تأليف: أندرو روبنسون

الناشر: مركز الخطوط في مكتبة الإسكندرية

Ad

يلقي كتاب اللغات المفقودة لأندرو روبنسون الصادر حديثا لدى مركز الخطوط في مكتبة الإسكندرية الضوء على الكتابة باعتبارها من أبرز الاختراعات البشرية، إن لم يكن أهمها جميعًا، فمن دون الكتابة ليس ثمة تاريخ للبشرية، ومع ذلك فنحن ننظر إلى الكتابة على أنها مجرد أمر مسلم به: فنحن نتعلمها في المدارس بناءاً على الأبجدية أو (إذا كنا من أهل الشرق الأقصى) نتعلمها من واقع الرموز الصينية. ومع ذلك فنادرًا ما نتوقف قليلاً لنتمعن في الجهد العقلي- البدني الذي يحول أفكارنا إلى رموز نصكها على قطعة من الورق، وقليل منا يعرف كيف تعلمت البشرية أن تخط أو تكتب.

على الجانب الآخر تعتبر اللغة هي أداة التواصل ووسيلة التفاعل بين الشعوب والأجناس المختلفة، وكثيرًا ما تحيرت العقول، وتعقدت الأمور في الوصول إلى إمكانية الكشف عن لغة الأسلاف، وحضارة الأجداد، ومجد الحضارات، من هذا المنطلق يستمر مركز الخطوط في مشروعه الطموح في ترجمة المؤلفات المعنية بشأن اكتشاف اللغات القديمة، وإلقاء الضوء على أهميتها، والعمل الذي نطرحه اليوم هو كتاب The lost Languages، وهو مترجم عن الإنكليزية بعنوان «اللغات البائدة»، من تأليف أندرو روبنسون Andrew Robinson، وهو متخصص في اللغات القديمة. أما عن العنوان بالعربية، فقد تُرجم إلى اللغات البائدة، لأنها ليست مفقودة، فلقد أبيدت بالفعل، لكن آثارها لم تفقد.

يهدف المؤلف في كتابه «اللغات البائدة» إلى إلقاء الضوء على العديد من اللغات والكتابات البائدة، حيث تضم هذه اللغات والكتابات» كتابات زابوتي وإسثميا من منطقة أميركا الوسطى، والكتابات الأتروسكية وهي منطقة توسكانيا في شمال غرب إيطاليا، والكتابات العيلامية، والتي ظهرت في المنطقة التي يطلق عليها الجغرافيون الكلاسيكيون اسم «سوسيانا»، وهي تقع تقريبًا قرب منطقة حقول النفط الواقعة غرب إيران، والكتابات المروية التي تُسمى باسم عاصمة مملكة كوش «مروي»، وهذه المملكة احتلت منطقة النوبة عند الشلالين الخامس والسادس، واللغة المصرية القديمة بخطوطها المختلفة – الهيروغليفية، الهيراطيقية، الديموطيقية، والقبطية. ثم يتحدث الكاتب عن الكتابتين الخطيتين الأولى والثانية في مدينة كنوسوس في جزيرة كريت، ثم يتحدث الكاتب عن كتابات الرونجو رونجو وهي كتابة أهل جزيرة إيستر، التي توجد في منطقة الأقويانوس، بالقرب من شيلي وتاهيتي، والكتابات المصورة في حضارة شعوب المايا، وأخيرًا كتاب حوض نهر وادي الإندوس في شبه القارة الهندية.

اجزاء

ينقسم «اللغات البائدة» إلى مقدمة، وثلاثة أجزاء، وخاتمة. جاءت المقدمة بعنوان «منظومات الكتابة، الحضارات المشفرة، والكتابات ملغزة الطلاسم» يتناول فيها المؤلف أهم المنظومات الكتابية القديمة التي تم فك طلاسمها، فلقد شهد العالم المئات من الاكتشافات والأعمال البطولية على مدى الألفيتين الماضيتين من عمر البشرية، ولكن فك الطلاسم الملغزة للحضارات البائدة وآثارها إنما يرجع فقط إلى القرنين الماضيين من التاريخ الإنساني الطويل.

