يرى المراقبون السياسيون ان الجغرافيا السياسية اللبنانية باتت موزعة بعد الصدامات العسكرية الأخيرة على خريطة تتضمن ست مناطق محكومة باعتبارات مستجدة ومتداخلة وقابلة للتحول، في انتظار ما يمكن أن ترسو عليه المعادلة السياسية المنبثقة عن الواضع الجديد.

ويشرح المراقبون هذا التوزيع وفقا للآتي:

Ad

1 - بيروت: سقطت عسكريا تحت سيطرة حزب الله وحلفائه في حركة امل والحزب السوري القومي الاجتماعي قبل ان ينتشر فيها الجيش اللبناني. ويعتبر الوضع فيها محسوما سياسيا لمصلحة المعارضة على الرغم من قرار سحب المسلحين وتسليم الجيش اللبناني مسؤولية الأمن.

2 -الجبل: وضعه يختلف عن وضع بيروت، لأن الحزب التقدمي الاشتراكي نجح من خلال الحل الذي رعاه الامير طلال ارسلان بتكليف من النائب وليد جنبلاط في منع حزب الله من الدخول الى المناطق ذات الأغلبية الدرزية مما يجعل «الخسارة الميدانية» أقل وقعا سياسيا على جنبلاط أحد أركان الأكثرية (قوى 14 آذار). اما الحزب الديمقراطي اللبناني بزعامة الامير طلال ارسلان وتيار التوحيد برئاسة الوزير السابق وئام وهاب والحزب السوري القومي الاجتماعي فلم تتغير خريطة انتشارهم الموجود أصلا في الشوف وعاليه والمتن الأعلى، بمعنى ان انتشار الجيش لم يأتِ على حساب انحسار نفوذ جنبلاط، ولا هو سمح بتمدد نفوذ أرسلان ووهاب عما كان عليه في السابق.

3 -الشمال: القسم السني من الشمال ولاسيما في طرابلس وعكار والمنية والضنية حسم الوضع فيه لمصلحة تيار المستقبل ما لم تحدث مفاجآت باستثناء بعض الجزر المعزولة والمطوقة كجبل محسن حيث النفوذ الأهم للطائفة العلوية في المنطقة. أما القسم المسيحي فمحسوم لمصلحة القوات اللبنانية في بشري من دون منازع، في حين ان قضاء زغرتا يتميز بتفاهم يبدو صامدا على تحييده بين الوزير السابق سليمان فرنجية والوزيرة نايلة معوض. وفي الكورة يتقاسم كل من تيار المستقبل والقوات اللبنانية والحزب السوري القومي الاجتماعي النفوذ مما يجعل القضاء في وضع حساس مع ارجحية لمصلحة قوى 14 آذار على اعتبار ان القوميين معزولون عن مناطق نفوذهم التقليدية في ظل التزام الوزير السابق فرنجية بالتهدئة، وسيطرة تيار المستقبل على طرابلس وعكار، والقوات اللبنانية على بشري امتدادا الى البترون حيث يشكل نفوذها مع حزب الكتائب والنائب بطرس حرب وكلهم من قوى 14 آذار أرجحية واضحة.

4 -المناطق المسيحية في بيروت الشرقية وبعبدا والمتن الشمالي وكسروان وجبيل. وتحكم الوضع في هذه المنطقة اعتبارات متداخلة ابرزها ان قضاء بعبدا هو منطقة محسوبة تقليديا للجيش اللبناني، حيث وزراة الدفاع وقيادة الجيش، واهم المراكز العسكرية، وهو ما يدفع بالمراقبين الى الاعتقاد بأن المنطقة غير معرضة لحوادث دراماتيكية بخط احمر رسمه الجيش اللبناني حول مقراته الحيوية. اما قضاء جبيل حيث لحزب الله نفوذ في القرى الشيعية فهو مسقط رأس قائد الجيش العماد ميشال سليمان الذي من غير المرجح ان يقبل باي خربطة أمنية فيه تنعكس سلبا على صورته وموقعه في الوسط المسيحي خصوصا. اما قضاء كسروان فلا وجود يذكر فيه للمعارضة باستثناء الحضور القوي للتيار الوطني الحر والعماد عون الذي يبدو كوادره وعناصره غير متحمسين للصدام. وفي المتن الشمالي يبدو الوضع اكثر تعقيدا في ظل تداخل النفوذ لكل من حزب الكتائب والقوات اللبنانية والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب الله. ويرى المراقبون في المتن الشمالي المنطقة الاكثر حساسية بالنسبة الى المنطقة المسيحية على اعتبار ان «ظهر» الحزب السوري القومي الاجتماعي في المتن الأعلى محمي، وأن للحزب وجودا تاريخيا في قرى القضاء الوسطية والساحلية يقويه النفوذ المستجد لحزب الله في النبعة والفنار ورويسات الجديدة. ومن العناصر المثيرة للقلق امكان ان تتمدد اي عملية عسكرية للحزب السوري القومي الاجتماعي من المتن الاعلى باتجاه بكفيا معقل رئيس الكتائب الشيخ امين الجميل، الى كسروان عن طريق داريا عشقوت وصولا الى معراب حيث مقر رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع.

5 -البقاع حيث يحسم حزب الله الوضع في قسمه الشمالي المعروف بالهرمل، في حين تبقى القرى السنية والمسيحية في بعلبك جزرا كبيرة تفصل البقاع الشمالي عن البقاع الاوسط حيث مدينة زحلة المسيحية وقرى سنية عدة تمتد الى المصنع على الحدود اللبنانية السورية. اما في البقاع الغربي حيث لحزب الله حضور مهم، على الرغم من الحضور السني والدرزي القوي، فرهان الحزب على امكان وصل مناطق نفوذه في البقاع الغربي بالجنوب، وهو سبب المعركة التي شهدتها المنطقة الممتدة من الباروك الى تومات نيحا على مشارف جزين ليل الأحد الاثنين. أما بالنسبة الى قضاءي حاصبيا حيث التركيبة سنية - درزية بامتياز وراشيا حيث التركيبة درزية - مسيحية فرهان حزب الله على امكان الالتفاف عليهما من الجنوب والغرب والشمال في حال تم وصل نجاحه في وصل الجنوب بالبقاع الغربي عبر مشغرة - تومات نيحا - جزين.

6 - الجنوب: وهو الذي يبدأ انطلاقا من بيروت بمنطقة نفوذ سني في صيدا، وهي لا تبدو متحمسة للصدام بفعل تداخل اكثر من اعتبار من بينها كونها مسقط رأس آل الحريري، وانعكاس وجود اكبر مخيمات الفلسطينيين فيها على اي صدام، والحدود المشتركة مع اقليم الخروب السني - وامتدادته الطبيعية الى الشوف وعاليه. اما «الجنوب الشيعي» فمحسوم لمصلحة حزب الله مع علامة فارقة تتمثل في وجود قوات الطوارىء الدولية في جنوب الليطاني، من دون ان تتضح بعد مفاعيل هذا الوجود وانعكاساته او حتى ربما مصيره في ظل الخريطة السياسية المستجدة في لبنان.