفصالية لتكوين دولة إسلامية مستقلة. كان هذا هو الخطر الذى يهدد المسلمين في جنوب أفريقيا، وهم مازالوا تحت أثر النظام العنصري، خطر التصويت ضد المؤتمر الوطني الأفريقي بزعامة نيلسون مانديلا من أجل وهم تكوين دويلات إسلامية في كيب تاون ودوربان.

مع أن الإسلام في جنوب أفريقيا جزء من حركة التحرر الوطني الأفريقي ومكوّن رئيسي في جميع الحركات المناهضة للعنصرية، فالوطن هو الجامع المشترك بين جميع المواطنين في جنوب أفريقيا مع تعددية في الثقافات والأطر المرجعية، ومازالت حركة تحرير مورو في جنوب الفلبين تمثل هذا الاختيار؛ فصل الجنوب المسلم عن الشمال المسيحي في الفلبين وهو ما يتعارض مع وحدة الأوطان، وقبل ذلك تم فصل باكستان عن الهند مما سبب قضية كشمير، ومنعت الحدود الوطنية الجغرافية من انتشار الإسلام في الهند، والفصل بين شعب واحد بدعوى التمايز الديني بين الإسلام والهندوكية.

فتخلت وحدة الأوطان عن شرعيتها واستبدلت بها شرعية الدين بانفصال باكستان عن الهند، مما وضع المسلمين في الهند دون باكستان في موضع الأقليات، والهندوس والمسيحيين وباقي الطوائف في باكستان موضع الأقليات، بل إن باكستان نفسها انقسمت إلى شرقية في بنغلاديش واقتصرت على الغربية منها نظرا للانقطاع الجغرافي بينهما، ومن ثم أصبحت تهدد الشرعية الدينية وحدة الأوطان.

وقد يعطي الحاكم نفسه الشرعية عن طريق رجال الدين التابعين له والمؤسسات الدينية الخاضعة لسيطرة النظام السياسي، ويكون ذلك عن طريق تكفير الخارجين على النظام، وتخوين المعارضة السياسية، والحكم الشرعي أنهم خوارج العصر، دعاة الفتنة، مبدلو الدين وطبقا للرواية «من بدل دينه فاقتلوه» وفي رواية أخرى «من بدل دينه وفارق الجماعة فاقتلوه». فالمعارضة شيوعية، والشيوعية كفر وإلحاد، «ومن لا إيمان له فلا أمان له». وكل معارضة فهي خروج على النظام، وعصيان للحاكم، وسبب للفتنة يجب استئصالها حتى عاشت معظم حركات المعارضة خارج الأوطان.

ويأخذ الحاكم مسوح المؤمنين، من لبس الجلباب، ومسك العصا، والسير كما يسير الطاعنون في السن، والمتصلون بالله. الزبيبة في الجبهة، وهو في المساجد في صلوات الجمعة، وفي الموالد والأعياد الدينية أمام أجهزة الإعلام. وهو كبير العائلة كالبطاركة القدماء، يدافع عن أخلاق القرية، وهي القيم التقليدية ضد الحداثة والعصرية والتغريب، فيأخذ شرعية من الماضي ليغطي على نقص شرعيته في الحاضر، ويعطي الدين ما افتقدته السياسة.

الرأي رأيه، والحق ما يعلنه، فهو يمثل الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، وغيره من المعارضة هي الفرق الهالكة الضالة، فيستعمل حديث الفرقة الناجية الذي يشكك في صحته ابن حزم وكثير من الفقهاء لإضفاء الشرعية على نظام سياسي غير شرعي. مع أن حق الاختلاف حق شرعي، والكل راد والكل مردود عليه. ويغذي هذا النسق المعرفي نسق كوني آخر، تصور هرمي للعالم يحدد العلاقة بين الطرفين في محور رأسي، بين الأعلى والأدنى، وليس في محور أفقي، بين الأمام والخلف، ثم تتجلى هذه البنية المعرفية الكونية في البنية الأخلاقية والاجتماعية فتنشأ أخلاق القرية، ورب الأسرة، وكبير العائلة، «سي السيد» الذي يطيعه الجميع في «المجتمع البطرياركي».

ويعطي رجال الدين، فقهاء السلطان، الشرعية الدينية لقرارات الحاكم السياسية، إن شاء مقاومة العدو الصهيوني المحتل لأراضي المسلمين والمعتدى عليها والراغب باستمرار التوسع والاستيطان، لا صلح ولا مفاوضات ولا اعتراف بإسرائيل، يخرج رجال الدين بفتاوى تعطي شرعية لقرار الحاكم «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم». وإن شاء الصلح مع عدو الأمس وصديق اليوم والاعتراف والمفاوضة والصلح معه أتت شرعية جديدة وربما بنفس الرجال تبرر قرار الحاكم الجديد بالاعتراف بإسرائيل وإجراء المفاوضات ثم الصلح معها «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها»، بالرغم من أن إسرائيل لم تجنح إلى السلم حتى الآن، وتواصل اعتداءاتها اليومية على الشعب الفلسطيني. فقد الناس احترام فقهاء السلطان، ولم يصدقوا فتاواهم الشرعية. وصاغ الأدب الشعبي عدة أمثال عامية لنقد فتاوى السلطان.

وازدادت شرعية الجماعات الإسلامية تحت الأرض لأنها تفتي باسم الأمة والدفاع عن مصالحها الثابتة، وكفّروا فقهاء السلطان، وأجازوا تصفيتهم الجسدية، كما وصف فقهاء السلطان الجماعات الإسلامية بالخوارج، خوارج هذا العصر، وظل التراشق بسلاح الشرعية الدينية قائماً بين الفريقين. فالدين سلاح مزدوج بين الخصوم، يستعمله كل فريق لصالحه، وكل فريق يجد في القرآن والحديث والتراث الفقهي بغيته.

أما الطبقة المتوسطة فقد انقسمت إلى يمين ووسط ويسار؛ اليمين أقرب إلى الجماعات الإسلامية في منطلقاتها النظرية ومواقفها العملية؛ واليسار أقرب إلى الجماعات اليسارية في منطلقاتها النظرية ومواقفها العملية كما يتمثل في «لاهوت التحرير»؛ والوسط متأرجح بين الاثنين، أقرب إلى اليمين في أسسه النظرية وإلى اليسار في ممارساته العملية.

* كاتب ومفكر مصري