جاء أول إنجاز في هذا المجال بفك طلاسم الكتابة الهيروغليفية على يد جان فرانسوا شامبليون في عام 1882م من خلال النقوش الواردة على حجر رشيد، الذي عثر عليه في عام 1799م في مدينة رشيد. يعتبر حجر رشيد هو حجر الزاوية في فك رموز اللغة المصرية القديمة، حيث نقشت عليه ثلاثة خطوط تمثل لغتين هما: اليونانية، والمصرية القديمة في خطيها الهيروغليفي، والديموطيقي، ومن خلال تحليل شامبليون لأسماء الأعلام الواردة على حجر رشيد وفي نقوش مصرية أخرى من قبيل أسماء الإسكندر، بطلميوس، قيصر، كليوباترا، إلى جانب الاستعانة باللغة القبطية على اعتبار أنها المرحلة الأخيرة من اللغة المصرية القديمة، تمكن من استخلاص الأصوات والمعاني للكلمات الهيروغليفية والديموطيقية. هكذا اتسعت مساحة التاريخ المكتوب لتستوعب ألفين من السنين. في شهر مايو 1953 أعلن مايكل فنتريس بكل فخر وشموخ عن فك طلاسم الكتابة الخطية الثانية التي كشفت عام 1900 على ألواح من الصلصال في قصر الملك مينوس في بلدة كنوسوس في جزيرة كريت، لتمهد الطريق أمام قراءة ألواح جديدة تم الكشف عنها على أرض بلاد اليونان، وهكذا فإنه بعد جهود مضنية وطويلة، أمكن التعرف على المعاني المتضمنة في الحروف المنقوشة على لوحات الصلصال، كما أصبحت الكتابة الخطية الثانية تمثل أول محاولة أوروبية مكتملة للكتابة، ترجع إلى ألفية الثانية قبل الميلاد، في لهجة قديمة باليونانية العتيقة.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف بدأت الكتابة؟ لقد اعتقد الناس حتى عصر التنوير، بحسب المؤلف، إن الكتابة بدأت كهبة سماوية ربانية، واليوم يسود الاعتقاد بين أغلب العلماء بأن الكتابة الأكثر قدمًا في التاريخ الإنساني كانت تدور حول الأمور الحسابية، وإن كان هذا الأمر لا يتضح بالقدر الكافي في السجلات المتبقية من مصر القديمة، والصين، وأميركا الوسطى. من الواضح أنه في زمن ما من الألفية الرابعة قبل الميلاد، ظهرت الحاجة الملحة في بلاد ما بين النهرين لتسجيل المعاملات التجارية المتشابكة الأطراف في مختلف المدائن، عندما لم تعد ذاكرة الصفوة الحاكمة كافية لرصد وتذكر هذه الأمور الحسابية التجارية، وعندما ألح هذا المطلب على عقول رجال الإدارة والتجار في سومر، شاعت بين القوم عبارات من قبيل «سوف أسجل هذا الأمر كتابة» – على حد تعبير المؤلف.

ويرصد الكتاب في خاتمته المحاولات التي لا تنقطع في حقل الكتابات المشفرة، ومن ثم فقد عنونا هذه الخاتمة بعنوان «فك الطلاسم كمطلب مُلح». والواقع أن العديد من الصحف والمجلات والدوريات العالمية مثل:(Nature, Science, Scientific American, Antiquity, New Scientist and National Geographic )، تنشر تباعًا أخبارًا عن فك طلاسم الكتابات، وأحيانًا بشيء من التفصيل. كما أن هناك مواقع مهمة على شبكة الإنترنت مخصصة للكتابات الملغزة (إلى جانب بعض المواقع التي يشك في صحة معلوماتها). ولعل القارئ يتساءل عن الأسباب التي تجعل كثر من الأفراد في مختلف بلدان العالم يولون أمر الكتابات القديمة كل هذا الاهتمام؟ وفي هذا الفصل الأخير من الكتاب سوف يتبين للقارئ ما الذي يمكن لنا كأفراد أن نتعلمه في هذا الميدان، بالمعنى الأعم، من خلال التحديات التي تنطوي عليها مهمة فك الطلاسم، وأيضًا من خلال منظومات الكتابة في العالم القديم بصفة شمولية.