صحيح أن انتهاكات حقوق الإنسان يجب أن تنتقد بغض النظر عن الطرف الذي يرتكبها، وبمعزل عن أي مواقف سياسية مؤيدة أو معارضة تجاه المرتكب أو الضحية، لكن لا يمكن الاعتبار بالمثل، أن أي انتقادات مرحب بها بغض النظر عن مصدرها، ومن المعلوم ما ألحقته سنوات الحرب على الإرهاب والسياسات الأمبركية التي انتهكت أبسط المعايير الحقوقية في حربها تلك، من أذى بقضية الدفاع عن حقوق الإنسان وحمايتها، وبشكل خاص، كلما انبرت تلك الإدارة في عهد بوش الابن، للحديث عن انتهاكات هنا أو هناك من هذا العالم، في الوقت نفسه الذي يستمر فيه احتجاز المئات في معتقل غوانتنامو والسجون السرية وما كشف حتى الآن من عمليات التعذيب والاحتجاز التعسفي والترحيل القسري لممارسة الاعتقال والتعذيب بالإنابة.

Ad

فقدان مصداقية الجهة مصدر الانتقاد لا يعني- غالبا- عدم صحة الانتقادات التي تطول هذا الانتهاك أو غيره، لكنها تنحدر بقضايا حقوق الإنسان إلى مجرد أداة أخرى من أدوات النزاع السياسي والمصالح المتقلبة باستمرار؛ كما تفقدها قيمتها الأخلاقية وتذهب بالإجماع المفترض أنه بديهي حولها، بما ترسمه من إشارات استفهام حول الهدف والمصلحة والنيات في تبني هذه القضية أو تلك.

وذلك الاستخدام المسيء بالشكل المذكور لقضايا حقوق الإنسان متبع على نطاق واسع، وليست الدول العربية بمنأى عنه. الشكل الأكثر رواجا، هو إدانة ما يلحق بتلك الحقوق في الأراضي المحتلة على أيدي السلطات الإسرائيلية مع تغاضي العالم الغربي عن تلك الانتهاكات؛ وخلال السنوات القليلة الماضية، كانت الممارسات الأميركية مادة دسمة لتلك الانتقادات العربية، خصوصا في ما تعلق بمعتقلي غوانتنامو وأبو غريب. هذا مع العلم أن ما مورس عربيا في إطار تلك الحرب على الإرهاب، لا يعدو أن يكون تكرارا أشد من حيث الممارسة ومضاعفا من حيث العدد، عما ارتكب أميركا.

لكن الأكثر إثارة للعجب، هو انتقاد سجلات حقوق الإنسان فيما بين الدول العربية نفسها عبر إعلامها الرسمي أو شبه الرسمي، في معرض النزاعات السياسية التي تخوضها، ولأن معظم تلك الدول لديها سجلات سوداء في هذا الإطار، وليست محكومة بظرف زمني معين بل هي دائمة مستديمة ومقوننة عبر منظومة متكاملة من القوانين والأنظمة الاستثنائية أو العادية، فإن أقل ما يمكن أن توصف به تلك الانتقادات، أنها مخجلة.

وبالمثل، كانت الطريقة التي تناول بها بعض الإعلام «الممانع» أخيرا، حدث الإفراج عن الضباط اللبنانيين الأربعة، الذين اعتقلوا على خلفية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري. حيث جرت استعارة تعابير المنظمات الحقوقية بكثافة، من الاعتقال التعسفي إلى عدم استقلالية القضاء إلى العبث بالعدالة. حتى ليعتقد المرء أن تلك التصريحات أدلت بها منظمات حقوقية دولية كمنظمة العفو.

والقارئ لتغطية ذلك الحدث في ذلك الإعلام، يخال أن أصحابه من أشد المدافعين عن حقوق الإنسان ومن أشد المنددين بالأساليب التعسفية في انتهاك تلك الحقوق.

والحقيقة أن استخدامهم للخطاب الحقوقي والمعارض أحيانا، لا يخدم قضيتهم في شيء، بالقدر نفسه الذي يسيء إلى مبادئ حقوق الإنسان ومقتضيات المحاكمة العادلة. وهو يضعهم في موقف مماثل إلى حد بعيد، لموقف الدول الغربية التي يكيلون لها النقد المبرح، كلما انتقدت أوضاع حقوق الإنسان في بلادهم، معتبرين ذلك أولا تدخلا في شؤونهم الداخلية ومسا بسيادتهم، وثانيا، ازدواجية غير مقبولة في المعايير، عبر تجاهل انتهاكات حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة على أيدي قوى الاحتلال.

فالطريقة التي هوجم عبرها القضاء اللبناني والاتهامات التي وجهت له بعدم الاستقلالية والنزاهة، توحي بأن أصحابها لم يعرفوا سوى القضاء المستقل المحايد الذي لم يشهد فسادا أو تدخلا من قبل السلطات الأخرى أو لم يسمعوا بالقضاء الاستثنائي وممارساته والآلاف ممن حكموا في أروقته. وتناول الاعتقال التعسفي على أنه حدث جلل وانتهاك لا يغتفر، لا يوحي فقط بأنهم لم يعرفوا مثل هذا الاعتقال في بلدهم، بل إنهم ضد الإجراء العقابي المتمثل بالسجن أصلا، وأنهم ربما، ممن يطبقون الإجراءات العقابية الأخرى ذات الطابع الإصلاحي، كخدمة المجتمع وسواها!

ولأن واقع الحال ليس كذلك من قريب أو بعيد، كان يكفي تناول الحدث من جانبه السياسي وفقا لوجهة نظر من تناولوه، وترك الجانب الحقوقي بمعزل عن تلك الجعجعة، أو على الأقل، التقتير في استخدام التعابير الحقوقية والتفجّع على حقوق الإنسان.

* كاتبة سورية

 

 

كتاب الجريدة يردون على تعليقات القراء