كيف تحوّل شهر رمضان إلى موسم للتنافس على إنتاج وعرض أفضل الأعمال الدرامية التلفزيونية، يلتفّ حوله المشاهدون العرب، حتى غدت تلك المسلسلات عاملاً لازدهار الدراما العربية وانتشارها على الفضائيات. تقدِّم الشركات المنتجة راهنًا ما لا يقل عن خمسين مسلسلا منها المصري والسوري والخليجي التي دخلت حلبة التنافس أخيراً. باتت المسلسلات التي تخصَّص للعرض خلال رمضان أشبه بوليمة «بصرية» مسائية ينتظرها الجمهور العربي كل عام، اذ يبحث المنتجون أو أصحاب المحطات الفضائية عن مسلسلات دسمة لجذب أكبر عدد من الجمهور. هكذا تختلط الدراما والكوميديا مع أوقات الراحة بعد الفطور، بل تختلط أنفاس النراجيل مع أداء أهل التمثيل، ينهمك الجمهور في المتابعة، وتصبح حلقات المسلسلات حديثهم المفضَّل. وللتاريخ حصة واسعة في رمضان، وهو تاريخ يتراوح بين العصر الجاهلي والإسلامي في محور سوري وآخر مصري وربما خليجي. «أسمهان، ناصر، باب الحارة، الحوت، عدى النهار، كلمة حق، قصة الأمس، بيت جدي، مجنون ليلى، قمر بني هاشم...» أي مسلسل يحظى باهتمام الجمهور؟ هل ما زال مسلسل «باب الحارة» في الصدارة، أم أنه أصبح مضجرًا ووقع في التكرار؟ هل يحظى «اسمهان» باهتمام الجمهور، خصوصا أن تصويره أخذ حيزًا كبيرًا في السجال الدائر بين ورثة المطربة المصرية ومنتجيه؟ أسئلة كثيرة يمكن طرحها في خضم موجة المسلسلات الرمضانية، بدأت الإجابات عنها تظهر! الدراما التاريخية التلفزيونية لها نكهة خاصة في شهر رمضان، إذ تلقى نسبة كبيرة من المتابعة في العالم العربي، لما تحمله من مواضيع مشوّقة في صورة درامية ذات جمالية تسحر من يشاهدها، بيد أن تلك الأعمال، التي كانت مصر رائدة فيها والآن سورية متميّزة بها، لا تخوض مجالها دول مجلس التعاون الخليجية ودول عربية أخرى، لماذا؟ تختلف الآراء حول القضايا أو المشكلات الفنية، وثمة إجماع على تفوّق سورية في مجال المسلسلات التاريخية خلال السنوات الأخيرة شكلاً ومضموناً لتوافر مقومات النجاح كلها من مواقع تصوير طبيعية وكوادر فنية. «الجريدة» استطلعت آراء كوكبة من المختصين في مجال الدراما من مخرجين ومؤلفين من خلال التساؤلات التالية: المسلسلات الرمضانية التاريخية، هل هي احتكار مصري – سوري؟ ولماذا تغيب البلدان العربية الأخرى عن منافستهما؟ تذكر رئيس مجلس إدارة فرقة «المسرح العربي» الفنان والمخرج فؤاد الشطي الأعمال التي أنتجها تلفزيون «الكويت» في نشأته الأولى، قائلا: «بداية وبالعودة إلى الذاكرة في تاريخ تلفزيون «الكويت» ومنذ نشأته الأولى، كانت هناك حصة كبيرة ومعقولة طوال العام وفي شهر رمضان المبارك للمسلسلات التاريخية خصوصاً الدينية منها، وكان لي شرف المشاركة بالتمثيل فيها إلى جانب كبار الممثلين الكويتيين والعرب الذين كانوا على أرض الكويت ممن كانوا يمتلكون ناصية اللغة العربية، مثلا امتد مسلسل «من أسباب النزول» لأربعة أعوام وتطرق إلى الأحداث التي رافقت نزول السور والآيات القرآنية الكريمة، ثم امتد مسلسل «مدينة النور» لثلاثة أعوام أو أربعة إن لم تخني الذاكرة، وهو يعرض الهجرة النبوية الشريفة وكيف تأسست الدولة الحديثة على يد رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم. يضيف الشطي: «كانت هناك العشرات من المسلسلات التاريخية والسهرات التي تتناول التاريخ العربي والإسلامي والمسلسلات التاريخية العالمية، فكانت خارطة الأعمال التلفزيونية على مدار العام يصار التخطيط لها بدقة متناهية، كي تشمل كل دورة تلفزيونية مسلسلاً تلفزيونياً شعبياً وعدداً من السهرات التلفزيونية منها الناطقة باللهجة الشعبية ومنها الناطقة باللغة العربية، تم التعامل من خلالها مع نصوص الأدب العالمي التي عولجت بطريقة درامية، ولعل