دفع الشريط المسجَّل لوليد جنبلاط الذي سُرّب أخيراً عبر وسائل الإعلام متضمناً كلاماً للأخير تناول طوائف لبنان الأساسية، إلى التوقف عند طبيعة علاقة جنبلاط بتلك الطوائف، على ضوء التغيرات محلياً وإقليمياً.

في نهاية التسعينيات وبداية العقد الأخير من القرن الماضي، أجرى وليد جنبلاط تحولاً أساسيا في توجهاته، وهو تغير بعدما كان أثناء مناقشات اتفاق الطائف وما سبقه وتلاه واحداً من سيوف النظام السوري الأهلية في لبنان. إذ كان السيد عبدالحليم خدام، الذي كان وزيراً للخارجية السورية يومذاك، يحتج بوليد جنبلاط الغائب عن المؤتمر حين يريد فرض تنازلات اضافية في مسألة من المسائل على النواب المسيحيين المجتمعين.

Ad

ووليد جنبلاط يومذاك كان بالنسبة إلى المسيحيين فزاعة من الفزاعات التي يستعملها النظام السوري، خصوصاً ان الزعيم الدرزي كان قد خاض حرباً في جبل لبنان ضد القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع يومذاك، وكان من محصلتها الكارثية أن تم تهجير معظم مسيحيي الشوف وعاليه وبعبدا، بعد حوادث قتل وعنف أصابت الأهالي الآمنين اكثر مما أصابت المقاتلين أنفسهم، مثلما هي الحال في كل الحروب الحديثة الأهلية منها والتقليدية. على عتبة عام 2000، الذي شهد حدثين مفصليين لبنانياً، اجرى وليد جنبلاط أول تحول جدي في توجهاته، متقرباً من المسيحيين اللبنانيين، الموارنة منهم على وجه الخصوص، ومبتعداً ما أمكنه ذلك عن حلفاء الأمس المرتبطين بالنظام السوري.

حدثان مفصليان

الحدثان المفصليان كانا على التوالي: انسحاب اسرائيل من جنوب لبنان وفقاً للقرار 425 بحسب رؤية الامم المتحدة لهذا القرار وتفسيرها له، في 25 مايو 2000، وموت الرئيس السوري التاريخي حافظ الأسد بعد ذلك الحدث بأيام قليلة.

يومها بدا للمراقبين السياسيين ان الانسحاب الإسرائيلي أسقط في يد سورية، وأنها باتت أعجز عن تمرين مخالبها في جسم اللبنانيين المقاومين للاحتلال وفي الجسد الإسرائيلي الذي كان يتعرض لضربات مقاومة أصبحت محترفة إلى حد كبير، وجعلت من نشاطها ضد الاحتلال الإسرائيلي عبئاً لا يطاق على الجسم السياسي والأمني الإسرائيلي على حد سواء.

اسرائيل من جهتها، رأت في الانسحاب من جنوب لبنان خطوة اولى وحاسمة في ترتيب ستاتيكو جديد في المنطقة من خلال نزع الذريعة اللبنانية المتعلقة بتحرير الأرض اللبنانية، وتالياً وضع النظام السوري في موقع حرج من خلال ربط مخالبه ولفها بالقطن، مما يؤذن بنهاية حتمية لمعادلة اللاحرب واللاسلم التي أرساها واخترعها الرئيس السوري الراحل، وهي المعادلة التي قضت بأن تحارب سورية باللبنانيين والفلسطينيين، وأن تمتنع امتناعاً تاماً عن تجاوز الخطوط الحمر لئلا تتعرض سورية نفسها لردود إسرائيلية عسكرية وأمنية تضعها دولة ونظاماً على حافة الهزيمة او الانهيار. فمعنى اللاحرب واللاسلم، ان سورية غير قادرة على الحرب ضد اسرائيل بسبب الخلل الفادح في موازين القوى العسكرية بين الطرفين، وانها غير قادرة على السلم، بمعنى انها غير قادرة، بحسب منطوق خطابها الشعاري واللفظي والسياسي على حد سواء، على ضبط المجموعات المعترضة والمناضلة والمقاتلة ضد استمرار الاحتلال الإسرائيلي. وهذا كان يعني إسرائيلياً استبعاد الحروب الكبرى والتيقن من استحالة حدوثها، والاضطرار على دفع تكلفة حروب صغيرة، لكنها مكلفة على كل المستويات، بديلاً عن الحرب الكبرى.

