يتحدّثُ الكاتب الايطالي ايتالو كالفينو في محاضراتهِ التي ألقاها في جامعة هارفارد بالانكليزية، ثم جَمعها في كتابٍ، بعنوان «ست وصايا للألفية القادمة». أقولُ يتحدثُ عن «رأس ميدوزا» الذي بنظرةٍ واحدةٍ منه يتحوّل الكائنُ البشري الى حجرٍ ثابتٍ وثقيل، لكن بيرسيسوس كان من الذكاء بحيث استعان بأكثر الأشياء خفة للتغلب على النظرة القاتلة، وبالتالي ليقطع هذا الرأس، من أساسه كما جاء في الاسطورة الاغريقية الشهيرة. لقد استعانَ بيرسيسوس بالرياح والغيوم، بعد أن ثَبَتَ نظرهُ على الصورةِ المنعكسةِ في المرآة. هذه الشفافية، هذه الرهافة، وتلك الأثيرية، هي مفردات أظن انها قد تُحيل الى حقل دلالي يصب في معنى الخفّة، وقد تُفيد جمالية الخفّة في المقاربة الشعرية للنظر الى العالم والأشياء، لذلك كان بودلير على حق عندما كتب:

Ad

أحبُ الغيومَ

الغيوم العابرة هناك

تلك الغيوم الساحرة

في عمل ميلان كونديرا، المدهش (خفّة الكائن التي لا تُحتمل) نزوعٌ عنيدٌ لتخليصِ الكائن من ثقل الوجود، من كآبة الحياة اليومية. إن الخفّةَ نظرة مرحة الى العالم، انها أشبه بمنهجٍ للعيش والكتابة معاً. ولا ينسى ايتالو كالفينو الاشارةَ الى عملِ كونديرا، باعتبارهِ صياغة روائية عن مرارةِ وثقلِ العيش، وهو نقد لاذع عن الوضعية الانسانية، البائسة، وعن تلك الشبكة الرهيبة من الاشتراطاتِ العامة، التي تطوّقُ الكائنَ باستمرار حتى لو كان كونديرا يتأمل من ضمن ما يتأمل وضعيةَ بلده «الاصلي».

ولأن كونديرا يكشفُ لنا في الأخير، مصائر وأقدار كينونة الانسان، هل أراد بذلك أن يعلّمَنا خفّة الطيران؟ ربما، لكن الثمن دائماً ما يكون باهظاً، كما في أسطورة ايكاروس والشمس.

لقد كان دون كيشوت، ذو النظرةِ الحزينةِ، أكثرَ الفرسانِ خفّةً، ولكي يستطيع التحايل -ولو مؤقتاً، وفي أحلامه- على العالم، استخدمَ المفارقةَ والسخريةَ في المأزقِ الذي وضعهُ فيه ثرفانتيس، وهو يسخرُ من رواية الفروسية السائدة في عصرهِ، وهكذا يتحولُ دون كيشوت الى سيد المفارقات الكبرى. إن نزوعهُ الى العدالةِ وردّ الطغيان يحوّله الى كائنٍ حالمٍ، وعندما يحاربُ طواحينَ الهواء، سوف لن تُثنيهِ كلماتُ تابعهِ، سانشوبانسا، بأنه في الحقيقة يحارب أوهامهُ، وان طواحينَ الهواءِ، ابداً لم يكونوا فرساناً ذات يوم.

في ألف ليلة وليلة تَنجحُ شهر زاد، في التخلص من ثقل الموت، وهو ثقلٌ رَهيبٌ، بحيث يبدو أنَ أيَ خللٍ في الحكايةِ، سيكونُ سيفاً معدنياً، ثقيلاً، مصلتا، باستمرار على عنقها الفاتن، والشفاف. غير أن شهر زاد تمتلكُ هنا سلاحاً فعالاً، تنقذُ به نفسَها وبنات جنسها، انه سلاحُ الخفّة والحكاية. لأن شهر زاد كانت في الواقع تتلاعب بالزمن.