من أواخر الأعمال التي ما زلت أذكرها مسلسلا «ابن سينا» حيث استعين بالمخرج السينمائي المعروف سعيد مرزوق، وشارك في بطولته، إلى جانب فنانينا الكبار، الفنان القدير محمود ياسين في عز نجوميته، ومسلسل «خالد بن الوليد» الذي أخرجه الراحل المعلم الكبير حسين الصالح الدوسري وكان يضم مجموعة كبيرة من النجوم العرب إلى جانب نجوم التمثيل في الكويت». الكويت ثانية حول الكويت والمسلسلات الرمضانية يوضح الشطي: «لم تكن الكويت بمنأى عن إنتاج الأعمال التاريخية، فالإنتاج التلفزيوني الدرامي الكويتي كان يأتي في المرتبة الثانية بعد مصر، لكن مع الأسف تحولت استوديوهات الدراما التلفزيونية الكبيرة التي كانت تستوعب الديكورات الخاصة والمكلفة للأعمال التاريخية إلى استوديوهات للبرامج الحوارية و السياسية، على رغم أن ذلك النوع كان يسجل في الستينات في استوديوهات بالكاد مساحتها 4 في 4 أمتار. في مبنى تلفزيون «الكويت» ثمة العشرات من الاستوديوهات التي تصلح لمثل تلك البرامج بمساحات أكبر، خصوصاً أننا اليوم نعيش مرحلة التقنية الجديدة واستهجنت حقيقة أن يصار تحويل استوديوهات بحجم استوديو 300 إلى استوديو أخبار وقد أعربت عن ذلك لوزير الأعلام ووكيل الوزير آنذاك، إلى جانب تحويل الاستوديوهات الكبرى إلى برامج عبارة عن زوايا متناثرة للبرامج الحوارية التي لا تستوعب ولا تحتاج إلى كل هذا الحيز والمساحة الكبيرة، على سبيل المثال عطِّل استوديو 500 و 800 وهو من أكبر الاستوديوهات الموجودة في عالمنا العربي. بالإضافة الى أن الكارثة التي حلت على التلفزيون تكمن في إلغاء الدور المؤثر والجبار الذي كانت تؤديه إدارة الخدمات الإنتاجية التي تزدحم بمصممي الديكورات وفنييها الذين يستطيعون أن يصنعوا ما لا يُصنع، اذ كانت الديكورات تاريخية لأزمنة وعصور مختلفة أو كانت تتحدث عن البيئة الكويتية، وكانت إدارة الخدمات الإنتاجية بالعاملين المهرة لا تكلف شيئاً على المستوى المادي، فالعمل التاريخي والأعمال التاريخية مكلفة وتحتاج إلى أجوائها وإلى مناخاتها التي تقنع المتلقي على أنه يعيش عصر وزمن ووقت الحدث. يتابع الشطي: «اليوم وبعد لجوئنا الى تصوير معظم أعمالنا خارج الاستوديوهات، نجد أنفسنا مفتقدين إمكانات تقديم أعمال تاريخية كبيرة في ظل موازنات أعمال محدودة. كنت وما زلت من الداعين الى .أن يتبنى تلفزيون {الكويت} الإشراف على إنتاج أعمال تاريخية ويصرف عليها بعيدا عن المنتج المنفذ الذي لا هم له إلا الربح بالدرجة الأولى وإن كان الربح بحد ذاته مشروعاً». يختم الشطي بقوله: «لعل إجابتي عن سؤالك تفيد بأن الأعمال التاريخية ليست حكراً على الأعمال المصرية والسورية، وفي الآونة الأخيرة عشرات الأعمال التي انتجت من دول عربية أخرى، لكن هؤلاء يمتلكون دعماً من القنوات العربية الخاصة التي تصرف بسخاء على أعمالهم وبإمكاننا أن نقوم بذلك وأن يربح التلفزيون بتسويق تلك الأعمال، إذ كنا ندعو إلى إنشاء قطاع التسويق في تلفزيون «الكويت» إسوة بقطاع الإنتاج الدرامي في مصر». سيطرة سوريّة يوضح المؤلف الدرامي والأستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية الدكتور خالد عبد اللطيف رمضان: «كانت مصر تحتكر الدراما التاريخية ثم دخلت سورية على الخط واكتسحت هذا المجال، من خلال الإنتاج الضخم والقدرات التمثيلية والإخراجية وتوافر الإمكانات ومواقع التصوير، وهناك اعتناء كبير بالناحية الجمالية إلى جانب الاهتمام باللغة العربية، فأثبتت وجودها في هذا النوع من الدراما التلفزيونية. كذلك أكد عدم منافسة الخليج في هذا النوع قائلاً: من الصعب أن تدخل دول الخليج نطاق التنافس، فهي بحاجة إلى قدرات بشرية، ومعظم الفنانين لا يجيدون اللغة العربية إلا ثلة