مؤرخون كثُر وعدد لا يحصى من الكتّاب وضعوا موسوعات ومؤلّفات في محاولة سرد تاريخ البشريّة، والبعض تناول مشكلات محددة وفترات بعينها وشخصيات معزولة. لكن كتاب «التاريخ الكامل للعالم» منذ ما قبل التاريخ الى يومنا هذا، الذي صدر عن «دار الفارابي»، أعده مؤلّفاه ليكون ملخصًا أمينًا يروي الأحداث بحسب تسلسلها الكرونولوجي، وبأكثر قدر من التشويق استنادًا إلى ما هو واقعيّ.

Ad

تبدأ مغامرة البشر قبل زمن طويل من تاريخهم، ولا نملك عن أسلافنا، قبل أن نخترع الكتابة، سوى وثائق أثريّة: عظام، أدوات، ورسومات. ومن خلال ذلك فحسب، نستطيع قراءة ما كانوا يروونه عن أنفسهم، والحقيقة أن الكتابة استعملت منذ حوالى ستة آلاف سنة، ما يعني أن ما قبل التاريخ أطول بكثير من التاريخ.

قام المؤلّفان بجولة انطلاقًا من بدء الحياة على الأرض وتطوّرها عبر التاريخ حتى ظهور الإنسان وتعلّمه الكتابة. ثم انتقلا الى وصف الأنهار القارية وأشهرها النيل الذي يحتفظ دائمًا بما يكفي من المياه ليعبر الصحراء من الجنوب الى الشمال ويصب في البحر المتوسط، ونهرا الفرات ودجلة اللذان يلتقيان ليصبا في الخليج الفارسيّ، ونهر الهندوس الذي ينبع من جبال هملايا ويسقي الصحراء الهندية، والنهر الأصفر الذي أنقذ السهول الصينية من الجفاف ويصب في المحيط الهادي. وكان صيادو ما قبل التاريخ يذهبون للاستقرار قرب هذه الأنهر التي كانت تنمو قربها زراعات بريّة، وشرعوا عندها في تربية المواشي بدل صيدها.

وفجأة صارت البشريّة التي كانت تعدّ خلال سنوات الخير على الأرض ببضعة ملايين من الأفراد على الأكثر، تعدّ بعد الثورة الزراعية ببضع مئات الملايين من البشر، وهو رقم لن يتغيّر حتى الثورة الصناعية للقرن التاسع عشر، بعد ثمانية آلاف سنة من وجود الإنسان. ومجرّد أن وجدت الكتابة دخلت البشرية التاريخ لأننا نستطيع الوثوق في كتب الماضي كما نثق في علم الآثار.

ولدت الدولة في مصر أولا لأنّ الناس اختلفوا على توزيع المياه، ثم فكروا أنه من الأفضل أن يكون لهم ملك «فرعون» كي يسهر على القسمة العادلة للمياه. وبعدها ظهرت الدولة في سومر وفي بابل القديمة، ثمّ الممالك الآرية حول نهر إندوس بعد خمسة عشر قرنًا، وفي الفترة عينها نشأت حول النهر الأصفر الدول الصينية.

ويذكر المؤلّفان ما لشعوب البحر المتوسط من تأثير لأنه كان يعتبر مركز العالم. فالكريتيون توصّلوا الى اختراع السفينة الشراعيّة وقلّصوا الهندسة المعماريّة المصريّة، وأسس الإغريق المدن وجربوا فيها جميع أنواع الحكم وتركوا لنا الحضارة الهلينية، أمّا الفينيقيّون فقد اشتهروا بالتجارة والملاحة واختراعهم الأبجديّة وتأسيسهم مدينتي صور وقرطاجة.

حوالي القرن ٦ ق . م. كان الإنسان يسيطر على الأرض في مصر، وفي بلاد ما بين النهرين، وفي الهند والصين، وكذلك في البحار الساحلية لأوراسيا، وشهد ذلك التاريخ المحاولة الأولى للعولمة التي أثبتها الإسكندر في ما بعد، وكان مشروعه إخضاع العالم.

شرع العالم يميل نحو الغرب فشرع هنيبعل في قرطاجة وقيصر في روما وعاشا في سلام حتى اليوم الذي أراد فيه الرومان الاستيلاء على صقلية التي كان القرطاجيون يملكون القسم الغربي منها، فدارت الحرب البونية الأولى.

كانت الأمبراطورية الرومانيّة في أوج مجدها عندما ولد يسوع الناصري زمن الملك هيرودوس في فلسطين وأخذت المسيحيّة تنتشر في أنحاء العالم. وفي عام 410 احتلّ البرابرة روما ودام سقوطها ستة قرون اختفت فيها الحضارة، وكانت الامبراطوريّة انهارت تمامًا إلا حول القسطنطينية في الشرق حيث دعيت باسم الامبراطوريّة البيزنطيّة.

وفي عام 571 ولد في مكّة النبي محمد (صلعم) الذي دعا الى الإسلام باسم الإله الواحد بعد أن ضاق ذرعًا بعبادة أهل مكة للأصنام. وكان النبي الوحيد من بين مؤسسي الأديان الذي كان في الوقت نفسه قائدًا سياسيًا وحربيًا. وبذلك لم يؤسس دينًا وحسب، وإنما أسس دولة أيضًا، موحدًا قبائل العرب المتفرقة وقائدًا لجيوشها أيضًا.

توّلى الخلفاء الحكم بعد موت النبي، لكن حدث اعتراض على وراثة الخلافة فقُتل عليّ وانشق أتباعه الذين أرادوا أن يظلوا أوفياء لنسله ودعوهم بالشيعة.

انتقلت العاصمة العربية مع الدولة الأموية الى سوريا. وفي العام 712 عبر العرب الى اسبانيا وتجاوز جند الله جبال البيرينيه غربًا، لكن مملكة الأمويين فقدت السلطة وخلفتها مملكة العباسيين. وعرفت الخلافة الإسلاميّة ذروة مجدها أيام هارون الرشيد، وفي القرن التاسع كانت دار الإسلام تمتدّ من البيرينيه الى أفغانستان، وبدأت الفتوحات الإسلاميّة في الهند حوالى سنة 1000.

في ذلك الوقت كان الغرب يتحضّر للحملات الصليبية على الشرق، التي جلبت معها سمعةً غايةً في السوء، فهي لم تكن ضد المسلمين فحسب وإنما ضدّ يهود الشرق ومسيحييه.

وعرف الغرب في القرن الرابع عشر كارثةً أخرى هي حرب المئة عام بين فرنسا وانكلترا ظهرت من خلال شخصيّة من أعرق الشخصيّات في التاريخ ألا وهي الفتاة المغمورة جان دارك التي أحيت فرنسا.

تميّز القرن الخامس عشر بسقوط القسطنطينيّة على يد الأتراك، واسترداد غرناطة من المسلمين، واكتشاف كريستوف كولومبوس لأميركا. وأطلّ القرن السابع عشر بعظمته التي استوحاها من أمجاد أوروبا والتي بدأت الإصلاحات وأنتجت العباقرة أمثال ريشيليو ومازارين وديكارت وبسكال، وموليير وكورناي وراسين. أمّا القرن الثامن عشر فقد تميّز بالتنافس البحريّ بين فرنسا وانكلترا وارتياد البحار الجنوبيّة التي صوّرها الانكليزي جيمس كوك والفرنسي لابيروز اللذان اكتشفا استراليا وأوسيانيا، وأصبح الفرنسيّون سادةً على أميركا الشماليّة كلّها تقريبًا وسيطروا في العام 1750 على شبه القارة الهندية. ودعي هذا القرن أيضًا بعصر الأنوار مع ظهور ديدرو وفولتير وجان جاك روسو، لكنه لم يخلُ من جوانب مظلمة أهمها تجارة الرقيق الأسود التي اكتسحت افريقيا السوداء. ثم انفجرت الثورة الفرنسيّة الكبرى وأطلّ نابوليون الذي غدا فيما بعد امبراطورًا مكرسًا على يد البابا.

في هذه الأثناء كانت الولايات المتحدة الأميركيّة بمعزل عن التاريخ العام، وفي العام 1800 شيّدت عاصمة فيدرالية تسمى واشنطن. لكن الحرب الأهليّة ما لبثت أن وقعت بين الجنوب والشمال وأودت بحياة 600 ألف إنسان.

لملمت الولايات المتحدة جراحها بعد أن توحدت ودخلت في عالم الصناعة والأبحاث والاختراعات. لكن الحرب العالمية التي نشبت بين ألمانيا وأتباعها النمساويين والعثمانيين والبلغار من جهة وفرنسا وانكلترا وايطاليا من جهة أخرى أدّت إلى إرسال مليون جندي أميركي لم يدخلوا المعركة إلا في يوليو (تموز) 1918، فارتفعت معنويات الفرنسيين والانكليز والروس. وفي ذلك الوقت سقط نظام القياصرة في روسيا ونجح لينين في ثورته وانتشرت الشيوعيّة.

انتهك هتلر في الثلاثينيات من القرن العشرين معاهد فرساي، وأعاد تحريك آلة الحرب الألمانية، فاندلعت الحرب العالمية الثانية ولم تتوقف إلا بعد قصف هيروشيما ونكازاكي بالقنبلة الذرية.

ويختم المؤلفان بالمرور على حرب الجزائر والصراع الإسرائيلي الفلسطيني وانهيار الاتحاد السوفياتي والعولمة.

في هذا الملخص لتاريخ الإنسانيّة إفادة قصوى للقارئ الذي يستطيع تحديد مصيره الشخصي في مسيرة التاريخ الجماعي الكبير، وهو قصة حقيقية يمكن أن نجد فيها تفسيرات قابلة للمناقشة، وهي موجّهة للجميع باستثناء من يمتهنون التاريخ.