لحظة فلسطينية مختلفة

غني عن القول، ان تحرير ما تبقى من جنوب لبنان في عام 2000 حصل في لحظة فلسطينية مختلفة عن اللحظة الحالية. كان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يومذاك قد أخرج القرار الوطني الفلسطيني من أسر التجاذبات العربية ومضى في طريق اوسلو الذي كان الرئيس السوري الراحل يعترض عليه اشد اعتراض. في تلك اللحظة السياسية كان عرفات يدير عملياً وبنجاح لافت، المقاومة العسكرية ضد اسرائيل والمفاوضات في الوقت نفسه. هذا قبل ان تنهار العملية برمتها اثر مفاوضات كامب ديفيد بين حكومة ياسر عرفات وحكومة ايهود باراك تحت رعاية الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون.

هذا كله جعل الرأي العام السياسي الإسرائيلي متحمساً للانسحاب من جنوب لبنان، فالفصائل الفلسطينية المعارضة أكثر هشاشة من تهديد أمن اسرائيل من جهة أولى، لأن خيار اوسلو كان لايزال وازناً في الوسط الشعبي والسياسي الفلسطيني، ونزع الذريعة اللبنانية وإلقاء ظلال من الشكوك الدولية حول حق لبنان في المقاومة بعد الانسحاب الإسرائيلي من أراضٍ لبنانية وفقاً لمقررات الأمم المتحدة يجعل أمر استئناف الحرب اللبنانية المرعية والمطلوبة سورياً أصعب من ان يحوز رأياً أكثرياً في لبنان فكيف بتحقيق إجماع حوله.

كانت الخلاصة الاسرائيلية يومذاك تقول: إن اسرائيل قررت ان تتقبل الهزيمة في لبنان لأن هذه الهزيمة على الجبهة اللبنانية تعني من دون لبس انتصاراً على الجبهة السورية. وليس خافياً أن وقائع الأيام التي تلت الانسحاب الإسرائيلي أثبتت ان اليد السورية لم تعد طويلة فعلاً، وأن السياسة السورية برمتها تعرضت لهزة عميقة جعلتها تدخل في نفق من الارتباك والارتجال أدى في ما ادى بعد أعوام إلى انسحاب سوري تام من لبنان، مع ما رافق ذلك الانسحاب من حوادث ووقائع جسام.

في تلك اللحظة، كان مفهوماً أن يعمد وليد جنبلاط إلى الالتفاف على مواقفه وتوجهاته السابقة، فهو زعيم طائفة لا تقوى، لأسباب كثيرة، على الصمود في موقع الدفاع، وتحتاج دوماً إلى إثبات دورها وتحسين مواردها، أن تقع على الثغر الأمامي في رأس حربة الهجوم.

جنبلاط الثابت سورية المتحولة

لا يطيق الزعيم الدرزي بسبب تركيب طائفته التي يتزعمها الصمود في ظل الحصار، والحال كان الزعيم الدرزي يرى في تلك اللحظة حليفه السوري واقعاً تحت ضغط حصار خانق بدأ بتجفيف موارده جميعاً وانتهى بشن هجوم دولي عليه نتج عنه نتائج نعيشها اليوم. لذلك قرر ومن دون تردد على الأرجح، ان ينتقل إلى محاذاة الضفة الثانية، وهذه المحاذاة لا تعني بطبيعة الحال التحاقاً كاملاً بالمشروع المعادي لسورية، لكنه يعني من دون شك ان يتركها وحدها في الحصار.

اليوم يشعر وليد جنبلاط أن النظام السوري استعاد بعض موارده في لبنان وفلسطين خصوصاً، انه قادر على معاودة القتال من الشرفة وليس من صحن الدار كما كانت حاله في السنوات الأخيرة التي أعقبت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان. لذلك لا يتردد وليد جنبلاط في إعادة تقييم حساباته السياسية بما يعني محاولة تليين لهجته وسلوكه في مواجهة النظام السوري من جهة اولى وفي مواجهة الطرف الذي استطاع وراثة النظام السوري في الهيمنة على لبنان، أي حزب الله المرعي إيرانياً والمتحالف مع سورية حتى الساعة. لكن وليد جنبلاط، استمر طوال هذه الفترة الحرجة محافظاً على علاقته المميزة وتحالفه الحاسم مع تيار المستقبل اللبناني الذي قاده الرئيس الراحل غيلة رفيق الحريري وورثه في قيادته نجله سعد الحريري. ذلك ان هذا التيار كان ولايزال يملك من الموارد ما يجعله تياراً راسخاً وغير قابل للشطب في الحالة اللبنانية، وغني عن البيان ان الدعم السعودي - المصري - الأردني لهذا التيار يعني بداهة ان هذا التيار مازال يملك من النوافذ والأبواب التي يأتيه منها الهواء ما يجعله ممتنعاً على الشطب او الخسارة، وما يجعل اي تسوية مقبلة للوضع اللبناني غير ممكنة من دون أخذ مصالحه في الاعتبار. والحال، فإن التحالف مع تيار المستقبل بالنسبة إلى جنبلاط بقي على الدوام، منذ اتفاق الطائف حتى اليوم كان ثابته الوحيد، والأرجح ان هذا الثابت لن يصبح متغيراً في المقبل من الأيام.

على هذا يمكن توصيف الموقع الجنبلاطي على النحو التالي: ثبات في العلاقة مع تيار المستقبل التي تفتح للزعيم الدرزي نوافذ عربية دائماً ودولية في أحيان كثيرة، وتغير في التحالفات التي تتصل بالعلاقة مع سورية، بحسب وضع سورية نفسها، والدور الذي تستطيع أداءه دولياً وإقليمياً. وهذا ربما ما يفسر مغامرات جنبلاط اللفظية المتكررة في السنوات القليلة الماضية وتكرار اعتذاراته وتوضيحاته على ما يعتبره البعض من هفواته السياسية، على ما حصل في الايام القليلة الماضية.

سعياً إلى وراثة الموارنة

هذا في ما يخص موقع وليد جنبلاط كزعيم لطائفة صغيرة، شحيحة الموارد في لبنان، على مستوى العلاقات الخارجية التي تتحكم بالوضع اللبناني عموماً.

لكن وليد جنبلاط أيضاً يملك أسباباً داخلية تجعل تقلباته تلك من ثوابته. فوليد جنبلاط، رغم انه ليس الوحيد المتقلب بين اتجاه وآخر في لبنان، فإنه الزعيم الوحيد الذي يمكن اعتبار التقلب في المواقف والاتجاهات من ثوابته.

يعرف وليد جنبلاط أكثر من غيره، ان الطائفة السنية اللبنانية هي طائفة ناهضة وذات حضور محلي وازن، وتملك علاقات دولية وعربية تؤهلها لتزعم مشاريع لبنان المستقبلية قدرة على التنفيذ وصموداً في وجه المكاره، وكذلك فهو يدرك تماماً ان الطائفة الشيعية هي الأخرى ناهضة وتشهد حراكاً هائلاً، وبصرف النظر عن مشروعها السياسي المعرض للحصار الدولي والعربي غالباً والمتمكن من نسج علاقات تدرأ عنه الاخطار الكبرى في احيان اخرى. مما يعني على المستوى اللبناني البحت، ان اي تسوية قابلة للحياة في لبنان ستلحظ دوراً راجحاً للطائفة الشيعية بصرف النظر عن تقلبات الأحوال الدولية والعربية. والحال، فإن الشراكة الممكنة والقابلة للتحقق اليوم في لبنان لا يمكن ان تتم بمعزل عن اخذ مصالح هاتين الطائفتين الحيوية في الاعتبار.

وفي هذا التحول البنيوي في علاقات الطوائف بلبنان الكيان والدولة ما يجعل طائفة اخرى كبرى ومؤسسة، بل الطائفة المؤسسة للكيان، محدودة القدرة على فرض اعتبار مصالحها في اي تسوية مقبلة. الموارنة اللبنانيون منذ اتفاق الطائف حتى اليوم لا يجدون مورداً خارجياً غنياً وقوي الأثر في الداخل اللبناني يوازي قوتهم الداخلية، لذلك تمر المشاريع الكبرى من فوق رؤوسهم غالباً.

البطريرك صفير

بل ان البطريرك الماروني مايزال يردد لزوّاره خلفيات العبارة التي اطلقها المبعوث الاميركي ريتشارد مورفي على لبنان عام 1988، حين قال: «مخايل الضاهر او الفوضى»، وكان ان حصلت الفوضى. ففي تلك الأيام الحالكة من تاريخ لبنان، وتاريخ الطائفة المارونية على وجه التخصيص، طلب إلى بطريرك الموارنة ان يختار بضعة أسماء من الشخصيات المارونية ليتم الاتفاق بين سورية وأميركا على اختيار واحد منها رئيساً للجمهورية خلفاً للرئيس امين الجميل المنتهية ولايته يومذاك. وكان أن اختار البطريرك الماروني بضعة اسماء، لكن المفاوضات بين السوريين والأميركيين رست على عبارة مورفي الشهيرة التي خاطب بها الموارنة تحديداً: «مخايل الضاهر او الفوضى». الحكاية نفسها تكررت في عام 2008، حين اتفق اللبنانيون استناداً إلى المبادرة العربية التي رعاها عمرو موسى امين عام الجامعة العربية، والتي تقاطعت مع المبادرة الفرنسية التي رعاها برنار كوشنير وزير خارجية فرنسا، والتي كان من شأنها أن أثمرت إلحاحاً فرنسياً وعربياً على البطريرك الملدوغ من الجحر نفسه عام 1988، بتسمية بضع شخصيات مارونية لتولي منصب رئاسة الجمهورية، وكان ان فعل ذلك بعدما حصل على تطمينات وتعهدات بألا يكرر اللاعبون الدوليون والمحليون ما حصل معه عام 1988. وكان له ما أراد من تطمينات وتعهدات، لكن اللاعبين الدوليين والمحليين عادوا وأوقعوا بطريرك الموارنة في الفخ نفسه ولدغوه من الجحر نفسه مرة ثانية.

من رابع إلى ثالث

وليد جنبلاط الذي يتحسس وضع الطائفة المارونية هذا يعرف من دون شك ان التجاذبات والصراعات التي تعصف بلبنان حالياً تأكل من حصة هذه الطائفة في لعبة التوازانات الداخلية أكثر من غيرها بطبيعة الحال. لذلك يطمح الزعيم الدرزي ان يتحول من رابع إلى ثالث في المعادلة اللبنانية على حساب هذه الطائفة. بل ان وليد جنبلاط، بعد 14 آذار 2005، والمشهد الذي بوأ قادة الموارنة موقعاً حاسماً في ثورة الأرز، بعد اغتيال الزعيم السني رفيق الحريري، وفي لحظة الارتباك التي تلت اغتياله على مستوى الطائفة السنية وسبل تجديد الزعامة الحريرية ووراثة ارث الزعيم الراحل السياسي.

في تلك اللحظة على ما يذكر اللبنانيون، استدار وليد جنبلاط مرة اخرى، ومد يداً منقذة إلى حزب الله الذي كان قادته في حارة حريك يسمعون قرقعة جرافة التدويل ويقدرون انها لن تلبث ان تجرف معها كل منجزاتهم المحلية. وعلى نحو ما مد وليد جنبلاط يداً منقذة إلى حزب الله المربك آنذاك، استقبل عودة ميشال عون الزعيم الماروني من منفاه بوصفه تسونامي. الأمر الذي بدا في تلك اللحظة استعداءً جنبلاطياً لزعيم كان لايزال حتى ذلك الوقت من زعماء ثورة الأرز.