منهم». يشير عبد اللطيف إلى الوضع الدرامي الراهن بقوله: «تساعد عوامل عدة الدراما التاريخية السورية، فلديها قدرات تمثيلية تجيد اللغة العربية الفصحى، ومخرجون على قدر عال من المهارات والرؤى. أما الدراما المصرية التاريخية فكانت مسيطرة في مرحلة سابقة، الآن تستقطب الدراما التاريخية السورية أكثر، لأنه يتم التعامل معها بجدية وبخبرة وفنية أكثر، ويصرف عليها كما ينبغي، فالشركات لا تبخل فتظهر بشكل جيد ومقبول لدى المتلقي العربي». يضيف عبد اللطيف أن «لهجات المغرب العربي غير مفهومة في المشرق العربي، وفي ما يتعلق باللغة العربية لم نجد انتاجاً مغاربياً ينافس مصر الرائدة أو سورية، ونحن في الخليج لا نستطيع أن ننافس على رغم وجود تجارب درامية تاريخية، لأن الأخيرة لم تنجح بسبب عدم التعامل الجاد معها، لكن ثمة استثناءات لأعمالنا المنفذة في سورية من خلال الإمكانات البشرية ومواقع التصوير لتدني التكلفة الإنتاجية وكبيئة طبيعية». الكاتب التلفزيوني والمسرحي بدر محارب له وجهة نظر أخرى: «لم يقل أحد إنه احتكار، لكنه اهتمام بهذه الدراما من قبل المنتجين في مصر وسورية، إضافة إلى توافر الإمكانات من مواقع تصوير ومجاميع كبيرة وربما تكاليف الإنتاج المتدنية مقارنة بدول الخليج من ناحية الممثلين وغيرها من أمور في هذا الجانب تشجع على إنتاج الأعمال التاريخية، إضافة إلى تاريخ الدراما في هاتين الدولتين الذي وفر لهما ثقافة درامية خاصة بتلك المسلسلات، ما يعطيهما الخبرة الأكبر لإنتاجها، ولا ننسى أيضاً دور كتاب السيناريو الذين يملكون الخبرة وعددهم كبير ووجود كثير منهم من الملتزمين بتلك الدراما على عكس غالبية كتابنا الذين يلجؤون إلى الدراما الاستهلاكية والخفيفة والسهلة، بالإضافة الى أن الموروث الدرامي غير متوافر في الخليج بينما في سورية الموروث التاريخي أكبر وأعمق». الكويت تنافس أما المخرج محمد دحام الشمري فخالف الآراء التي استبعدت دخول الكويت المنافسة مع مصر وسورية بقوله: «في السنوات الأخيرة دخلت الكويت في المنافسة إذا ما اعتبرنا أن الدراما التراثية ضمن التاريخية، فقدمنا «شاهين» و{الفرية» و{العضب» و{السرايات» و{التنديل» و{الداية» وكلها دراما تاريخية». يتابع دحام: «إذا صنفنا مفهوم الدراما التاريخية فهو المقرون بالمعارك الحربية، وهناك «أسد الجزيرة» من حيث الإنتاج الضخم، وكذلك «باب الحارة» و«الحجاج» و«الظاهر بيبرس»، أما الأعمال المصرية فهي عادية عدا الأفلام السينمائية، ففي مسلسل «الملك فاروق» استعانوا بفريق سوري». خلص دحام إلى أن «حجم الانتاج يعتمد على العرض والطلب من المحطات، فالمصدر يغطي التكاليف من بلد الى آخر، ولعل الدراما السورية استطاعت التميز من خلال القوى البشرية، اذ رسخت بصمتها منذ «الجوارح» و«الكواسر» وعملت قاعدة وجيلا لديه خبرة ينفذ عمله بسهولة». بدوره يقول المؤلف الدرامي حمد بدر إن: «ثمة شبه احتكار مصري سوري، خصوصاً أن لدى السوريين أعمالا تاريخية لأنهم يجيدون اللغة العربية، أما المصريين فهم يبتعدون عن الفصحى لأنهم لا ينطقون بعض الأحرف لأنها ضائعة لديهم مثل الذال والضاد بينما يتحفنا السوريون بالأعمال التاريخية ويظهرون الحقائق التاريخية». عن الخليج يوضح بدر: «الدول الخليجية كافة لا تستطيع إنتاج هذه الأعمال إلا في الخارج بحثاً عن الطبيعة والمجاميع وعمن يجيد التحدث باللغة العربية بطلاقة وهناك قلة من الممثلين الخليجيين التي تجيد اللغة، وبالنسبة إلى المغرب العربي يحضرني موقف عند عرض فيلم «كسوة» حيث قال أحدهم إنه يجب أن يترجموا عملهم إلى اللغة العربية الفصحى، وهذه كارثة الأمة العربية!».
توابل
الدراما الرمضانيَّة... احتكار مصري - سوري؟
15-09-2008
الكويت تدخل دائرة المنافسة