شاهدت منذ أيام الفنان أو «الكينغ» محمد منير وهو يغني في عيد القوات الجوية أمام الرئيس المصري حسني مبارك وكبار أركان الدولة، الاغاني التي تتغنى مصر، بالإضافة الى رائعته «يونس وعزيزة « من ألبومه الأخير «طعم البيوت»، وختم الحفل بأغنية «خلي السلاح صاحي» في رسالة واضحة الى رئيس الدولة قوامها أن العدو ما زال صاحياً ويتربص بالعرب.

Ad

منير، الذي أحيا منذ فترة وجيزة حفلا كبيراً في دار الأوبرا المصرية خصص ريعه الى ضحايا كارثة الدويقة، نجده اليوم يقف في حضرة الرئيس ويطلب منه الاذن بأداء هذه الاغنية أو تلك، فيجيب الرئيس بابتسامة هادئة تسمح له بالبدء بالغناء. في ختام الحفل اتجه صوبه لمصافحته، وكان حديث دام دقائق بدا منير خلالها سعيداً بملاحظاته.

لم يخلع منير، المعارض الثائر، لباس الثورة والمعارضة ولكنه هذبه وجعله ناعم الملمس ليحظى برضا صاحب الدولة. يشرّع هذا المشهد، الذي بدا غريبا على فنان من وزن محمد منير، الباب أمام الحديث عن علاقة الفنانين بأصحاب الفخامة والسيادة والمعالي، أو عن الفنانين الذين يقررون اتخاذ مواقف واضحة وصريحة من السلطة، فإما المحاباة والانبطاحية وإما العداء بعيداً عن أي مهادنة.

وإذا قرر محمد منير، بكل شعبيته الجارفة، محاباة السلطة لفترة من الوقت، يعادي فنانون آخرون السلطة لصالح الثورة أو الثوار أو المقاومين من دون أن يهتموا بمدى تأثير تلك المواقف على شعبيتهم، وخير دليل على ذلك الفنانة اللبنانية جوليا بطرس التي تساند دول الممانعة والممانعين والثورة والمقاومة في الوقت الذي تفتح فيه معظم الانظمة قنوات مع العدو الاسرائيلي، يكفيها فخراً أن جمهورها هو جمهور المقاومة وهذا شيء يحسب لها لا عليها، لأنها تضع في أولوياتها مبدأ المغنية المناضلة وتعتبره أهم من النجومية.

نجوم

تحذو حذو جوليا النجمة اليسا المعروفة بمساندتها لقوى الرابع عشر من آذار في لبنان، فهي ابنة دير الأحمر التي جاهرت بآرائها السياسية ودفعت ثمن مواقفها من خلال منعها من الدخول الى سوريا، إلا أن هذا المنع لم يؤثر في شعبيتها ونجوميتها وتعتبر من فنانات الصف الاول وصاحبة الرصيد الاكبر في مبيعات الالبومات العربية. مع أنها أجرت، في الفترة الاخيرة، نوعاً من المراجعة الذاتية واقلعت عن التحدث في السياسة، لكن هذا لا يعني أنها غيرت مبادئها.

اختار النجمان عاصي الحلاني وراغب علامة أن يمسكا العصا من نصفها وقررا المحافظة على شعبيتهما في معسكري المعارضة والموالاة. ظهر عاصي، خلال فترة التوتر الكبير الذي ساد العلاقات السورية- اللبنانية، في أسبوع واحد، عبر شاشة تلفزيون المستقبل وفي حفل في سورية أحياه في مناسبة ذكرى انتخاب بشار الاسد رئيساً للجمهورية، رافعاً شعار أن سورية ليست اسرائيل والفنان ملك للجميع. اتهم كثر عاصي الحلاني بأنه من الموالين لـقوى 8 آذار، لكنه رفض التهمة، وردد في أكثر من مناسبة أنه ينتمي إلى كل لبنان.

كذلك الامر بالنسبة إلى راغب علامة الذي حُسب بعد استشهاد الرئيس الحريري على قوى الرابع عشر من آذار، خصوصاً أنه تعرّف على الرئيس الحريري عن قرب وترددت أقاويل عن استعداده لدخول المعترك السياسي من خلال الترشح للانتخابات النيابية، ولكنه نفى كل هذه الطروحات وأكد أنه في النهاية فنان وملك للجميع، ويعرف كيف يستثمر رؤيته السياسية حسب الوقت والظروف المحيطة بلبنان والمنطقة. يتحدث راغب عن انجازات الرئيس الحريري بحرقة ويغني في سورية في الوقت نفسه.

أما النجمة نجوى كرم، فترفع شعار «الجيش اللبناني» وتتغنى به، لكن عندما تعلن أن الجيش اللبناني تم توريطه في نهر البارد فهذا معناه أنها تؤيد التيار السياسي الذي يعتبر الجيش اللبناني من الخطوط الحمر ولا يجوز توريطه في حوادث داخلية، في المقابل تحرص، بما تتمتع به من ذكاء وحنكة، على أن تظهر باستمرار بصورة الفنانة اللبنانية التي لا هم لها سوى المواطن اللبناني.

«آرائي السياسية ملك لي وحدي وليس لدي الاستعداد لأن أخسر أي فرد من جمهوري من أجل السياسة» هذا ما تردده النجمة اللبنانية نوال الزغبي التي لايهمها الدخول في متاهات السياسة، وتعتبر أنها فنانة ملك للشعب العربي من المحيط الى الخليج، بغض النظر عما إذا كان من دول الممانعة أو الدول التي تحمل شعار السلام العادل والشامل.

من منا لا يذكر رائعة ماجدة الرومي «حاصر حصارك» وقد تردد بقوة، عندما أصدرتها في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، أنها أهدتها الى العماد عون المحاصر في بعبدا آنذاك. لكن يبدو أن ماجدة قررت بعد العام 2005 أن تتحول الى فنانة صاحبة رسالة تطاول أوجاع الوطن بأسره، بالتالي لم تعد «حاصر حصارك» تخاطب الجنرال فحسب إنما كل المحاصرين خصوصاً أولئك الذين حاصرتهم نار الإغتيالات في السنوات الاخيرة. هكذا نفت عن نفسها تهمة مناصرة تيار سياسي ضد آخر وحملت شعلة الوطن ومشت.

تيارات مختلفة

بدوره يعتبر الفنان زين العمر من المحسوبين على التيار الوطني الحر ويجاهر بذلك، حاله حال الفنان غسان الرحباني «العوني» بامتياز.

أما صاحبي الصوت البقاعي الاصيل ونعني بذلك الفنانين: ملحم زين ومعين شريف فيتأرجحان بين التيارات المختلفة. عانى الأول من حالة اكتئاب إثر استشهاد الرئيس الحريري مع ذلك لم يخفِ دعمه للتيار المقاوم في لبنان، كذلك الأمر بالنسبة إلى الثاني. وربما يؤدي الموقع الجغرافي الذي ينتميان اليه دوراً في انتمائهما السياسي.

حتى بعض الاصوات الصاعدة في لبنان انتهج خطاً سياسياً محدداً، مثل الفنان أيمن زبيب الذي أطلق عليه الجمهور لقب مطرب الجنوب ونكاد نظن أنه ينتمي إلى الحزب أو الحركة التي يتغنى بزعمائها في حفلاته.

في الختام، يبقى الفرق كبيراً بين أن يكون الفنان صوتاً لنظام أو لمؤسسة سياسية وبين أن يكون صاحب رأي سياسي قد يدفع ثمنه من شعبيته.