صدر عن «دار الجمل» أخيراً كتاب «مسيحية بولس وقسطنطين» لابن قرناس، الذي يعتبر أن الدولة التي أسسها النبي داوود كانت أول مملكة مستقلة للإسرائيليين، وورثها عنه ابنه سليمان. وبعد سليمان قامت حروب أهلية كثيرة وحلّت انقسامات داخلية، تلتها اجتياحات أجنبية.

في عام 586 قبل الميلاد قضى الملك البابلي نبوخذ نصر على مملكة يهوذا، واستاق آلاف الإسرائيليين إلى بابل كعبيد. ومنذ ذلك الحين عاش الإسرائيليون وبقية اليهود تحت حكم الغير، مشتتين في بقاع الأرض. فتولدت لديهم أحلام بظهور شخص من بينهم يقيم لهم مملكة مستقلة ويخلّصهم من الحكم الأجنبي.

Ad

يفيد المؤلف بأن العادة جرت عند بني إسرائيل بأن يكرس كل واحد من ملوكهم نفسه لخدمة الله عن طريق مسح رأسه بالدهن، بحيث يصبح مسيحاً للرب. ولذلك أصبح لقب المسيح يطلق على ملوك إسرائيل، خصوصاً ملوك يهوذا من سلالة داوود. وبعد زوال مملكة يهوذا، أصبح كل واحد من المطالبين بعرش داوود، في نظر أتباعه على الأقل، مسيحاً منتظراً تُعقد حوله الآمال لإحياء الملك الإسرائيلي الضائع.

وبين عامي 28-30 ميلادية، قدِم الى فلسطين رجل يهودي يدعى يسوع ابن يوسف من سلالة النبي داوود، وبرفقته إخوته الأربعة، وأمه وخالته وعدد من أقاربه ومعارفه، كمسيح منتظر يهدف إلى إقامة دولة مستقلة تعيد مجد مملكة داوود البائدة، ويجتمع تحتها اليهود من نسل إسرائيلي، دون من اعتنق اليهودية من غير الإسرائيليين. آنذاك كانت تعيش في فلسطين أكبر جالية يهودية في العالم.

يضيف المؤلف أنه ولدى وصوله إلى فلسطين شرع يسوع بجمع المؤيدين لحملته، وبدأ يطوف القرى والمدن، يدعو الجميع إلى الانضمام إليه ويعدهم بمملكة مستقلة عن الحكم الروماني. فلاقت دعوته رواجاً لدى بعض الإسرائيليين البسطاء أملاً بأوضاع تنتشلهم من ظلم الحكم الروماني، إلا أن الكهنة ورجال الدين من نسل غير إسرائيلي فكان لهم رأي مخالف، لأنهم لا يريدون أن يتولى عليهم ملك إسرائيلي أولاً، ولأنهم كانوا مستفيدين من وجود الحكم الروماني في فلسطين ويديرون معبد أورشليم، ثانياً. فوقفوا ضد دعوة يسوع، وحاربوا حملته التحررية، وتتبعوا حركاته إلى أن قبضوا عليه في الليلة التي قرر فيها إعلان الثورة وقتل الحاكم الروماني في أورشليم. واقتيد للمثول أمام رئيس كهنة اليهود في أورشليم للمحاكمة على أساس ادعائه بأنه المسيح الداوودي المنتظر.

سلِّم يسوع إلى السلطات الرومانية للحكم عليه بالموت بتهمة التخطيط لثورة على الحكم الروماني في البلاد، ما جعل الحاكم بيلاطس يصادق على الحكم ويأمر بتنفيذه صلباً.

مملكة منتظرة

يعتقد الكاتب أنه كان بالإمكان أن يغفو الزمن على ما حدث ليسوع ويتناسى التاريخ ما صاحب وجوده من أحداث. غير أن إخوة يسوع وأتباعه المخلصين استمروا في اجتماعاتهم ونشر دعوتهم بسرية على أمل بأن تحين لهم الفرصة يوماً ويتمكنوا من تأسيس مملكتهم المنتظرة، عندما تتغير الظروف في فلسطين.

يتحدث الكاتب عن مطاردة السلطات لأتباع تلك الحركة وإلقاء القبض على المنتمين إليها، إلى أن ظهر شاؤول، أحد أشد المتحمسين اليهود للدفاع عن مبادئ الكهنة والفريسيين، والمؤيدين لبقاء الحكم الروماني في فلسطين. فأسرف في محاربة أتباع حركة يسوع، وقتلهم أو زجهم في السجن، وعلى رغم ذلك بقيت الحركة. لكن وبناء على نصيحة رجل يهودي آخر في دمشق واسمه حنانيا، تغير تكتيك شاؤول، الذي راح يقول إن يسوع جاء إلى هذا العالم بصورة مخالفة لأي صورة بشرية، لأنه ليس من البشر، ويحمل رسالة خاصة فريدة، تتمثل بالموت على الصليب ليفتدي ذنوب البشر. فهو مسيح لن يأتي ليخلص الإسرائيليين من حكم الرومان، بل ليخلص الناس من ذنوبهم، ويضمن مملكة سماوية دائمة في الحياة الأخرى.

