قد يبدو ألا شيء في مأساة أوديت سالم يبرر حسدا يتسلل داخل الألم الذي يظلل حكايتها حتى آخر فصولها. أوديت كانت أما ككل الأمهات، إلى ما قبل ربع قرن من الآن، حين اختفى ولدها ريشار (22 سنة) وابنتها ماري كريستين (19 سنة)، وحتى تاريخ السادس عشر من مايو الحالي، حين أودت سيارة مسرعة بحياة أوديت دهسا بالقرب من خيمة الحقيقة، لم تكن قد اقتربت حتى من معرفة ولو تفصيل صغير يجلي مصير ولديها.

Ad

تفاصيل الألم والانتظار والأبواب الموصدة مرعبة في حزنها، من غير المعقول أن يختفي، هكذا، إنسان بجسده وملامحه وصوته كأنه لم يكن؛ ليس من طبيعة البشر التبخر بغير أثر كما يعتقد أولئك ممن كان لهم يد في عمليات الإخفاء القسري بحق عشرات الآلاف في دول عديدة، من بينها لبنان وسورية. في حالة أوديت، فقد لملمت غيماتها ومازالت تعيش شتاءها بحثا عن الحقيقة حتى بعد رحيلها.

أوديت كانت من بين أمهات آلاف المفقودين اللبنانيين أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، الأكثر نشاطا ودأبا وعنادا، كما وصفها كل من عرفها عن قرب. ومنذ عام 2005، كانت عماد خيمة الاعتصام في وسط بيروت، التي لاذت بها عشرات النساء اللبنانيات من أمهات وزوجات المختفين قسريا، دفاعا عن وإحياء لقضية إنسانية بامتياز. وهي ساهمت دائما بجميع الفعاليات المتعلقة بهذا الملف من غير أن يدفعها لليأس كل ما واجهها من وعود رسمية خائبة وروتين لجان قضائية وحكومية عاجزة أو هكذا يبدو. كان لا بد لهذه القضية ممن يحملها بغض النظر عن فصول السياسة المتبدلة بين صيف وشتاء، ولمن يبقى وجه الضحية ماثلا أمام المرتكب حتى لحظة انجلاء الحقيقة، حتى لو عبر إطارات الصور المسندة إلى جدار الخيمة، وحتى لو بالإنابة، من خلال ملامح أقارب الضحايا وأحبتهم.

لم ألتق أوديت سابقا، لكن تعرفت إلى آلامها من خلال ما لا يحصى من أمهات سوريات أتيح لي لقائهن. حيث الحكاية تتكرر إلى ما لا نهاية، وحيث أسماء أماكن وتواريخ متقاربة تتردد باستمرار. ومواقف تتشابه أبدا، من الصور المخبأة في حقائب اليد إلى تفاصيل رحلة البحث اليائس عن الأحبة، من غير أن يؤدي التكرار إلى التعود على الألم، كل قصة تفيض به كأن لا شبيه لها.

ذكرتني أوديت من ضمن من ذكرتني، بأم نبيل التي فارقت الحياة منذ سنوات قليلة. وأم نبيل التي فقد ولدها أواسط عقد الثمانينيات الأليم كانت أما في أواسط السبعين من عمرها حين التقيتها، وهي لاتزال تبحث عن نبيل المختفي منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما. يومها روت لي كيف أخبرها «أحد ما»، بحسن نية ربما، أو للتخلص من إلحاح سؤالها المستديم، أن نبيل توفي أثناء اعتقاله في سجن تدمر ودفن في الصحراء، ولعله اختلق هذا التفصيل الصغير حول مكان الدفن، لأنه لمس بساطة أم نبيل من جهة، وليوهمها بأن ما يقوله هو الحقيقة مدعمة بالتفاصيل المتعطشة لها من جهة أخرى، فتكتفي بها وتتوقف عن السؤال والبحث؛ لكنه لم يتخيل بالتأكيد أنها ستذهب إلى تدمر للبحث في صحرائها عن نبيل كما فعلت، قبل أن تدرك استحالة مهمتها.

مع ذلك، فهي قصص لاتزال مع أصحابها طي الكتمان، بل إن الزمن نفسه يتآمر ضدها، لأن كل يوم يبدأ مع جديد الاعتقالات وما يصاحبها من اختفاءات تطول أشهرا أو سنوات فلا تترك أحداث الحاضر ما يكفي من جلد وذاكرة لما مضى.

أوديت وزميلاتها في الخيمة، تشاركن الألم والذكريات، لكن أيضا انتزعن قضية إنسانية بهذا الحجم من مزايدات السياسة والسياسيين وأظهرن وجهها الحقيقي واحتفظن بها كما يجب أن تكون، ضد التقادم وضد الزمن وحتى كشف الحقيقة. هذا ليس بالشيء القليل، خصوصا بالنسبة لآلاف الأمهات اللواتي لم يتح لهن حتى اللحظة الجهر بما يعانين، ولا حتى بالإدلاء بمطلب الحقيقة. ولهذا ربما، كان محقا القول إن ما قامت به أوديت وما تتابعه باقي الأمهات، يستحق الحسد ممن لايزال الظلام يخيم على صور أبنائهن.

كانت أوديت تنطق بصوتهن جميعا. لوعة الأم لا تعرف جنسية أو دينا أو تيارا سياسيا. تتشابه من أقصى الأرض إلى أقصاها. لذلك استحقت أوديت أن تكون رسولة الأمهات إلى الحقيقة.

* كاتبة سورية

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء