العبارة الأولى التي قالها اللبنانيون في الشارع والمقهى والتلفزيون، بعد توقُّف الأحداث المريرة في بيروت والمناطق، الحسرة (او العترة بالمعنى العامي) على الذين قتلوا»، وهي تختصر ما حصل، أو تبيِّن عبثية ما جرى في بيروت المدينة العريقة للمستقبل، وفي جبل الأصالة وفي طرابلس الفيحاء. الحسرة على عائلات تعبت في تربية أبنائها فقتلوا في النهاية في معارك سخيفة، قيل إنها «أهلية»، «عبثية»، أو إنها «حروب الآخرين على أرضنا»، كثرت التسميات من هنا وهناك، مع أن الحرب هي الحرب والموت هو الموت، «الموت وحده لا يكذب» قال أحد الأصدقاء.

Ad

«الحسرة على الذين قتلوا»، هل يعرف ذلك أولئك الذي يستعملون السلاح دفاعاً عن السلاح، أولئك الذين يعتبرون الرجولة في الحرب والخنوثة في السلام؟! ماذا سيقول «حزب الله» للذين قتلوا في الشارع، في الجبهة وفي لحظة نقاش سياسي؟ ماذا يقول لعوائل القتلى؟ لن أسميهم شهداء، ضجرنا من هذه الكلمة ومن الزعم بأن الشهيد هو من يدافع عن قضية، الحرب هي الحرب. هل يتوقف «حزب الله» عن التحشيد والتحريض؟ أم إنه لا يملك متنفساً الا هذا؟ هل يتوقف السيد حسن نصرالله عن إعطاء الوعود سواء بالإنتصارات الكرتونية التي يخسر فيها الجميع، أو بقطع الأيادي ونزع الأرواح دفاعاً عن السلاح؟

«الحسرة على الذين قتلوا»، والخوف من أن نقتل جميعاً حرصاً على «السلاح المقدس».

* * * * * * * * * *

النموذج الأخطر على السياسة اللبنانية هو الفتاوى والتكليف الشرعي الذي يأتينا في كل مرة من «حزب الله» وغيره من الجماعات اللبنانية، وهو خطر سواء في الانتخابات النيابية او في الحرب أو في السلام. تعهّد «حزب الله» مراراً وتكراراً بأنه لن يوجِّه سلاحه الى الداخل، وفجأة أعلن الحرب دفاعاً عن هذا السلاح، زاعماً أن تيار المستقبل شوكة في خاصرة المقاومة، تعهّد للوزراء العرب بأنه لن يستعمله لتحقيق مكاسب سياسية، لكن من يدري أية فتوى تبدِّل الأحوال قريباً وتنسف الهيكل على رؤوس أهله.

* * * * * * * * * *

أوقفت وسائل إعلام تيار المستقبل في بيروت، وتعرضت أخرى للتهديد والحرق، وهذا ينم عن عدائية تجاه الصوت الآخر وإيماء الى عقلية الأحزاب الشمولية في لبنان التي أول ما تقمع الصحافة والثقافة بحثاً عن ثقافة أحادية قائمة على فاشيات قديمة.

بعيداً عن هذه القضية الشائكة أو المعضلة التي تنخر عقول الكثير من الأحزاب اللبنانية، من يراقب معظم المحطات اللبنانية يتنبه الى الحاجة الى إعادة تنظيم وسائل الاعلام بما يتلاءم مع الضرورة الوطنية وليس الحزبية أو الطائفية، لم تثمر لعبة المحاصصة فيها إلاّ الأحقاد والدعوات الى القتل والضغائن والسموم الهوائية. بعض المحطات الفضائية أخطر من السلاح على المواطنين، فهي القتل بعينه وتدل على أننا لم نبلغ «سن الرشد» التي تحدث عنها الرئيس الراحل الياس الهراوي، ما زلنا قبائل وجماعات نزعم امتلاك الحداثة ولا نعرف كيف ننقل الخبر.

يُقرأ المكتوب من نشرات الأخبار في لبنان، اذ لا شيء اسمه الموضوعية، لا مكان لها في لبنان، معظم وسائل الاعلام متاريس تمارس اللعب على الغرائز.