كذلك يورد ابن قرناس بأن إخوة يسوع وأتباعه حاربوا أفكار شاؤول، الذي غير اسمه إلى «بولس»، لكن قوتهم كانت ضعيفة ولم تؤثر على مسار دعوة بولس ولم تمنعها من الانتشار، لأن الأخير كان يخدم الرومان، بينما كان إخوة يسوع ومؤيدوه من المعارضين السياسيين الذين يعملون بالخفاء ويتبعون حركة تحررية محظورة.

هكذا ولدت المسيحية، بحسب ابن قرناس، لغرض القضاء النهائي على مطالبة الإسرائيليين بحكم اليهود، لكنها تطورت وانتشرت بصورة أكبر مما رسمه لها المبشّر بول نفسه وأستاذه حنانيا. ويتابع المؤلف بأنه كان يمكن للديانة المسيحية التي بشر بها بولس ألا يكتب لها البقاء لولا أن الحاكم الروماني، قسطنطين، اعتنقها في أوائل القرن الرابع، وعمل على نشرها في أوروبا والشرق الأوسط بالقوة، بعد أن أغناها بمناسبات وأعياد متبناة من الوثنيات الأوروبية. كذلك أقرت المجامع الكنيسية في عهده ما سمي بقانون الإيمان المسيحي الذي يؤكد أن يسوع إله وهو ابن الله. واستمرت هذه العقيدة بالتطور عبر السنين، فتعددت فرقها ومذاهبها مثل أي عقيدة أخرى، ونسي الناس كيف نشأت أو لماذا.

هكذا أنشأ يسوع ديناً اسمه المسيحية، له أسس يقوم عليها ومن بينها: الإيمان بآلهة ثلاثة، الآب والإبن والروح القدس، وأن يسوع هو الإبن الوحيد للآب، وقد قتل على الصليب كي يفتدي ذنوب البشر بدمه، وإذا آمن المرء بهاتين العقيدتين فهو مسيحي، وأن يسوع بُعث بعد الموت بعد أن صُلب، وأنه ارتفع إلى السماء وهو حي يرزق الآن ويجلس على يمين الرب (الآب). إضافة إلى معتقدات أخرى ومناسبات وأعياد وثنية الأصل مثل: صلاة الأحد وعيد الميلاد وشجرته وسانتا كلوس، وعيد الفصح وغيرها.

شهادات

يعتبر ابن قرناس أن المسيحية اليوم ديانة تختلف في مجملها حتى عن تلك التي نادى بها بول أو القديس بولس كما أصبح يطلق عليه عند المسيحيين. وكان يمكن أن تعتبر المسيحية ديانة وثنية مثل البوذية أو الهندوسية، لولا أن الغربيين اعتنقوها، فهم يعملون على نشر ثقافتهم وتراثهم وطريقة حياتهم بين الشعوب الأخرى كنوع من التبعية لتفوّقهم العلمي والحضاري والعلمي. لذلك نجحوا في إظهار المسيحية وكأنها عنوان الرحمة، وأصبح شعارها الصليب رمز الشفاء والإنقاذ والنجدة، وتقاطر الناس إلى الدخول فيها على رغم أن من أراد التحوّل إلى المسيحية فعليه إلغاء عقله، لأن الأسس التي تقوم عليها هذه الديانة لا تتوافق مع المنطق. كذلك يشير الكاتب إلى أن تسمية الديانة بالمسيحية ليست تسمية دقيقة، لأنه يجب نسبها إلى من نشرها وهو بول، ويكون اسمها في هذه الحالة «البولسية» ويكون أتباعها بوليين.

هل المسيحية هي فعلاً امتداد لديانة أتباع عيسى ابن مريم؟ وهل عيسى هو يسوع؟ يحاول ابن قرناس أن يؤكد في كتابه هذا أن حقائق كثيرة مغيّبة تخالف ما عرفه الناس وتوارثوه عن هذه الديانة طوال قرون مضت.

في القسم الثاني من الكتاب يتوقف ابن قرناس عند شهادات من كتاب المسيحيين المقدس. إذ يستشهد بمرقس الذي يؤكد في الشهادة الأولى زواج يسوع، عندما يصف ما حدث في حفلة الزفاف. والشهادة الثانية التي يستعين بها الكاتب يقدمها إنجيل {يوحنا} الذي يؤكد أن لغة يسوع الأم ليست مفهومة في فلسطين، ما يعني أنه غريب على فلسطين، ويؤكد أنه قدِم إليها يافعاً بهدف الثورة على الحكم الروماني. ثم يستعرض المؤلف إنجيل «متى» ليكتشف أن يسوع لم يكن عيسى رسول الله، ولم يولد من عذراء، بل قدِم إلى فلسطين طالباً الملك، لكن اليهود من غير بني إسرائيل قبضوا عليه وسلموه إلى السلطات وحكم عليه بالقتل صلباً.

أما في القسم الثالث فيقدم لنا ابن قرناس شهادة القرآن الكريم في عيسى ابن مريم، ويقارنها بما ذكره الكتاب المقدس عن يسوع، ليؤكد أن لا علاقة لعيسى بيسوع، لا في المكان ولا في الزمان ولا في المعتقد. أما في القسم الرابع فيبين كيف ولدت فكرة عقيدة ما سمي بالمسيحية: دوافعها، أهدافها، أتباعها، ناشروها.