خلال زيارته عاصمة العراق بغداد، سيجد أي مقيم في الولايات المتحدة أموراً كثيرة تذكره بالحياة في موطنه: زحمة سير خانقة، تلوث شديد (ضباب ودخان كثيف)، وطلقات رصاص متقطعة... لكنه لن يجد مخيمات المهجّرين المُتراصّة.

Ad

على رغم وجود أكثر من مليوني عراقي مهجّرين من منازلهم بسبب الحرب والنزاع الطائفي، من النادر أن ترى عائلة تعيش في الشارع في وسط مدينة بغداد التي تعج بالحركة. لذلك صُدم المقيمون في وسط المدينة بظروف عليا عباس علي قاسم تبتي (48 عاماً) وعائلتها المزرية. منذ شهرين من الآن، والعائلة تتخذ من أدراج مسرح الرشيد المقفل، على ضفة نهر دجلة، منزلاً لها.

ويتألف مخيمها الذي يحيط به حاجزا تفتيش للشرطة من مجموعة فرش عتيقة، أكوام من البطانيات، وعشرات العلب المصنوعة من الكرتون، وأكياس بلاستيكية وقناني مياه فاسدة.

منذ فترة قصيرة، أعدّت عليا تبتي طبقاً من الطماطم والخضار المطهيّة على غاز صغير فيما كان والدها ووالدتها (كلاهما في الخامسة والستين) يحتميان من البرد ببطانية وينظران بشرود إلى حركة السير. وعلّق علي عبد الحسين، موظف في وزارة الاتصالات كان ماراً من هناك: «إنه مشهد سيئ فعلاً. أشعر بأسى شديد على هذه العائلة لأنها تعيش بهذه الطريقة. إنه أمر نادر جداً في العراق».

حلم العودة

اللافت في الأمر التفسير الذي تقدمه العائلة لظروفها المأساوية، فهي تقول إنها ليست من دون مسكن ومال فحسب، بل من دون دولة أيضاً. وصرّحت عليا تبتي بحماسة: «نحن صينيون، نريد العودة إلى وطننا، إلى الصين، لكننا لا نستطيع».

أثناء حديثها كانت المرأة تلوّح بشرود بالقشارة التي استعملتها لتحضير الخضار. اتسعت عيناها وتابعت: «نحن لسنا عراقيين، نحن بوذيون. نريد العودة إلى موطننا إلى التيبت».

تجمّع حشد صغير إلى جانب الطريق فيما كانت المرأة تتحدث إلى صحافي. وسأل أحد الرجال «هل قالت إنها صينية؟»؛ «لا تبدو صينية» علّق آخر... اعترفت عليا تبتي ووالداها بأنهم ولدوا في كربلاء، المدينة المقدسة في العراق وأنهم لا يستطيعون قول كلمة باللغة الصينية، لكنها أصرت على أنها تنتمي إلى الصين. بحسب قولها جاء جدها عام 1910 من التيبت إلى العراق الذي كان تحت حكم البريطانيين واستقر في كربلاء ليعلّم في إحدى المدارس: «نحن من الصين أساساً».

كدليل، سحبت كيساً بلاستيكياً مليئاً بمستندات وأخرجت منه ثلاث وثائق سفر عراقية. ويرد في الأوراق أن الثلاثة مولودون في كربلاء. وتحت عنوان الجنسية وردت ملاحظة «يدّعون بأنهم صينيون».

ذكرت عليا أنه في ظل حكم صدام حسين، صنفت عائلتها بأنها هندية وطردت من منزلها في كربلاء: «لأننا كنا غرباء»، ثم استقرت في بغداد عام 1980 وعمل الوالد كمصوّر.

جلس الوالد على فراش، مغطياً نصف جسمه ببطانية، كان يضع ربطة عنق حمراء ويعتمر قبعة صوفية. عندما تحدث تفوّه بتفاهات، لم نفهم منه شيئاً. وأوضحت الابنة أنه «أرسل إلى السجن مرتين في ظل النظام السابق، لم يستلطفوه لأنه كان غريباً. لم يخبرني يوماً أي شيء عمّا حدث، وعندما عاد إلى المنزل كان يمضي ساعات طوال وحده في غرفته».

ثم أشارت عليا إلى مجمع مسوّر عبر الشارع: السفارة الصينية. منذ ثلاث سنوات، التقت العائلة بمسؤولين هناك ونقلت إليهم قضيتها. وقالت بغضب: «أعطينا مستنداتنا كافة إلى السفير السابق لكنها لم تفد بشيء، قيل لنا كيف يمكن أن تكونوا صينيين وألا تتحدثوا اللغة الصينية؟»، ولهذا نحن نجلس هنا، أمام السفارة، كي يرونا.

فيما كانت عليا تتحدث، كان الحشد في الشارع يصدر أصواتاً تعبر عن مدى تأثره بالرواية الحزينة التي سردتها.

وأوضح أحد رجال الشرطة: «يأتي كثيرون إلى هنا ويعرضون المساعدة لكنها ترفض. لدينا حاجزا تفتيش في الجوار كي نحميهم. نحن لا نسمح لأحد بمضايقتهم».

في وقت لاحق من ذلك اليوم، اتصل صحافي بالسفارة الصينية للسؤال عن قضية عائلة تبتي الغريبة، فعبّر الناطق باسم السفارة، عرّف عن نفسه بأنه «شو»، عن مفاجأته لادعاء عائلة مشردة أنها عائلة صينية.

وسأل شو، «إذا ادعيت أنني أميركي، هل تصدقني؟، طبعاً لا! فكيف لنا أن نصدقهم؟»، موضحاً أنه من دون جوازات سفر صينية أو أي نوع آخر من وثائق التعريف الصينية، السفارة عاجزة عن المساعدة.

وتابع: «يحاول كثيرون الادعاء دائماً بأنهم صينيون، لكن ما من أحد في العراق يدعي بأنه صيني»، باستثناء عائلة تبتي.