صدر حديثاً عن «المعهد الفرنسي للآثار الشرقية» كتاب «حوادث الزمان ووقائع الديوان» لإسماعيل الخشاب. يمثّل الكتاب سجلاً لتاريخ الديوان الذي شكّله الفرنسيون في القاهرة بعد احتلالهم مصر، حرصاً منهم على إشراك المصريين وإن صورياً في إدارة دفة البلاد.

Ad

يظن البعض أن تشكيل ديوان يضم شخصيات تجتمع لمناقشة قضايا عامة كان حدثاً جديداً آنذاك بالنسبة إلى المصريين، فيما تؤكد الوقائع التاريخية وجود ما يماثله وهي «الجمعية» في تاريخ مصر العثمانية.

كان نابليون بونابرت يختار للديوان شخصيات مؤثرة في الجماهير، خصوصاً من كبار مشايخ الأزهر لتأثيرهم الروحي ونفوذهم على المصريين، فاختار لأول تشكيل ديواني ثمانية مشايخ هم: الشرقاوي والصاوي والبكري والفيومي والعريش والسرسي والأمير والمهدي. ومن الملاحظ من تركيبة هذا الاختيار الذي ساعده فيه ماجون قنصل فرنسا في مصر قبيل الحملة الفرنسية جمع بونابرت لعناصر متابينة حرصاً منه على تمثيل القاعدة العريضة المؤثرة في الأزهر غير أن هذا الديوان سرعان ما توقف نشاطه.

بعد ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1798، أسس بونابرت الديوان الكبير من 60 عضواً، وانبثق منه ديوان صغير ضم 14 عضواً من بينهم خمسة علماء واثنان من التجار واثنان من المسيحيين الشوام وثلاثة من الأجانب واثنان من الشرطة. واستمر عمل الديوان الصغير إلى مقتل كليبر عام 1801، ولم يعقد الديوان الكبير أي جلسة. ومن الملاحظ أن الفرنسيين توسعوا في تركيبة الديوان لتشمل طوائف مختلفة من المجتمع.

عند تولّي مينو قيادة الفرنسيين في مصر، قرر تأسيس ديوان يضم تسعة أعضاء من المسلمين و14 عضواً شرفياً. واللافت أن كاتب الديوان إسماعيل الخشاب كان مؤرخاً وأديباً، تُوفي عام 1815، وقد صاغ جلسات الديوان ووقائعه في مخطوطته التي نحن بصددها، وكان مينو عهد إليه بإدارة صحيفة «التنبيه»، التي كانت بمثابة وسيلة لنشر المعلومات حول أنشطة الديوان.

يبيّن الكتاب أن أهمية الديوان لم تتعد أهمية دور ديوان المظالم الذي عرفه المسلمون عبر عصورهم التاريخية منذ العصور الإسلامية المبكرة، والذي تبلور خلال حقبة الخلافة العباسية، وعرف بديوان العدل أو دار العدل خلال حكم الزنكيين والمماليك.

وربما هدف الفرنسيون من الديوان الى امتصاص الرأي العام المعارض لوجودهم في مصر ومحاولة استمالة كبار الشخصيات لمشروعهم، لذا حرص كثيرون منهم على الاستجابة للشكاوى المطروحة في الديوان، خصوصاً ما يرتبط منها بتوفير الأمن كاعتداء بعض الجنود على حريم المماليك في بيوتهن، والحد من تدخّل الفرنسيين في حياة المصريين اليومية، وإن كانت واقعة تدخل الفرنسيين في تعيين شيخ طائفة الدخاخنية تكشف عن بعدهم عن طبيعة المجتمع، إذ جرت العادة على أن تختار كل طائفة شيخها.

يستوقف انتباهنا في نص إحدى الجلسات ما ذكر في عريضة للشيخ المهدي موجهة إلى القائد الفرنسي يذكر فيها: «قد عاملتنا وقت افتتاحك مصر وانتصارك معاملة أناس كأنهم اختاروك عليهم مع قوتك واقتدارك». هذه العبارة تكشف مدى نجاح الفرنسيين في التأثير على بعض مشايخ الأزهر. وما جاء في تقارير الديوان يكشف نظرة عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ الشهير السلبية تجاه الفرنسيين، فأثناء عضويته في الديوان اتخذ مواقف سلبية من كل ما يُعرض عليه، كذلك كشف الكتاب اعتماد الجبرتي على ما كتبه إسماعيل الخشاب في كتابه «عجائب الآثار» وإن لم يذكر الجبرتي ذلك، واليوميات تكشف أيضاً تضاؤل الدور الفرنسي في المؤسسات القائمة في مصر كالأزهر والأوقاف ونقابات الحرفيين وتركيزهم على جبايات الأموال.