استجابة عون

والأرجح ان سذاجة ميشال عون السياسية ومزاجه الحاد كانا وراء استجابته للتحدي الجنبلاطي، مما جعل الموارنة يخسرون فرصتهم الذهبية التي لم تلح مثلها لهم منذ افتتاح الحرب الأهلية اللبنانية. تلك الفرصة التي كانت قد تمكنهم من أداء دور اساسي في قيادة فريق 14 آذار مع كل ما يستتبعه من علاقات دولية وعربية كانت أبوابها مفتوحة امامهم، خارجياً، وكانت طريقها ممهدة داخلياً خير تمهيد، ذلك ان الطائفة السنية كانت في تلك اللحظة تفتقد زعيمها الأبرز الذي ذهب غيلة، وفي الوقت نفسه لم يعمد وجهاؤها ومقدموها إلى تحصين الموقع السني بما يتيح لقادة الطائفة أداء دور راجح يومذاك. فكان الرئيس سليم الحص منبوذاً تقريباً، والنائب تمام سلام موضوعاً على رف الانتظار، بينما رفض قادة 14 آذار الموارنة يومئذ المس بمنصب رئاسة الجمهورية الموقوف للموارنة، وطالبت تظاهرة الفريق الاستقلالي يومئذ بتنحية عمر كرامي رئيس الحكومة السني، الذي كان يومها مستجداً في الحكم ولم يكن واحداً من حلفاء سورية الموثوقين على ما يعرف الجميع. والنتيجة كانت واضحة، استفراد ماروني، ومسيحي استطراداً بقيادة ثورة الأرز المرعية دولياً، وغياب سني بارز، إلى حد أن احلاماً راودت وليد حنبلاط نفسه بالقدرة على تزعم الدور السني في البلد ووراثة حليفه الأوثق رفيق الحريري في الزعامة والعلاقات. وهذا أمر لم يحصل طبعاً ويستحيل أن يحصل على أي حال، إذا ما نظرنا إلى التركيبة اللبنانية وتفحصناها ملياً.

استجاب عون للفخ الجنبلاطي وانفصل عن الموقع الذي كان يؤهل الموارنة لتحقيق شراكة جدية مع السنة أولاً والشيعة ثانياً في البلد، وخسر الموارنة فرصتهم الذهبية تلك. وغير خافٍ من سلوك وليد جنبلاط التاريخي، اقله منذ اتفاق الطائف حتى اليوم، انه متحالف على طول الخط مع الطائفة الأغنى موارد على مستوى لبنان والخارج، وهي الطائفة السنية، ومختلف على طول الخط مع ميشال عون الذي يطمح إلى عودة الموارنة إلى الاستئثار الكامل او شبه الكامل بحكم لبنان، رافضاً أي شراكة ممكنة مع الطوائف الأخرى المقررة، بما لا يتناسب مع موارد الطائفة الداخلية والخارجية على حد سواء.

والحال ثمة ثابتان في سياسة وليد جنبلاط الداخلية لم يتغيرا أبداً: التحالف مع الزعامة السنية الكبرى حتى في أحلك الظروف، والتوجس والخشية من صعود نجم الطائفة المارونية مجدداً وامساكها بزمام المبادرة على ما حصل في لحظات قليلة تلت اغتيال الرئيس الحريري في فبراير من عام 2005.

أما العلاقة التي ينسجها وليد جنبلاط مع ممثلي الطائفة الشيعية الأبرز، فكانت على الدوام علاقة متغيرة: مرة يكونون خصوماً ويشن عليهم حروباً ضارية، ومرة يكونون حلفاء وموثوقين. والأرجح ان وليد جنبلاط وهو يشكل صورة التوازنات في البلد يعرف جيداً أن حظوظ الموارنة في استنهاض دورهم المقرر قليلة نسبياً وهو يحاول جهده تعطيل قيامة هذا الدور، كما يعرف جيداً أيضاً أن حظوظ انحدار دور الطائفة السنية ونضوب مواردها يكاد يكون مستحيلاً، مما يجعلها الثابت الأول في المعادلة اللبنانية. أما حين تتجه انظار جنبلاط جنوباً نحو الطائفة الشيعية فهو يدرك بعين المراقب الألمعي ان هذه الطائفة تشبه في ما تشبه بروليتاريا الطوائف في لبنان، اي تلك الطائفة التي لا تملك غير جهدها ودمها تقدمه في سبيل تعزيز مكانتها في المعادلة اللبنانية.

لكنه وبسبب من خبرته العميقة يعرف ايضاً ان هذه الطائفة عصية على الشطب والتهميش، لأن قادتها هم افضل من يحسنون استخدام مواردهم الشحيحة والأقدر على جعل الموارد القليلة ثروة لا يستطيع لبنان العيش في غنى عنها.